قراءة “بانورامية” لرواية “أيام بورمية”: ترجمة : هبة حمدان

اصدارات ونقد ….
*كان “بوبوكين” قاضي الصلح الشعبي لمدينة “كيوكتادا” في بورما، جالسا  في شرفته …دون أن يرمش، وكصنم كبير من الخزف، حدق “بوبوكين” في أشعة الشمس الشعواء، فقد كان رجلا في عقده الخامس بدينا جدا، فلسنوات طوال لم يستطع أن ينهض عن كرسيه بدون مساعدة، الا اته كان وسيما وحتى جميلا رغم بدانته الرجولية…يعلك “التنبول” باستمرار…وهو يعتقد انه حتى بعد مماته، فسيستمر نجاحه، وفقا للاعتقاد البوذي، فاولئك الذين مارسوا الشر في حياتهم، سوف يتجسدون في حياتهم الاخرى على شكل فئران او ضفادع او بعض الحيوانات الدنيئة. وقد كان “بوبوكين” بوذيا مؤمنا، فكان حريصا على تفادي هذا المصير. (19-23)
*أيام بورمية، هي رواية رائعة، انه هجوم هش، شرس، وتقريبا صاخب على الأنجلو-الهنود…
*أيام بورمية، هي رواية رائعة، انه هجوم هش، شرس، وتقريبا صاخب على الأنجلو-الهنود…ومن الواضح ان المؤلف يحب بورما، ورغم انه يذهب الى ابعاد رائعة في وصف رذائل البورمية. والمناخ المروع، لكنه يحبها، فلا يمكن لشيء ان يخفف صعوبتها عليه…لقد احببت الرواية، واوصي بها الى اي شخص يستمتع بفيض من السخط والعقاب اللاذع والاثارة والسخرية، كما بوصف المشاهد التصويرية الآخاذة المعبرة.
*لم تكن بالقوة اللازمة لنقد الامبريالية، كما كان ينبغي أن تكون، لأنها أقل في انتقاد الامبريالية عن استكشاف الذنب الخاص، والشعور بالوحدة، وفقدان الهوية.
*على الرغم من كل المشاعر العنصرية في الرواية، والتي اعتنقها الانجليز في بورما، والقساوة في طرحها، والنزاعات الشخصية وتمرد الشخصيات على من هم أقل منزلة وقوة، الا ان القارىء سيشعر بهواء الهند العذب وأشعة شمسها البراقة الحامية، وسيشتم رائحتها الزكية-المختلطة بعبير جوز الهند، والكركم والثوم، وسيسير في طبيعتها الخلابة ويحوم بين ثنايا تفاصيلها.
” يا عزيزي الطبيب، كيف يمكنك أن تصدق أننا في هذا البلد لأي غرض آخر غير السرقة؟!
*”ياله من هراء  يا عزيزي الطبيب، نحن نعلم الشباب شرب الويسكي ولعب كرة القدم، وأنا اعترف، ولكن هذا ثمن بخس، انظروا الى مدارسنا-مصانع للموظفين الزهداء. حيث لم نقم بتدريس تجارة يدوية واحدة للهنود. ولن نجرؤ على ذلك. سنخاف من المنافسة في الصناعة. كما أننا سحقنا الصناعات المختلفة. أين النساجين الهنود الان؟ في الأربعيات كانوا يبنون السفن البحرية قي الهند، ويبحرون بها ايضا. والآن لا يمكنهم بناء قارب صيد صالح للابحار. وفي القرن الثامن عشر قام الهنود بصنع البنادق التي كانت تصل الى المعيار الاوروبي. والآن وبعد ان قضينا في الهند مائة وخمسين عاما، لا يمكنك حتى أن تصنع خرطوشة نحاس في القارة بأكملها…سأتحدث عن قضية سيام”.(78-79)
*قال فلوري (بطل الرواية الانجليزي): ” يا عزيزي الطبيب، كيف يمكنك أن تصدق أننا في هذا البلد لأي غرض آخر غير السرقة؟ انه امر في غاية البساطة. يكمل المسؤول البورماني بينما يمر رجل الأعمال بجيوبه. هل تفترض ان شركتي، على سبيل المثال، كان بامكانها الحصول على عقود الأخشاب لو لم تكن هذه البلاد بأيدي البريطانيين؟ او حتى شركات الأخشاب الاخرى، او شركات النفط، او عمال المناجم والمزارعين والتجار؟ كيف يمكن لتجار الأرز أن يتلاعبوا بالفلاح البائس لو لم تكن الحكومة وراء ذلك؟ فالامبرطورية البريطانية هي مجرد وسيلة لاعطاء الاحتكارات التجارية للانجليز، او بالأحرى لعصابات اليهود والاسكتلنديين”.(78)
*هناك دوما شيء منيع في العقل الاوروبي، مؤامرة وراء مؤامرة، مكيدة داخل مكيدة، الى جانب ذلك، البقاء خارج المشاجرات “بين المحليين”، فهذه هي احدى التعاليم العشره: “البوتاساهيب”! (87)
*لقد جعلت نفسي واضحا بالنسبة لك في كل شيء، هل حصلت على صورة الحياة التي نعيشها هنا؟ الأجانب، والعزلة، والكآبة، الأشجار والزهور الأجنبية، والمناظر الطبيعية الأجنبية، والوجوه الأجنبية، كل شيء اجنبي وكأنه من كوكب آخر…ومع ذلك اقول لك أنه يمكن أن يصبح جنة، اذا لم يكن المرء وحيدا!(293)
*طول الوقت كان المطر يهطل، بعد اليوم التالي لعودة “فلوري” الى المخيم، حيث هطل المطر لثمان وثلاثين ساعة متواصلة، وفي بعض الأحيان كان يتباطىء في وتيرة المطر الانجليزي، واحيانا يتدفق مثل الطوفان، فيعتقد المرء أن المحيط قد امتص في السحب…ثم بدأ الطين بالتصدع والتبخر، وبرك العرق من الحرارة الشائكة انتشرت في جميع انحاء جسم المرء، وظهرت اسراب من الخنافس الطائرة من شرانقها بمجرد بدء المطر، ثم عم وباء من المخلوقات القبيحة الصغيرة المعروفة باسم حشرة البق النتنة، التي غزت المنازل بأعداد  لا تصدق، وانتشرت على طاولات الطعام، وجعلت طعام المرء غير نافع للأكل.(419)
“ألم اقل لك شيئا عن الحياة التي نعيشها هنا؟ هذا النوع من الموت الرهيب في الحياة!
*حدقت اليزابيث عبر الممر في وجهه، وقد جعلها اشمئزازها مريضة جسديا…فكرة أنها كانت محبة لهذا المخلوق الرمادي الوجهي، جعل عظامها ترتعد…ولكن الأسوأ من اي شيء،  كان مرأى وجهه المرعب، الذي كان شبحيا، جامدا وكهلا، وقد كرهته الآن من اجل وحمته، لم تكن تعرف حتى هذه اللحظة، كم كان ذلك امر شائن، كم كان أمرا لا يغتفر.(436)
*”ألم اقل لك شيئا عن الحياة التي نعيشها هنا؟ هذا النوع من الموت الرهيب في الحياة! الانحلال، والشعور بالوحدة، والشفقة على النفس…للمرة الأخيرة. تذكري أن من المهم أن تجدي شخصا واحدا في العالم ليحبك…”(441).
*كان هناك ثقب نظيف في قميص فلوري، ليس أكبر من ذلك الذي يصنع بواسطة قلم الرصاص عندما يمر على ورق النشاف. كان من الواضح أنه ميت تماما. وبصعوبة كبيرة تمكن كوسالا (الخادم المخلص الذي ورث اربعمائة روبية من وصية فلوري)، تمكن من سحبه على السرير.(447)
*ومع الموت، تلاشت الوحمة على الفور، بحيث لم تكن أكثر من لطخة رمادية خافتة… “ادفن الكلب على الفور…ولن اكتب على شاهد قبره أنه اتتحر”(448)
*…وبمجرد أن صار ميتا، تم ضمان تدمير الطبيب البورمي صديقه الحميم “فراسواني”، وتم تشويه سمعته وبأنه مجرد وغد، غير جدير بالثقة(450)
*آخر فقرة:
…اما اليزابيث (حبيبته المتمردة التي خذلته) فقد نضجت بسرعة مدهشة، وقد توضحت صلابتها المحتومة بالطريقة التي انتهت لحما ودما. فخدمها يعيشون في حالة رعب منها، على الرغم من انها لا تتحدث البورمية. كما أن لها معرفة مفصلة بالقائمة المدنية، وتقيم حفلات عشاء ساحرة، وتعرف كيف تضع زوجات المسؤولين الثانويين في اماكانهم … باختصار… انها تملأ بنجاح المركز الذي صممته لها الطبيعة منذ البداية، وهو انها من “البوراميمساهيب”!(455)

أترك تعليق أو مشاركة

من الأرشيف

جديد صوت العروبة

أترك تعليق أو مشاركة