عندما تكون المرأة مقاومة وسجينة – بقلم : تميم منصور

فلسطين ….
بقلم : تميم منصور – فلسطين المحتلة ….
لا أرى عين الصواب ما يتردد على السنة كل الذين يرددون مقولة شعبية ” السجن للرجال ” هذه المقولة غالباً ما تستخدم لتبرير الحكم بالسجن على احد الا صدقاء أو المقربين أو احد عناصر الحركة الوطنية .
الهدف من هذه المقولة هو معنوي ، وأحياناً تلقائي ، يرمز للشد من أزر هذا السجين ورفع معنوياته ، والتخفيف من انقباض روحه .
السجن للرجال ، هذا ما يسارع لقوله كل من يرغب بمواساة السجين ، ولكن بأسلوب الدعم النفسي ، لأن تحمل معاناة السجن يعتبر في نظر الكثيرين احد مقاييس الرجولة ، فلسان حال من يردد هذه المقولة يقصد بما معناه : انت رجل لا يهمك السجن ، مهما كانت ظروفه ، رجولتك وصبرك وتحملك أقوى من ظلمة وقساوة السجن .
ان حصر تحمل السجن ومعاناته وقسوته بالرجال فقط ، فيه غبن وتمييز اجتماعي من الرجال بحق النساء ، فيه استخفاف بقيمة المرأة وقدراتها ، ومفهومه الوحيد أن النساء قاصرات ، عاجزات ، يفتقدن قوة الصبر والثبات والمواجهة ، مثل الرجال ، أي أن المرأة التي تتحمل مخاض الولادة ، والقادرة على قيادة المركبات الفضائية ، وقيادة القاطرات والطائرات والسفن البحرية والغواصات ، غير قادرة على تحمل عناء السجن ، لكن الواقع غير ذلك ، فهناك الكثير من النساء في فلسطين ووطنا العربي اللواتي دخلن السجن ، خاصة سجينات الضمير ، سجينات وطنيات قدمن أمثلة يحتذى بتحملهن لعذاب السجون وظلمتها وظلامها ، تحدين السجانون والسجانات وجلاوزة السلطة ، هناك الآلاف من النساء اللواتي خرجن من المعتقلات والسجون موشحات بأكاليل الانتصار ، ومنهن من قضين في السجون دفاعاً عن شرف هذه الأمة ، منهن من حولن السجون الى مدارس فكرية ووطنية.
هناك سجينات تحولن الى مرجعيات في ثباتهن ، لكنهن فضلن البقاء في دوائر الظل ، لم يلهثن وراء الشهرة وبريق الاعلام ودور النشر ، اخترن القيام بالواجب الوطني ، لكن خارج مساحات الضوء الإعلامي ، هناك نساء رأين عكس ذلك ، من حقهن تصدر الاعلام ، والكشف عن هويتهن السياسية والنضالية ، خاصة السجينات السياسيات والمقاومات اللواتي قارعن ظلم الاحتلال ، مثل الجزائريات الجميلات الثلاث – جميلة بوحيرد ، جميلة بو باشا ، جميلة بو عزة – أو قارعن النظام الحاكم مثل المصريات الكاتبة نوال السعداوي و الكاتبة فريدة النقاش أو الكاتبة فتحية العسال أو الكاتبة لطيفة الزيات أو الكاتبة صافيناز كاظم .
أما المقاومة الفلسطينية التي ما تزال تقارع الاحتلال وتٌسجل في ارشيفات الشرف اليومي نضالها الذي لا يتعب ولا يكل ، فقد تصدرت مئات السجينات الفلسطينيات ، تريز هلسة ، أحلام عارف التميمي ، الاسيرة سناء محمد شحادة والاسيرة قاهرة سعيد السعدي والاسيرة آمنة جواد منى والاسيرة لطيفة أبو دراع وريما رياض ضراغمة وايرنا نقولا سراحنة وغيرهن من الاسيرات ، عدا عن المقاومات أمثال ليلى خالد ، فاطمة غزال ، ميمنة عز الدين القسام ، طرب عبد الهادي ، عقيلة البديري ، نبيه ناصر ، الاختين مهيبة وعربية خورشيد ، عادلة فطايري ، يسرا طوقان ، فاطمة ابو الهدى ، نجلاء الأٍمر ، حياة البلبيسي ، جوليت ركا ، فاطمة برناوي ، شادية أبو غزالة ، عبلة طه ، لطيفة الحوراني ، خديجة أبو عرب وغيرهن ولا ننسى الصبية عهد التميمي التي ما تزال بوجهها البريء تصفع الضمير العالمي .
هذا إضافة الى اعداد كبيرة من سجينات الضمير في الوطن العربي ، خاصة في مصر والسعودية والسودان وتونس والمغرب وغيرها ، من قارعن لهيب السجون في إسرائيل والاقطار العربية و اثبتن بان المرأة لم تخلق فقط كي تكون أما واسيرة المنزل ، فبالاضافة الى الأمومة المميزة ، فهي عند الحاجة محاربة شرسة في دفاعها عن حقوق شعبها .
هناك العديد من السجينات السياسيات قهرن السجان باقلامهن وبورق التواليت الذي استخدم للتعبير عن ابداعاتهن – كما رأينا في كتاب مذكراتي في سجن النساء للكاتبة نوال السعداوي –  ، فكان لهن الفضل في ظهور نوع جديد من الادب العربي ، وهو ما عرف بأدب السجون ، توأماً لغوياً وفكرياً لأدب المقاومة التي ابتدعه الادباء والشعراء الفلسطينيون ، هنا في الداخل وهناك في الشتات .
نحني قاماتنا لكل امرأة عربية قاومت الاحتلال ، أو قاومت الظلم والاستبداد والقهر في اية عاصمة عربية ، لكننا  نحني هاماتنا أكثر لكل امرأة فلسطينية مكافحة ومناضلة داخل مخيمات الفلسطينية ، أينما كانت و هنا لا بد أن نتذكر أول شهيدة للحركة الطلابية في فلسطين ، الشهيدة رجاء حسن أبو عماشة ، رغم مرور حوالي ستة عقود على استشهادها لكنها لا تزال خالدة في سجلات وضمائر الفلسطينيين .
نعم الشهيدة رجاء حسن أبو عماشة ، انها من مواليد بلدة ” سلمة ” القريبة من مدينة يافا ، ولدت عام 1939 ، ما يميزها بأنها اول طالبة فلسطينية استشهدت وهي تحاول انزال العلم البريطاني من فوق القنصلية البريطانية في مدينة القدس يوم 19/ 12/ 1955 في هذا اليوم اقتحم المتظاهرون الفلسطينيون مبنى القنصلية البريطانية في المدينة ، احتجاجاً على إقامة حلف بغداد ، ومحاولة النظام الأردني الالتحاق بهذا الحلف الاستعماري ، فهب الشعب في الأردن خاصة في الضفة الغربية وداخل المخيمات في المملكة شارك في هذه المظاهرات ، مختلف قطاعات الشعب الفلسطيني وفي مقدمتهم الحركة الطلابية التي نظمت فعاليتها بشكل ملفت للنظر ، كونها ادركت ان العمل الطلابي هو الرافعة السياسية الأولى والحاضنة المناسبة لمثل هذه الاحتجاجات الوطنية .
الشهيدة رجاء عاشت منذ عام 1948 لاجئة في مخيم عقبة جبر في اريحا ، بعد ان سقطت قرية سلمة بأيدي العصابات الصهيونية .
من ازقة مخيم اللجوء كبرت رجاء لتجد نفسها وشعبها تحت حكم استعمار لا يرحم ، لأن النظام الأردني كان أداة لهذا الاستعمار ، في ظل هذه الظروف هجرت قريتها الى مدينة اريحا ، افتتحت رجاء سجل شرف شهداء الحركة الطلابية الفلسطينية ، فألهب استشهادها شوارع الوطن من أقصاه الى أقصاه ، وقد واصل زملاؤها وزميلاتها أبناء الحركة الطلابية أداء واجبهم الوطني ، والمشاركة بفعالية من الغاء المعاهدة البريطانية الأردنية ، التي كانت تنص على أن يتولى قيادة الجيش الأردني ضباط بريطانيون .
لم يذهب دماء الشهداء هدراً ، فقد استشهد في اليوم التالي ثلاثة شهداء جدد وهم يدافعون عن شرف فلسطين والأردن  ، استشهدوا في مدينة بيت لحم ، بعد أن حققت هذه الهبة الشعبية المطالب الوطنية ، أهمها الغاء المعاهدة المذلة مع بريطانيا ومنع الأردن من الالتحاق بحلف بغداد ، ووافقت الحكومة الأردنية على اجراء انتخابات نيابية ، عبر من خلالها الشعب عن خياره  حيث فازت القوى الوطنية بأغلبية مقاعد البرلمان ، وتشكلت أول حكومة وطنية برئاسة سليمان النابلسي ، استشهدت رجاء حسن أبو عماشة ، وعمرها لم يتجاوز الخمسة عشر عاما هناك على أحد سفوح تلال مدينة اريحا ، يقوم ضريح في العراء ، ضريح شهيدة الوطن رجاء ، حيث كتب عشرات الشعراء منهم شاعر فلسطين عبد الكريم الكرمي ( أبو سلمى ) قصيدة رثى فيها الشهيدة رجاء حسن أبو عماشة .

أترك تعليق أو مشاركة

من الأرشيف

أترك تعليق أو مشاركة