بعض ذكرياتي مع الشاعر الراحل احمد دحبور – بقلم : وليد رباح

فضاءات عربية ….
بقلم : وليد رباح ….
ها قد مضت سنة على رحيل احمد دحبور .. ذلك الشاعر الذي كانت فلسطين دوما في دمه وشعره ..وهذه بعض ذكريات معه .. يوم كانت بطوننا خاوية .. لا نأبه للجوع قدر ما تهمنا احداث فلسطين .. وكان أحمد في تلك الحقبة .. شاعرا لم ينضج شعره بعد .. رغم اصداره ديوانه الاول .. وانما كانت محاولات شعرية يقبلها مرة رئيس التحرير في مجلة فلسطين الثورة .. واخرى يطلب اليه تعديلها .. فيلجأ احمد الى التعديل ضاحكا مبتهجا لا يتبرم .. ويوم ذاك .. كان الشهيد حنا مقبل سكرتيرا للتحرير .. في حين كان الشهيد كمال ناصر رئيسا للتحرير ..  قد اعطاه الصلاحية في التصرف .. اما وضعي فكان على ( كف عفريت) اقدم مادتي للنشر فيلجأ الشهيد حنا الى الشخبطة باللون الاحمر فيعدل هنا ويوافق على بعض ما اكتب .. ولكن المادة في النهاية تنشر .
واني لاذكر يوما قدمت مادة عن تجربتي في السجن .. فورد في المادة كلمة ( زنازن) وتكررت مرات ومرات .. فاستدعاني الشهيد حنا وقال .. لا يوجد في اللغة العربية ما يسمى ( زنازن ) انها زنازين .. فاستشار حنا المبدع ( ابو نضال) الذي افتى بان كلمة زنازن خطأ في اللغة .. انها  زنازين .. وهكذا خضعت لما اراده الشهيد فقام بالتصحيح . وفي تلك الحقبة .. لم يكن الشهيد ماجد ابو شرار قد استلم رئاسة التحرير عوضا عن الشهيد كمال ناصر .. والذي على عهده قد اسبغ علينا بعض التوسع في الرواتب ..
هذه مقدمة ربما كانت مفيدة للقارىء .. ولكن بيت القصيد فيما اكتب .. زمالتي لاحمد دحبور .. وكيف كنا نسير امور حياتنا سويا لمدة تتجاوز السنة .. بعد ان استأجرنا سويا غرفة في فندق في ساحة البرج ببيروت لعدم تمكننا من استئجار غرفة لكل منا .. لان الظروف المادية لم تكن تسمح .
ولعدم تمكننا من العشاء كل على خده .. فقد اقترح احمد ان نشتري طبقا من الحمص او الفول لواحد وليس لاثنين نأكله سويا .. مع ما يرافق ذلك من رغيفين من الخبز وليس واحدا .. فكنا نتشارك في الطبق سويا ولم اذكر يوما اننا شبعنا .. وكنت اجأر بالشكوى فيقول أحمد : يا رجل .. احمد الله على ما فيه نحن من نعمة .. وكان يقصدني والزملاء جميعا .. اذ ان الحال واحد في طاقم المجلة بكامله .. ولكن الذي كان يؤلمنا سويا اننا ندفع للفندق حسابنا كل اسبوع مرة .. وكانت اجرة الفندق خمس ليرات يوميا لكل واحد .. فكان احمد يتبرم عندما يأتي يوم الجمعة وهو ميعاد الدفع ..
في ذات يوم .. وبعد ان انهينا عملنا في المجلة ذهبنا الى الفندق سويا .. فقال لي وقد كانت صيفا  : انا ضجر .. حياتنا رتيبة .. ما رأيك ان نذهب الى صخرة الروشة فنقضي بعض الوقت ونسهر هناك على اضواء المصابيح .. قلت له .. كيف نصل الى هناك .. لا امتلك النقود لدفع اجرة السيارة .. قال لي : فلنأخذ الحافلة ولا حاجة لاستئجار سيارة  .. قلت .. حتى اجرة الحافلة لا استطيعها .. قال .. اليس معك ليرة ونصف .. قلت لا .. في جيبي ليرة واحدة .. قال : اذن نأخذ المسافة سيرا على الاقدام .. وهكذا بدأنا رحلتنا التي كانت تبعد ليس اقل من ثلاثة او اربعة اميال .. ذهبنا من ناحية الشاطىء على انها اقرب .. فوجدنا ان اختراق منتصف المدينة كان خيرا منها .. وعند منتصف الطريق الى الروشة .. جلس احمد على حجر على قارعة الطريق وقال : أمعك ليرة كما قلت .. قلت له نعم .. قال هاتها .. ثم صعدنا الى الحافلة ولم ينس ان يقول لي .. انت مدين لي بنصف ليرة .. قلت .. ساعطيكها في يوم الراتب .. فضحك وقال : انا امازحك يا صديقي .. لا اريدها .
وصلنا الى منطقة الروشة .. كان المصطافون يجلسون على الرصيف المقابل لصخرة الروشة .. وكل منهم قد احضر طاولة مطوية فينشرها على الرصيف ويجلسون على مقاعد مطوية ايضا احضروها معهم .. وقفنا سويا على الجدار الحديدي الذي يفصلنا عن الروشة ننظر الى البحر .. وبعد بعض الوقت .. اخذ احمد ينظر يمنة ويسرة .. يحدق بي تارة واخرى ينظر الى المصطافين .. قال : اتشم رائحة لحم مشوي .. قلت : لا .. قال احدهم يأكل لحما  محمرا طازجا .. اني اشم رائحته .. ثم قال هيا بنا .. وسرنا سويا بين المصطافين لنجد ان احدهم قد فرش مائدته التي تحوي أطايب الطعام والى جانبه امرأة جميلة .. نظر احمد الى المائدة وقال : عندما نقبض المرتب .. سوف اجازف بشراء لحم مشوي .. نظرت اليه بحسرة وقلت : سوف نأكل سويا اذن .. وهكذا عدنا الى الفندق .. وبعد ايام اخذنا رواتبنا التي كانت ضئيلة .. قلت لاحمد .. دعنا نأكل لحما .. قال .. عدلت عن رأيي .. عائلتي في سوريا ايضا تعاني .. قلت له .. وعائلتي ايضا في الاردن .. فهلا اكلنا لحما .. قال .. لا .. عائلتي اولى بالطعام .. قلت له : يا احمد .. اتريد ان تأكل لحما .. قال .. طبعا .. قلت .. اذن فلنعرج على من يشوي شرحات اللحم داخل الارغفة .. وهو لحم على اية حال .. قال : حسنا .. ولكننا سنتقاسم المبلغ سويا .. قلت : اوافق .. وهكذا ذهبنا الى مطعم قريب من مقر المجلة لنأكل ما يسمونه في لبنان العرائس .. وهي شرائح من اللحوم .. وهكذا تذوقناها .
هناك الكثير من ذكراتي مع احمد دحبور .. واكتفي بهذا القدر .. فلربما ساعدني ذلك في يوم من الايام على ان اكتب بعضا من ذكرياتي مع بعض الزملاء .. واخص بالذكر .. الحبيب :  رشاد ابو شاور .. الذي ما زلت على تواصل معه اطال الله في عمره .. وتحياتي ..

أترك تعليق أو مشاركة

من الأرشيف

جديد صوت العروبة

أترك تعليق أو مشاركة