(يافا) حضور بهي بين ذاكرة البرتقال والوجع الفلسطيني العميق في رواية (صخرة نيرموندا) *للروائي بكر السباتين..

اصدارات ونقد …
بقلم : الطيب ظهوري – الجزائر ….
1- مضمون الرواية:
صخرة نيرموندا رواية الوجع الفلسطيني..رواية الظروف التي أدت إليه..
تحكي الرواية ،وبأسلوب فيه الكثير من الشاعرية والتفاصيل الحية للمكان، قصة حب سعد الخبايا ليافا..لنيرموندا المعادل التاريخي ليافا ..لبلقيس حاضر يافا المحاصر.. لعبير المستقبل الضائع المبحوث عنه..
تحكي حركة حياته كفلسطيني يتعلق بمدينته،ومن خلالها بكل فلسطين، يتشبث بحبه لها ويضحي من أجلها..
مع حكايته تحكي حياة كل الفلسطينيين الذين واجهوا بكل ما أمكنهم فعله أولئك الصهاينة الذين كانوا يعملون بشتى الوسائل على تهجير الفلسطينيين والحلول محلهم..
تحكي كيف انتقل سعد الخبايا من حال الخوف والذاتية ، التي لا تتجاوز حدود التفكير في عيش أسرته التي صار معيلها بعد موت أبيه ، إلى حال الوعي النقيض، وعي وجوب الارتباط بالآخرين من أبناء بلده والعمل معهم على مواجهة مكائد الصهاينة ،وذلك منذ لحظة إخبار الطفلة عبير له بأن أباها يريد قتلها ثم غيابها المفاجئ عن عينيه بعيدا..
تبرز الرواية في سيرته الكثير من خبايا التاريخ..خيانة بعض الفلسطينيين لبلدهم وأهاليهم.. خيانتهم لقضية الوطن الذي يخطط الصهاينة للاستيلاء عليه، إما لنقص في وعيهم أو لأنانيتهم وبحثهم من خلالها عن مصالحهم الخاصة ، ليس إلا..تعاونهم مع الصهاينة أحيانا..خيانة بعض الأنظمة العربية لفلسطين وخضوعها لإرادة الإنجليز في إنشاء وطن للصهاينة في فلسطين… دور الإنجليز والأمريكان في تمكين الصهاينة من تحقيق مرادهم..
2-استرجاع الماضي طريق وعي الحاضروإدراك تداعياته:
منذ اللحظة التي رأى فيها سعد الخبايا الطفلة عبير شبيهة أمها بلقيس راح وهو يسن السكاكين يسن ذاكرته أيضا في عملية استرجاعية لولبية لحياته قبل تلك اللحظة..
منذ تلك اللحظة يبدأ فعله في حاضره بحثا عن عبير..بحثا عن بلقيس..منذها تلك اللحظة يبدأ وعيه بما يجري ..ينتقل من حال إلى نقيضها.. يصير مهموما بمدينته.. بمستقبلها..يتفاعل مع الآخرين من المهمومين مثله، يخططون لما يرونه وسيلة فعالة لمواجهة الصهاينة الذين كانوا يتدفقون ومن كل الجهات، على يافا،وينفذون ما يخططون..
هكذا إذن بني بكر روايته على أساس المزاوجة في الأحداث بين الحاضر والماضي ، بدأ من هذا الحاضر..
تُرى هذه المزاوجة كذلك في أسماء شخصيات الرواية..وظف أسماء شخصيات هي ابنة حاضرها، مثل: الباشا بطرس والمحامية منى إبنته والاستاذ كنعان وابنه عزمي وعبد الجواد..وظف أسماء أخرى استقاها من التاريخ: نورميندا وداود وبلقيس..
كل تلك الأحداث التي انطلق في عرضها منذ تلك اللحظة متوجها إلى الماضي تارة وإلى الحاضر تارة أخرى، كان الهدف منها التوجه إلى المستقبل خوفا عليه وعملا من ثمة على الحفاظ عليه حيا في نفوس وعقول الفلسطينينن، وعملا على بنائه بما يجعله يتحقق فعلا..
بدون مستقبل يجذبنا إليه ويدفعنا إلى العمل من أجل بنائه ينتهي كل شيء..تمتلئ النفوس باليأس..واليأس هو وسيلة الخضوع للأمر الواقع..
من هنا رأينا بحث سعد عن بلقيس وطفلتها عبير..بلقيس وعبير هما مستقبل سعد..مستقبله القريب ومستقبله البعيد..وسعد ليس فردا منعزلا ..إنه الآخرون ..
من هنا كان اشتراكهم في البحث معه عنهما..
3- بنية الرواية:
ركز الروائي على نقطتين أساسيتين فعالتين في بناء روايته:
*الصراع : وقد تمظهر في جوانب عدة:
أ- صراع نفسي في شخص سعد الخبايا بين الخوف الذي تحكم فيه طويلا بفعل عوامل كثيرة تربوية( حكايات الأغوال وما إليها من حكايات خرافية زرعت الخوف في نفسه منذ صغره) واجتماعية ( فقر أسرته ووجود نفسه المعيل الوحيد لها) ، من جهة، ووعيه النصالي الذي كان يتشكل تدريجيا بفعل تجاربه في الحياة ، ممثلا في حتمية مواجهة ما كان يتربص بيافا( فلسطين ككل) مع الآخرين من الذين يحملون نفس وعيه..
ب- صراع مع الفقر( اجتماعي) ، حيث هو في حاجة ماسة إلى العمل ليعيل اسرته، وقد مر بأعمال عديدة كانت تنتهي دائما تقريبا بما يجعلها أعمالا مؤقته ومحاصرة بما يجعلها تفشل في النهاية ..
ج- صراع مع الجهل، حيث غادر المدرسة مبكرا، وهو ما جعله لا يفهم الحياة على حقيقتها إلا بعد اندماجه في الحياة وتجاربها ..
د- صراع مع الآخرين..مع خطاف ابن وطنه الضائع في عالم تغييب عقله( الخمور والمخدرات) ..مع داود المحتال الصهيوني والذي عرفه على حقيقته بعد تنبيه الآخرين له، من جهة، وتتبع وملاحظة سلوكه المتناقض المضر بالاخرين من ابناء فلسطين، وبه هو بالذات ( سعد)..
ه- صراع مع الصهاينة ممثلين في المهاجرين السريين والمقيمين الذي شكلوا وحدات مسلحة تعمل على تخويف الفلسطينيين والقيام ببعض الأعمال المؤذية لهم، ودفعهم من ثمة إلى مغادرة يافا ببيع منازلهم وممتلكاتهم تارة وبالخروج منها دون مقابل سوى بقاء أجسادهم على قيد الحياة..
و- لا يكتفي الروائي بكل هذه الصراعات الخاصة بسعد والعالم الذي يتحرك فيه..يوسع الروائي من دائرة الصراع في روايته..هناك صراع أميرة يافا نيرموندا مع الغزاة..هناك صراع بلقيس مع زوجيها ومع الصهاينة أيضا..هناك صراع الوقواق الوافد مع الطيور الوطنية ..إلخ..
الصراع بكل هذا الزخم يجعل من الرواية رواية حية أكثر حركة وأكثر تاثيرا، خاصة وقد ارتبط ( الصراع) في كل تجلياته بالخير والشر..حيث سعد ومن في صفه يمثلون الخيربامتياز، وحيث داود ومن في صفه من الصهاينة ومعاونيهم من خائني القضية يمثلون الشر ، بامتياز أيضا..
*إبراز جمال يافا من خلال سكناتها وسكانها وعلاقاتهم ببعضهم البعض، حيث نجد اعتناء السكان ببيوتهم وتجميلها وبملابسهم وحتى بأخلاقهم، واعتباره يافا مدينةعالمية بكل ما تتمتع بها من حياة تجعلها تضاهي مختلف مدن العالم الحية..
وكأنه بذلك يعطينا السبب الذي يجعل الصهاينة يعملون المستحيل من اجل الاستيلاء عليها وجعلها من ثمة مدينة خاضعة لهم ..
من مظاهر الجمال في الرواية:
– “فتعجبه تلك البيوت الحجرية التي غطي بعضها بالسقوف المائلة،وقد رصفت بالقرميد الأحمر ، فتتكئ على بعضها بعض في تدرج أخذ يتناهى حتى شارع الميناء .. بينما تطل شر فاتها المزخرفة بالمشربيات أوالمفتوحة على السماء وقد أحيطت بعناية سيدات المدينة اللواتي عرفن مداعبة الأشجار المتسلقة على الجدران الحجرية ، كاللبلاب و الياطمين ،أو الأزهار البيتية المزروعة في أصص معلقة على جوانب السلالم المكشوفة ، أو مركونة على حواف المشربيات من حبق ومتسلقات خضر”..من الرواية..
– “وتتهادى حمرة الشمس وه يتصعد رويد ا ، فيتدرج وجه الباشا مع كواشف الصباح المبكر وكأنه أمام امرأة تستحم في بحر منتعش، والصبا الناعم جعل يلفح الوجوه ، يعطر الأجواء بأريج الزهور من حبق ، وأقحوان ، وشقائق النعمان ، والياطمين ، وكرمة العنب التي تظلل حديقة القصر من تحت شرفاته المكشوفة أو المظللة بعقود حجرية تميل إلى الاصفرار”..من الرواية..
– يافا مدينة البرتقال بامتياز..لذلك تقابل المقيم فيها والزائر لها رائحة البرتقال في كل أمكنتها.. في أسواقها وحاراتها وشوارعها .. في أريافها وقراها.. في بحرها أيضا، حيث ينقل البرتقال من هناك إلى مختلف مناطق فلسطين الأخرى..
– في يافا – آنذاك- كان الناس يتعايشون مع بعضهم البعض مسلمين ومسيحيين ويهودا ولا دينيين في انسجام تام..يتقبلون بعضهم البعض..كل واحد منهم يحترم الآخرين مهما كان اختلافهم المعتقدي أو الفكري..في يافا أيضا ملاه وخمارات..مساجد وكنائس..
يمكن القول بأن يافا كانت مدينة مفتوحة على الحياة..على العالم..على التنوع..
للأسف، جاء الصهاينة وراحوا يعملون على محاصرتها وتضييق العيش فيها بعنصريتهم وحقدهم وعملهم على تفريغها من كل مباهجها..من كل جمالها الإنساني..
4- دلالات الأسماء في الرواية:
– سعد الخبايا: السعد من السعادة..الخبايا ما تخبئه الأرض..ما تخبئه الأرض عادة لا يكون إلا مفيدا..جميلا وبهيا.. يبدأ هذا البهي وهو يشق الأرض ليرى نور الحياة ضعيفا..لكنه سرعان ما يتفاعل مع عناصر الطبيعة الأخرى ويتقوى..شجرا كان أو عشبا..هكذا كان حال سعد الخبايا..ضعيفا في شبابه.. جبانا..خجولا..حين تفاعل مع الحياة ومر بالكثير من تجاربها تقوى..قوته كانت في وعيه وانخراطه من ثمة في النضال ضد أولئك الغرباء الذين كانوا يأتون من شتات الأرض مهاجرين سريين يعملون وبشتى الوسائل على جعل فلسطين وطنا لهم..
سعد الخبايا كان اكثر تعلقا بفلسطين..ابتعاده عنها يعني موته..لهذا فضل الموت فيها..اطلب الموت توهب لك الحياة..الموت في فلسطين يعني الحياة في الذين سيأتون..الموت فيها إعطاء الشجاعة للآخرين ليحرصوا على البقاء والنضال من أجل مستقبلهم هنا لا هناك..
يقول سعد الخبايا من خلال موته حاملا سلاحه مواجها أعداء وطنه لا وطن بدون تضحية..لا مستقبل بدونها..
– نيرموندا: فتاة أسطورية كنعانية فلسطينية، تقول الحكاية بأنها كانت اميرة على يافا..ولأنها واجهت غزاة مدينتها بشجاعة نادرة فقد عمل الغزاة بعد أن انتصروا عليها في النهاية على ربطها بصخرة على الشاطئ وتركوها هناك حتى ماتت..ماتت في بلدها..ضحت بحياتها دفاعا عن بلدها..ومن ثمة سميت الصخرة باسمها..إنها بمعنى ما رمز لفلسطين الماضي..فلسطين التاريخ..فلسطين الراسخة كالصخرة في مكانها..الصخرة التي لا تتزحزح..في الرواية تعلق بها سعد الخبايا..أحبها..ملأ بها ذاكرته..لهذا عندما أصيب برصاص الأعداء توجه إليها حيث صخرتها ..عانق الصخرة ومات..وكأن التاريخ يعيد نفسه..
كان بإمكان الروائي أن لا يكتفي بالإشارة إلى نيرموندا..ذاك فعل الشعر..كان بإمكانه وهو يزاوج بين الحاضر والماضي أن يفصِّل في حكاية نورميندا في صراعها مع الغزاة، وأن يوجد إلى جانب نورميندا شخصية تاريخية شبيهة لسعد الحاضر،تساهم بشكل فعال في مواجهة أولئك الغزاة إلى جانب نورميندا ومن معها..
مؤكد أن ذلك كان سيعطي للرواية جمالا وعمقا أكثر..لكن الروائي لم يفعل..مع أن ذلك الفعل كان في مقدوره هو الروائي المتمكن..
– بلقيس: في الرواية تحيل إلى الحاضر، حاضر فلسطين..إنها فلسطين الحاضر..تعرضت للخيانة من زوجها الأول ثم زوجها الثاني..كلا الزوجين كانا مغيبي العقل..دل الروائي على غياب عقليهما بانخراطهما في عالم المخدرات أساسا..انجبت من الأول عبيرا..ومن الثاني سحر..لم يذكر اسم الأول ،اسم الثاني كان خطافا..تطلقت من الإثنين..هي من فعلت الطلاق..فلسطين الحاضر ترفض من يخونها..كلاهما كانا صديقين لداود..
أحبها سعد من أول نظرة..ولم تنتبه إلى حبه..كان جبانا ولا وعي له..لم يكن يثير أدنى اهتمام..حين التقاها تعلقت به..خططا معا، ولو بالصمت، على أن يكونا معا..مستقبلا واحدا..فكرا في جمع البنتين والعيش معا..لم يتحقق لهما ذلك الحلم..كان نقيض حلمهما أقوى..قتل سعد..وكانت هي في الطريق إلى مواجهة أعدائها..
لم يقل الروائي بأنها ماتت..فلسطين لا تموت ..أبدا، لا تموت..
يطرح السؤال: لماذا اختار الروائي اسم بلقيس ليطلقه على تلك المرأة التي رافق طيفها سعد الخبايا منذ ان رآها لأول مرة، ورافقته حقيقة منذ أن التقيا في مزرعة النحل؟..
بلقيس، كما نعرف، اسم تاريخي يحيل إلى ملكة سبأ التي تقول الرواية الصهيونية عنها بأنها قدمت إلى الملك سليمان ملك إسرائيل الذي كان يخضع لحكمه الإنس والجن وأنها دخلت وقومها دينه بعد أن تأكدت من حكمته..
في الرواية كانت بلقيس الحاضر نقيض بلقيس الرواية الصهيونية..كانت هي فلسطين المناضلة..وكان الحكيم سعد الخبايا..كأن الروائي أراد أن يحيل إلى تزييف التاريخ لدى أولئك الصهاينة خدمة لإيديولوجيتهم التي تتناقض وحقائق التاريخ..
-عبير وأختها سحر: ترمزان لمستقبل فلسطين البهي المتنوع في بهائه..عبير أخذها أبوها من أمها بلقيس..وحسب الرواية هي كانت عند جدتها اخيرا..انتبه سعد للشبه بينها وبلقيس..خاف عليها كثيرا حين أخبرته بان اباها يريد قتلها..أبوها هو الحاضر الفلسطيني كما يمثله البعض من الخونة الذين صادقوا الصهاينة ولم ينتبهوا إلى خطورة ما يفعلون وما يسرون ..كانت منطلق تلك التغيرات التي طرأت على سعد..الخوف على مستقبل فلسطين كان طريق تغير وعي سعد وانخراطه من ثمة في النضال..
لن تضيع عبير..لن يختفي المستقبل..لن يزول..لم نتأكد من وجودها عند جدتها..سيحتفظ التاريخ بأن فلسطين للفلسطينيين..
اختها سحر أصرت الأسرة التي أُخذت إليها..التي احتمت بها حين فارقت أمها على البقاء في فلسطين..مستقبل فلسطين هو إذن فيها..لا خارجها..
– خطاف: الزوج الثاني لبلقيس..كان رجلا سيء السمعة..سكيرا..واقعا في حبائل داود..حين يكتشف ما تقوم به وكالات الهجرة الصهيونية يقتل بمكيدة هيأها له داود..يحيل اسمه إلى سلوك الخطف..الخطف الذي يعني في وجه من وجوهه الاستيلاء على ما ليس له..أو على الأقل ما ليس كله له..لقد كان كبير بحارة يافا آنذاك والمتحكم في الكثير من بحارتها..
من خلال سلوكه ومن اسمه أيضا ندرك انه يرمز لأولئك الذين غيبوا وعيهم بما يحدث في واقعهم ووقعوا في فخ أعدائهم وأعداء وطنهم وشعبهم..هؤلاء الناس يمكن التحكم فيهم من قبل أولئك الأعداء..ومتى بدأ وعيهم يتشكل يُنهى وجودهم..وهو ما حدث لخطاف..
ربما لهذا لم تطلب بلقيس الطلاق منه إلا بعد ظهور طليقها الأول الذي يبدو أنه كان أسوء بكثير منه، بدليل انه اعتبر داود أخا له ،ومطالبته بنزع حضانة ابنتهما عبير منها..
– داود: الشخصية التي كانت أكثر تواجدا في الطرف الآخر..طرف الصهاينة..
ككل الصهاينة كان داوود شخصية محتالة..مزدوجة التواجد..تسير على الحبل بين الطرفين..تظهر للفلسطينيين في الكثير من الحالات شخصية خدومة..محبة للخير وفاعلة إياه..هكذا هي في الظاهر..في السر هي شخصية تعمل لتمكن للصهاينة من تحقيق حلمهم بجعل فلسطين وطنهم القومي كما وعدتهم إنجلترا..احتال حتى على سعد لفترة ما..لكنه انكشف له..حين انكشفت حقيقته غاب في السر..أدرك أنه صار مكشوفا..وأن الفلسطينيين يبحثون عنه للانتقام منه..
تمكن الروائي وبإحكام عال ودقيق من جعله شخصية حققت دورها في الرواية بشكل مدروس متقن..تماما كما فعل مع شخصية سعد..
تحيل شخصية داود إلى النبي داود..أو الملك داود كما يراه الصهاينة.. داود ( حسب الرواية اليهودية) “أحد ملوك إسرائيل.. ومملكة إسرائيل (إسم مملكة جاء ذكرها في التوراة كمملكة لجميع أسباط بني إسرائيل الإثني عشرة، سماها باحثو التوراة بـمملكة إسرائيل الموحدة للتفريق بينها وبين مملكة إسرائيل التي انفصلت عنها لاحقاً (إضافةً إلى مملكة يهوذا)..هذه المملكة الموحدة حكمها كل من شاول، وداود وسليمان، وتوصف هذه المملكة في سفري صموئيل الأول والثاني كاتحاد لأسباطيي إسرائيل. ومن تحليل نصوص السفرين، يقدر معظم دارسي العهد القديم تبعأً لما ورد فيه فترة وجود هذه المملكة الموحدة بأكثر من 100 عام، أي منذ سنة 1050 قبل الميلاد وحتى سنة 930 قبل الميلاد تقريبا..
كانت المملكة حسب النصوص التوراتية تمثل الجزء الجنوبي الغربي لبلاد الشام، أي منطقة فلسطين، ولكن لا تشمل الفينيقية والأراضي الساحلية الجنوبية التي خضعت لسلطة الفلسطينيين وباقي شعوب البحر.. اسم “مملكة إسرائيل الموحدة” لا يدل على دولة إسرائيل الموجودة حاليا في الشرق الأوسط، غير أن اليهود المعاصرين يظنون أنفسهم أبناء مملكة يهوذا الجنوبية التي انفصلت حسب الرواية التناخية عن مملكة إسرائيل الموحدة، ويرى معظمهم الأحداث التي جرت على هذه المملكة المفترضة كجزء من تاريخ اتباع الديانة اليهودية ودولة إسرائيل الحالية التي يفترض بها أن تكون دولة اتباع الديانة اليهودية، كما يتم تدريس ذلك في مناهجهم الدراسية. وهذا هو أحد أسباب اختيار اسم “إسرائيل” للدولة اليهودية عند تأسيسها عام 1948..) ..عن ويكيبيديا- الموسوعة الحرة”..
تشير نفس الموسوعة إلى أن الكنعانيين كانوا أول من استوطن المنطقة وذلك منذ 3300 ق م..بينما تواجد اليهود فيها حوالي الـ10 قرون ق م..
ربما كان قصد الروائي من استعمال اسم داود في الرواية الإشارة إلى كل ذلك، من جهة، والإحالة إلى أن ما يقع في الراهن من صراع هو صراع له جذوره التاريخية المرتبطة بتحايل الصهاينة وتزييفهم لأحداث التاريخ دائما..ودائما يُتعمد ذلك التزييف لأغراض إيديولوجية يخفون بها حقيقتهم ويغيبون بها حقائق التاريخ..
يمكن أن نضيف أيضا:داود كإسم يحيل إلى الدود..الدود ينشأ وينتشر عادة في تفسخ الأجساد البشرية وفي تعفن المأكولات..وفي فلسطين انتشر التعفن بشكل كبير.خيانات من كل الجهات.. بيع وشراء في القضية..استغل الصهاينة كل ذلك وراحوا ينتشرون..
– طائر الواقواق: شخصية ليست بشرية..إنه طائر.. ربطه الروائي بشخصية داود التي تعرفنا عليها سابقا..يتميز هذا الطائر بوضع بيوضه في اعشاش الطيور الأخرى في غفلة منها..حين يخرج فرخه إلى الحياة ويمتلك القوة يطرد اهل العش ويحتله..تماما كما يفعل الصهاينة..
الفرق بين الإثنين أن ما يقوم به الطائر سلوك طبيعي فيه..بينما الصهاينة بشر..ويفترض أن سلوكهم لا يختلف عن سلوك كل البشر الآخرين..لكن ما يفعلونه لا يختلف في شيء عما يفعله ذلك الطائر..
واضح أن الربط بين داود وكل الصهاينة من خلاله وذلك الطائر ما هو إلا إشارة من الروائي بأن عمل الصهاينة على احتلال بلاد الاخرين ،متى تمكنوا من امتلاك القوة، وطردهم منها هو سلوك متأصل فيهم، وأنهم لن يتخلوا عنه إلا بمواجهتهم بقوة توازي قوتهم وتفوقها..و..
“مِن أجلك يا سحر لا بد أن نعيش هنا..
يافا لن تغادرنا؛ فكيف نعيش دونها!؟”. ص 261 ..
هكذا تنتهي الرواية..
ـــــــــــــــــــــــــــــــــ
*بكر السباتين روائي وفنان تشكيلي أردني من أصل فلسطيني..
*رواية “صخرة نيرموندا”.. صدرت في عمان عام 2016 عن دار الآن ناشرون وموزعون بدعم من وزارة الثقافة.
*الصورة المرفقة لكاتب المقال الناقد الجزائري الطيب ظهوري

أترك تعليق أو مشاركة

من الأرشيف

جديد صوت العروبة

أترك تعليق أو مشاركة