في مجلس ابن جِنِّي: (3) (الهُرُوب من النَّص) – بقلم : عبد الله الفيفي

دراسات ….
بقلم: أ.د/ عبدالله بن أحمد الفَـيْـفي – كاتب واديب وشاعر من السعودية …
رأينا في المجلسين السابقين موقف (ابن جنِّي) من (أينشتاين) العصر الحديث في تأويل «القرآن المجيد»، أعني المهندس الطائر من الأشكال الهندسيَّة إلى الإشكالات اللغويَّة والتأويليَّة.  وها هو ذا يقول لرفيقه وهو يُحاوره:
– أمرُ مُأَوِّلكم هذا مؤسفٌ عِلْميًّا ودِينيًّا. على أن «القرآن» لا يستعمل من اللغة ذلك المستوى البعيد عن مألوف العربيَّة أصلًا، أو الشاذَّ في الاستعمال أو النادر، إلَّا نادرًا جِدًّا؛ لأن هذا بخلاف الفصاحة والبلاغة والإبانة التي اتَّصف بها.  وليس من هدفه تقديم الألغاز والأحاجي للعرب. إن صاحبك ليتعامل مع «القرآن» ككتاب طلاسم ورموز سحريَّة؛ لم يتوصَّل إلى حلِّها إلَّا هو بعد أربعة عشر قرنًا. وحاشا لكتاب الله أن يكون كذلك.  ليست تلك بلغة «القرآن»، ولا برسالته.
– بَيْدَ أن الرجل إنما يسعى جاهدًا لإبعاد النُّجعة إلى قصدٍ آخر؛ فهو يحفر- كما ألمحتُ في مجلسنا السابق- وراء معانٍ بعيدة جدًّا تحاشيًا لمعانٍ واضحة، رغبة إديلوجيَّة لاستبعاد المعاني الواضحة لأنها لا تُعجبه، أو لا تُعجب من نذر حياته لإعجابهم بتأويلاته المبتكرة. إنه يودُّ أن يُقدِّم نسخةً قرآنيَّةً جديدةً تتواءم مع الأهواء والمتطلَّبات المعاصرة والإكراهات الحضاريَّة ذات الطابع الغربي الغالب، فيعمل على تأوُّل كلِّ ما لا ينسجم مع هذا المزاج المعاصر.
– وتلك الطامَّة الكبرى.
– ولذلك يُنكِر قطعَ يد السارق الواردة في «القرآن»، وإنَّما يعني القطعُ، بزعمه، الكفَّ عن السرقة أو السجن.  وحُجَّته طريفة حقًّا.
– ما حُجَّته؟
– يقول في حُجَّته: إن الوارد: ﴿والسَّارِقُ والسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّـهِ، واللَّـهُ عَزِيزٌ حَكِيم﴾، والقطع هو ليدٍ واحدة، فكيف يقول: «أيديهما»؟!
– ما شاء الله، يا له من عالمٍ نحريرٍ حقًّا! لا، بل القطع هو القطع، وهو يوقَع على اليد الأخرى عند العَوْد إلى السرقة. هكذا فُهِم هذا الحَدُّ وطُبِّق على مدَى التاريخ الإسلامي، وإنَّما توقَّف عنه (ابن الخطاب) في عام الرمادة لأمرٍ معروف. وليس السجن بنكال. لذلك قلتُ لك إن الرجل يهرف، مع الأسف، ليحرِّف معاني القرآن. و«الضرب» كذلك في حقِّ الناشز هو «الضرب»، أعجبَه أو فليضرب برأسه هو في أقرب جدار!
– هدِّئ من روعك، يا ابن جنِّينا!  قديمًا قلتم: لا اجتهاد مع النص.
– ليس تزيين الإسلام بهذه البهرجة لإنكار ما هو قطعيُّ الدلالة من النصوص. صاحبكم، مهندس المفسرين هذا، إنما جاءكم ليجتهد في إلغاء النص؛ لأنه لا سبيل له للتدجيل إلَّا بإلغاء النص؟!
– والمفارقة أنه يشنُّ حملة شعواء على الشعراء وعلى لغتهم وفهمهم، كما يدَّعي، بدءًا بالشافعي وانتهاء بالمعاصرين.
– على حين يشعرن هو النصوص شَعرنةً لا يقبلها أبو الطيِّب نفسه! أعني أنه يجعل المعاني مجازيَّة صِرفة، حتى في ما ليس فيه مجازٌ البتَّة؛ فيخلط بين الاستعمال الوظيفيِّ أو المجازيِّ للغة والاستعمال الحقيقي، بين ضرب الأمثال وضرب الناشز من النساء. ولا غرو، فقد ألغَى بلغوه معنى النساء أصلًا، كما أخبرتني في المحاورة السابقة.
– نعم. هو يريد تبرئة القرآن من هذه الآيات، فيلجأ إلى تفريغها من معانيها، بتأويلٍ لم يسبقه إلى مثله أحدٌ من المُأَوِّلة. فالضرب ليس ضربًا، والقطع ليس قطعًا، بل ليست كلمة «النساء» مقصودًا بها: النساء، وإنَّما فَهِمَ المسلمون «القرآن» على غير وجهه طَوال التاريخ! فهل ثمَّةَ استخفاف بالعقول فوق هذا؟!
– قُل: يا أيُّها المُتَأَوِّلون لصناعة إسلامٍ مبتكر، متى استحمرتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم غير حمير؟! ليس في هذا دفاعٌ عن ضرب النساء، ولكنه الدفاع عن اللغة والحقيقة. لكأن صاحبك كان ينتظر أن يأتي النص: «فاضربوهن بالعُصِيِّ، أو بالنعال…»، مثلًا، كي يُقِرَّ بالمعنى الذي فقهه المتلقُّون من عرب وعجم على مرِّ العصور وما زالوا يفقهون! بل لو جاء النصُّ بتلك الصيغة لأنكرها أيضًا، كما أنكر: «فاقطعوا أيديهم نكالًا»، فذهب يتمحّل المعاني ويُمخرقها.
– قطعًا؛ ذلك أن إشكاله هو محاولة إرضاء تصوُّرٍ رومانتيٍّ معاصر، وهذه الرومانتيَّة لا ترضَى بكثيرٍ ممَّا جاء صريحًا في النصّ، وهذا شأنها، بدءًا بمفردة «الجهاد» وصولًا إلى ضرب الناشز.  ولكي يوجِد المَخرَج من النصِّ المُحرِج جعل يذهب إلى افتراضات أن الكلمات لا تعني معانيها. لكن كيف تَرى هذه الظاهرة، أ هي جديدة، يا ابن جنِّينا؟
– كلَّا، هذا تلاعبٌ صبيانيٌّ قديم، عُرِف لدَى أصحاب الأهواء والنِّحَل كافَّة، لا تستقيم به لغةٌ ولا سياقٌ ولا تاريخ. وهو محض انحرافٍ منهاجي، وتدليسٍ عِلْمي، بجهلٍ أو بتجاهل، والأخيرة أرجح في حقِّ صاحبك، كما شهدتَ عليه. لكنَّ الغرض مرض!  ولهذا النحو من التأويلات سوابق تاريخيَّة.
– تُرَى أجاءت لأغراض عقديَّة كذلك، كأغراض الدكتور المهندس، الذي يرمز لدرجته العِلْميَّة في الحقل العِلْمي الذي ينتمي إليه بـ(د.م)، أي الدكتور المهندس.
– «دم»؟! أمَّا في هذه، فلعَمري لقد صَدَق! فهو يسفك «دم» اللغة العربيَّة ببيانها ومعانيها وبديعها. غير أننا قد سبقناه، نحن المعتزلة، والحقُّ يُقال، فأنكرنا، مثلًا، صفة اليد لله، المذكورة في النصِّ القرآني، وأنكرنا العين، والاستواء، إلى آخر هذا، بدعوَى تُشبِه دعوَى صاحبك، وذلك تنزيهًا لله من التشبيه. وفعلَ خصومنا، من أهل الحديث وأتباع السلف، نقيض ذلك في المقابل؛ فأمعنوا في تأكيد تلك الصفات، فرارًا من تعطيل الصفات، ومناكفةً سياسيَّةً وفكريَّةً للمعتزلة.
– أجل، حتى بلغ الأمر بـ(ابن تيمية) ومدرسته- بعد عصرك، يا أبا الفتح، بنحو ثلاثة قرون- إلى إنكار المجاز جملةً في «القرآن»؛ سدًّا للذرائع، كي يسدُّوا مدخل المعتزلة وأضرابهم من نفي الصفات أو تعطيلها، فاليد هي اليد على الحقيقة، والعين هي العين، ولتشربوا، أيها المعتزلة، من البحر! وإذا جاء الأمر بخفض جناح الذلِّ من الرحمة للوالدَين، فهناك فعلًا جناحٌ للذلِّ من الرحمة، عَلِمَه من عَلِمَه وجَهِلَه من جَهِلَه، وليس هنا مجاز ولا استعارة مكنيَّة ولا يحزنون.
– إيه.. ويخلق ما لا تعلمون! اقبلْ هذا، يا بُنيَّ، أو لا تقبل، واعقله أو لا تعقله، فالغاية، دائمًا، سُمعة المَدرسة، وصدُّ مناوئيها بأيِّ ثمن، وقمع الخصوم بأيِّما وسيلة!
– ومُأَوِّلُنا، من أجل حدثنة «القرآن»، ينفي المجاز كذلك إذا أفاده النفيُ في بلوغ غايته، ويُجريه بصُوَرٍ فجَّة، إذا خدم تلك الغاية.  أي أبا الفتح، قل لي، بصراحتك المعهودة، كيف تقيِّم هذه المغالطات قديمًا وحديثًا، ولا سيما أنك كنت تُعزَى إلى إحدى مدارسها، أعني مدرسة المعتزلة، وما أراك اليوم إلَّا في حِلٍّ ممَّا يَنشب بين المتزامنين والمتمدرسين من التلاحي؟
– بصراحة ابن جني المعهودة، التي كانت تُعجِب شاعر الإنس والجن أبا الطيب المتنبي، أقول: إن هؤلاء جميعًا- من معتزلة، وماتُريديَّة، وأشاعرة، وأهل حديث، وهم مَن صرتم تدعونهم «سلفيِّين»، ومع هؤلاء وأولئك أضف صاحبك المهندس أو المُأوِّل الليبرالي، كما تنعتونه- إنَّما يعبثون في كثيرٍ من مقولاتهم باللغة العربيَّة، ويعطِّلون أساليب البلاغة، ويشوِّهون لغة القرآن البيِّنة اليسيرة؛ لمآرب سياسيَّة أحيانًا، وأهواء فكريَّة أحيانًا، ولتعصُّباتٍ مذهبيَّةٍ ركبتْهم شياطينُها دائمًا. وهم إذ يتسلَّحون بالقرآن إنما يتسلَّحون به انتصارًا لمَهبَّات رياحهم، وتحزُّبًا ضِدَّ خصومهم، ونشرًا لخطابٍ أعمى أعرج، مأخوذين إليه بالنواصي والأقدام، يَتأوَّلون في سبيله كلَّ نصٍّ، ويسخِّرون إليه كلَّ مَركب، من مقدَّسٍ ومدنَّس.
– الغاية تبرِّر الوسيلة، حسب نهجهم المِكيافيلي، إذن.
– والضحايا دائمًا: عقول الناس، ولغتهم، ومنهاج العِلْم، والتحقيق. والشهيدة بعدئذٍ الأُمَّة جمعاء، التي- من تحت رؤوس صعاليك التأويل هؤلاء، المتقدِّمين منهم والمتأخِّرين- احتربت، وظلَّت تحترب، ويبدو جليًّا أنها ستمضي في احترابها إلى أن يُنفخ في الصُّور!
[للحِوار بقية].
أ.د/ عبدالله بن أحمد الفَيْفي

 

أترك تعليق أو مشاركة

من الأرشيف

أترك تعليق أو مشاركة