لسانك حصانك .. فلا تركبه بالمقلوب – بقلم : وليد رباح

الجالية العربية ….
بقلم : وليد رباح – نيوجرسي ….
حدثني احد الاصدقاء اقصوصة اقصر مما توقعت .. عن رجل فلسطيني هاجر من بلدته الصغيرة الى اسبانيا في الاربعينات من القرن الماضي .. لكنه سقط في الميناء الاسباني طبيا .. لانه كان يحمل مرض التراخوما في عينيه .. ولم تمكنه السلطات من النزول الى الارض الاسبانية .. وظل في الباخرة بضعة ايام حتى عاد مع الباخرة الى ميناء يافا .. ومن ثم الى قريته .
ولكن الحكاية لم تنته بعد .. فقد امضى الرجل بقية حياته يتحدث العربية بلهجة اسبانية .. فان طلبت اليه ان يعطيك شيئا قال لك ( سي سنيور) وان ناديته باسمه قال لك ( سي) حتى ان طلبت اليه ان يلعب معك الورق قال لك (سي) فلقبه الناس بالمستر (سي)
واذا كان المستر (سي) قد شاهد اضواء المدن الاسبانية عن بعد وهو ينتظر الرجوع الى الباخرة التي اقلته الى بلاد الله الواسعة .. ثم اعوج لسانه فامضى بقية حياته يتحدث عن (السي) فان عرب اليوم ممن يقيمون في امريكا قد اعادوا نفس الحكاية ولكن باسلوب آخر
فما ان يصل بعض العرب ارض الولايات حتى يحاولوا نسيان عروبتهم ولغتهم على الاخص .. فيبدأون بلفظ الحاء هاء .. والخاء كافا .. ويلفظون الحرامي .. هرامي .. اكثر من هذا يتحول محمد الى مايك .. وفخري الى فرانك .. ومحمود الى مو .. وابراهيم الى ايب .. وزريفه الى زيزي .. وبقدرة قادر يصبح اللسان (زفرا) فبين كل كلمة واخرى هناك شتيمة .. تماما مثلما يفعل اولاد الشوارع ثم ينقلون هذا الداء الى اولادهم وعائلاتهم .. وبدلا من ان يصبح قدوة في حسن التعامل والحفاظ على الجذور يصبح عاملا مساعدا على تعهير اللغة العربية ونسيانها بل وحتى التبرؤ منها .
قيل يوما ان اللغة العربية من اجمل لغات الدنيا ، وان الموسيقى التي تتداخل بين ثناياها لا تعادلها اية موسيقى لغوية في هذا العالم .. وقيل بانها كانت لغة الفكر والعلم معا .. فباللغة العربية كانت تنظم اجمل الاشعار واجودها واكثرها جزالة .. وباللغة العربية كانت كيمياء ابن حيان تصل الى اسماع العالم الذي كان يغط في نوم عميق .. ومع كل ذلك فان احفاد اولئك العظام يظنون انهم قد بلغوا منتهى التمدن الحضاري عندما يستبدلون احرف لغتهم باحرف لغة اخرى غريبة على السماع وعلى الاذن وعلى الحديث ايضا .
ونحن لا ندعو ان لا يتعلم العربي اللغة الانكليزية .. بل على العكس .. ان من ضرورات وجودنا في امريكا ان نتعلم اللغة الانكليزيةي على اصولها . وان نعرف مزاياها وخباياها .. فذلك امر يقودنا الى شرح ما نفكر به وما نعرفه الى الامريكيين . ولكننا نأخذ على الذين يخلطون العربية بالانكليزية عندما يتحدثون الى انفسهم او الى عائلاتهم او الى بعض العرب .. ظنا منهم ان ذلك يقود الناس الى احترامهم ويحملون عنهم فكرة ( التأمرك) المبكر والانغماس في الحضارة الامريكية .
ولا يعني اننا نتحدث عن ( جزالة اللفظ) في اللغة الامريكية الشوارعية التي تخلط السباب والشتائم بين كل كلمة واخرى .. ان هذه اللغة التي نعيش معها وفيها كلها تشابه لغة الشوارع .. بل ان في اللغة الامريكية جمالا عندما تستخدم فيها لغة الثقافة والعلم والابداع .. ولكن اختيار الكلمات عند اللفظ له اهمية كبرى في تحسين وضع اللغة في نظر الاخرين مما يجعلها تحافظ على احترامها ابد الدهر .
واكثر ما يؤذي المشاعر منظر امرأة عربية تتحدث الى اخريات سواء في الشوارع او البيوت او في الاماكن العامة او النوادي او الحدائق تخلط اللغة العربية ببعض الكلمات الافرنجية .. ظنا منها ان ذلك يجلب لها احترام زميلاتها .. فتنتقل الى تقعير اللغة اللغة الانكليزية وخلطها باللغة العربية فتفوح منها رائحة عجيبة اقل ما يقال فيها انها ( عجين الفلاحة) عند القرود او رقص العجائز عند قبائل البابون الافريقية.
وقد لا نجانب الصواب اذا ما قلنا ان هذا الفعل يمكن ان يؤدي الى انقراض اللغة العربية بين الاحداث والصغار على حد سواء .. فاللغة الانكليزية اسهل لفظا واكثر انتشارا في بلد لغته الاصلية هي الانكليزية .. فرغم اننا نتحدث الى اولادنا في البيوت بالعربية .. فان لغة المدارس والشوارع هي اللغة الانكليزية .. ومن السهل على الطفل التقاطها ونسيان اللغة العربية .. وليس ادل على ذلك من ان الطفل العربي يشب عن الطوق وهو يفهم اللغة العربية ولكنه لا يتحدثها .. فان حدثته بالعربية اجابك اجابة صحيحة ولكن بالانكليزية . وان طلبت اليه ان يتحدث بالعربية فقد يحكي كلمة او اثنتين ولكنه يعود سريعا الى التحدث بالانكليزية .. وهذا يعني ان تشجيع الصغار على عملية اللفظ بالعربية قد اخذت في الانقراض في بلد مثل امريكا .. وبذا فان الاجيال الثانية من المهاجرين تنسى لغة العائلة الاصليه .. فاذا كان الجيل الثاني يميل الى النسيان .. فكيف بالجيل الثالث والرابع .
ليس لدينا ما نقوله اكثر من الدعوة الى الحفاظ على اللغة العربية .. فالحفاظ على اللغة يعني الحفاظ على التاريخ والثقافة والعادات والتقاليد الجميلة .. ولنأخذ عبرة من الجاليات الاسبانية . فان وجودها في امريكا لعشرات من السنين لم تنسها لغتها الاصلية .. وقد يمضي المهاجر منهم اربعين سنة من عمره في الولايات ولكنه يجيد اللغتين .
تقعير اللغة وخلطها يبدأ عادة من النساء لانهن اسرع في عملية خلع الماضي واستبداله بالحاضر .. ونحن هنا نقصد الجالية العربية .. وقد حدثتني احداهن ان المرأة العربية في هذه الجالية تسافر الى بلادها للزيارة .. وهناك وحتى توصم بانها امريكية تعيش في وسط امريكي لا تتحدث مع صويحباتها القديمات او اقاربها الا بلغة انكليزية مكسرة .. بل ومطحونة احيانا .. وتلك عادة ذميمة لا نريد للمرأة العربية ان توصم بها وهي تربي اجيالا ويعتمد عليها في عملية الحفاظ على اللغة .. ويقينا ان اهتمامنا بهذا الامر بالذات يقود الى احترام الجاليات الاخرى لنا .. وليس كما يظن البعض .. اننا ندخل حضارة ( اللغة الامريكية المحلية ) ومن اوسع الابواب .. ونحن نأمل خيرا .

أترك تعليق أو مشاركة

من الأرشيف

أترك تعليق أو مشاركة