القنوات المشفرة بين الأحتكار واستغلال حاجة المشاهد – بقلم : خالد واكد


دراسات ….
بقلم : خالد واكد – مصر …
مونديال روسيا 2018 على الأبواب
مع اقتراب موعد انطلاق بطولة كأس العالم، تبدأ معاناة الملايين من الجماهير العربية بحثًا عن طريقة لمتابعة المونديال، وباقل كلفة وتبدأ معها أزمة نفسية وحالة من الضيق والغضب في الشارع الكروي، بسبب ارتفاع أسعار مشاهدة البطولة، وارتفاع أسعارالقناة المشفرة لمشاهدة المباريات.
هذا ما جعل ملايين المتابعين والمشاهدين للأحداث الرياضية يصابون بشتى أنواع الأرق والقلق والاكتئاب لعدم سهولة مشاهدة البطولة، ولأن نظام التشفير المتبع في القنوات الناقلة لهذا الحدث الهام قد أجبر المشاهد على دفع مبالغ طائلة للاشتراك في القناة وإلا فلن يشاهد مباريات المونديال، أو يضطر لترك منزله والالتزام بمقعد في أحد المقاهي ودفع مبلغ باهظ نظير مشاهدة مباراة واحدة وتحمل إزعاج وفوضى المتواجدين، حيث تعد لعبة كرة القدم المتنفس الأهم للجماهير العربية بعيدًا عن عالم الاقتصاد والسياسة.
وعلى مر العشرين السنة الماضية استمرت معاناة الجمهور من أجل مشاهدة البطولات الكبرى لكرة القدم، عقدين بالتمام والكمال من الاحتكار غير الشريف 20 سنة منذ مونديال فرنسا 1998 من الحرمان المتواصل لكل الأحداث العالمية الأكثر أهمية ( كأس العالم – بطولة أمم أوروبا – بطولة أمم أفريقيا -بطولة أمم آسيا ) 20 سنة من الاحتكار غير المعقول، 20 سنة من الابتزاز الرخيص للمشاهد العربي باسم حقوق البث التلفزيوني، الذي لا يعرف أحد أين تذهب هذه المليارات التي يتحصلها الفيفا وتتحصلها محطات التلفزة وهؤلاء الرجال أعمال، شيء غير عادي يحدث العالم أصبح أكثر مادية، العالم يجري خلف المال يلهث وراء مصالح شخصية، أكثر من المنفعة العامة وإذا قلنا واعترفنا بأن دور المؤسسات الحكومية الرياضية قد ولى زمانه حسب ما نشهده اليوم، بعد ما فقدت التحكم، وعدم قدرتها على البث الحي للمنافسات الرياضية.
وكانت بداية الطامة والتوجه نحو بيع حقوق بث البطولات تلفزيونيًا ولجهة واحدة محتكرة الحقوق في بطولة كأس العالم في فرنسا 1998، ولكن الجمهور العربي حينها لم يشعر بأي مشكلة  لأن اتحاد الإذاعات والتلفزيونات العربية حينها كان متعاقدًا مع الفيفا على حقوق بث البطولة مدة 20 عامًا بدأ من بطولة 1978  وحتى بطولة 1998، ولكن المعاناة الحقيقية بدأت مع التشفير في مونديال 2002 في كوريا الجنوبية واليابان، حينما احتكرت وقتها قناة ART ثم باعت حقوق بث مونديال 2010 لقنوات الجزيرة التي سارت على نفس درب الاحتكار الحصري جدًا في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا وتؤكد وتتباهى باستمرار أنه ليس من السهل ولا تستطيع أي قناة بث مباريات البطولة، دون سماح وترخيص من بِي إن سبور التي تمتلك الحصرية قاطعة على أي قنوات عربية البث المباشر، مؤكدة في تصريحها تعرض من يخالف ذلك للعقوبة المادية الباهظة وحرمان البلد من المشاركة في بطولات الفيفا.
حكاية الفيفا والبث التلفزيوني
لكن كيف تحول الفيفا من دعمه وترغيبه نشر اللعبة للجمهور في العالم إلى جعل الجماهير تدفع عنوة وغصبًا عنها للمشاهدة والتمتع باللعبة، فحكاية البث التليفزيوني مع الفيفا بدأت في بطولة كأس العالم عام 1954 في سويسرا، حيث تم نقل مباريات المونديال إلى سبع دول هي إنجلترا وفرنسا وألمانيا الغربية وبلجيكا والدنمارك وهولندا وسويسرا، وبعد ست أعوام وبالتحديد في عام 1960 عرف العالم لأول مرة مفهوم حقوق البث التليفزيوني، حيث دخلت مباراة ريال مدريد وانتراخت في نهائي دوري الأبطال الأوروبي التاريخ حين تم دفع مبلغ ثمانية آلاف جنيه إسترليني مقابل بثها على شاشات التليفزيون.
وفي كأس العالم السادسة التي استضافتها تشيلي عام 1962، أخذت علاقة كرة القدم بالتليفزيون شكلاً آخر، فقد ظهرت أحداث المباريات مسجلة على أفلام ليتم بثها على شاشات التليفزيون الأوروبية باعتبار أن تقنية نقل الصورة عبر الفضائيات لم تكن قد ظهرت بعد. وفي مونديال إنجلترا عام 1966، قدمت التكنولوجيا أجهزة تسجيل الفيديو وظهرت تقنية الإعادة التي لم تكن معروفة من قبل. وبعد أربع سنوات حدثت النقلة الكبرى حيث بثت وللمرة الأولى مباريات المونديال من المكسيك عبر الأقمار الاصطناعية وعلى الهواء مباشرة.
وبدأ الفيفا أول خطوة حقيقية في بيع حق بث البطولة تليفزيونيًا بمبالغ يحددها، وكانت البداية في بطولة الأرجنتين 1978 حيث كان السعر 34 مليون دولار لكل العالم، ثم في إسبانيا 1982 أصبح 40 مليون دولار، وفي المكسيك 1986 أصبح 50 مليون دولار، وفي إيطاليا 90 أصبح 75 مليون دولار، وفي أمريكا 94 أصبح 87 مليون دولار، بعد ذلك في فرنسا 98 أصبح 107 مليون دولار لكل العالم، ثم في بداية عصر الاحتكار والحصرية في بطولة 2002 وظهور شركة اشترت الحقوق لكل العالم، بدأ البيع للقنوات الرياضية المشفرة التي اشترته من الفيفا بمبلغ ضخم للغاية وقتها بلغ مليار دولار!
الفيفا ومنجم الذهب
وكانت المشكلة التي فتحت أعين الاتحاد الدولي للكرة على منجم الذهب الذي يسمى اليوم بحقوق البث واحتكارها وتشفيرها في المونديال، وهي مشكلة الانهيار الكبير لمالك والحقوق الحصرية لبيع حقوق البث وهي المؤسسة الأوروبية (كيرشن) في 2002 في اليابان وكوريا الجنوبية، وفي تلك البطولة بلغت قيمة حقوق البث التليفزيوني التي باعها الفيفا لشركة (انفرونت) عقب انتهاء مونديال 2002 مباشرة مليار و185 مليون دولار، وتم تحطيم الرقم مباشرة حقوق بث مباريات مونديال 2010 في جنوب أفريقيا الأرقام القياسية حيث وصلت إلى ما يقارب ثلاثة مليارات دولار، وهي أكثر من ضعف عوائد مونديال 2006، بينما بلغت حقوق البث لمونديال البرازيل 2014 الحالي مبلغ يقارب لأربعة مليارات دولار. الذي جعل الفيفا يقود أمور بيع حقوق البث والتسويق والإعلانات بنفسه دون الحاجة لوكلاء أو لمؤسسات تحتكر حقوق البث لنفسها بداية من بطولة 2006 في ألمانيا. وهذا ما سبب نكبة للمشاهد وتدمره من التشفير وهو الذي كان قبل عقدين يشاهد كأس العالم في بيته وهو مرتاح وبدون دفع أية أموال!
النموذج الأوروبي في كسر الاحتكار
وقدم اتحاد الاذاعات العربية نموذج الدول الأوربية التي حققت نجاحًا كبيرًا في الفوز بحكم من محكمة العدل الأوربية التي لجأ إليها الاتحاد الدولي لكرة القدم «الفيفا» والاتحاد الأوروبي «ويفا».
وفي العاشر من مارس (آذار) 2010، تم إصدار توجيهات أوروبية متعلقة بالبث الفضائي وقد نصت المادة السابعة لتنظيم البث التلفزيوني صراحة على أن «كل دولة عضو داخل الاتحاد الأوروبي بإمكانها اتخاذ تدابير صريحة وفقا لقانون الاتحاد يضمن عدم احتكار أي قناة أو هيئة تلفزيونية للبطولات الرياضية باعتماد سياسة التشفير من خلال تحديد قائمة سنوية للفعاليات والمناسبات الرياضية الرسمية التي تعتبرها أحداثًا ذات أهمية بالغة للجمهور».
لم يتقبل الاتحاد الدولي لكرة القدم «الفيفا» والاتحاد الأوروبي «ويفا» القرار، وتقدما بطعن لدى محكمة العدل الأوربية التي أصدرت قرارها في 2013، برفض الاستئناف بصورة باتة وقطعية.
ورغم إن محكمة العدل الأوربية أقرت بأن تعيين أحداث معينة من قبل الدولة باعتبارها أحداثًا ذات أهمية كبرى للمجتمع وحظر البث الحصري لها يشكلان مبدئيًا عقبة أمام حرية توفير الخدمات ومقتضيات المنافسة الحرة والحق في الملكية إلا أن هذا الأمر لا يجب أن يحجب حماية الحق في المعلومة وضمان وصول أكثر عدد ممكن من الناس إليها من خلال التغطية التلفزيونية المجانية والمفتوحة.
ودعت محكمة العدل الأوروبية إلى أنه على الدول تحديد البطولات والاحداث الرياضية ذات الأهمية الكبرى لمواطنيها، مقرة في ذات الوقت أن مباريات كأس العالم هي فعالية ومناسبة ذات أهمية كبيرة يوجب معها منع البث الحصري والتشفير وفتحها للعموم.
لعبة الفقراء يمنع استغلالها واحتكارها
يمكن اعتبار المنطقة الوحيدة التي يتم احتكار بث البطولات باستغلال لا مثيل له هي المنطقة العربية، فالدول الأوروبية جميعها ضغطت في عام 2013 لوضع بند يتيح لكل دولة أوروبية بث المباريات التي ترى أنها ذات أهمية قومية على قنوات مفتوحة، وبضغط رسمي من إنجلترا وبلجيكا اللتين حركتا ملف القضية والنجاح فيه ليتم وضع لائحة تنص على بث جميع مباريات كأس العالم وكأس الأمم الأوروبية على قناة فضائية واحدة مفتوحة على الأقل، ومن حق «يويفا» الاتحاد الأوروبي بيع الحقوق لأي قناة مشفرة لكن مع ضمان حق المواطن البسيط في مشاهدة البطولة عبر قناة واحدة مفتوحة على الأقل.
ومن المعلوم أن لوائح الفيفا تحرم البث الحصري للمباريات، حيث يتعارض ذلك مع قواعد انتشار اللعبة التي يدعو لها الفيفا دائمًا.
لا نفهم ولا نعرف لماذا لم تتقدم أي دولة عربية حتى الآن برفع شكوى للفيفا والاتحاد الأوروبي ضد الاحتكار في منطقتنا، وهو حق قانوني وفقًا للوائح، خاصة أن ما تقوم به القناة من إجبار الجماهير الرياضية على دفع قيمة الاشتراك المخل ببند حرص الفيفا على انتشار اللعبة بين الجماهير وربما لو قامت القناة صاحبة الحق الحصري وفتحت قناة مجانية ضمن قنواتها تبث المباريات دون تعليق مع عدم جودة الصورة لكان الأمر مقبولا لشريحة كبيرة من الجمهور العربي.
بداية التحرك الرسمي
لا يمكن إغفال تحرك اتحاد الإذاعات العربية فعليًا عقب ذلك حينما قرر اللجوء للمكتب التنفيذي للجامعة العربية، باعتباره هيئة تابعة لها لطلب الترخيص لوضع ملف احتكار بث المنافسات الرياضية لدى المحكمة الرياضية الدولية «طاس».
واعتبر الاتحاد أنه أمام مشهد غير سوي وخال من الإنسانية ويزرع التفرقة في المجتمع الواحد بين من يملك القدرة ومن ليس باستطاعته الاشتراك، ولم يفت أعضاء الاتحاد على أن يؤكدوا بأن القناة المشفرة، في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا التي تحتكر نقل هذه الفعاليات الرياضية يبلغ عدد مشتركيها أقل من 7% في المائة من مجموع المشاهدين في كامل المنطقة العربية، ولذا أصبح التحرك العربي ضرورة لأن الاحتكار الحالي يتعارض مع أبسط حقوق الإنسان كحقه في المشاركة في حياة المجتمع الثقافية والفنية مستدلا بالمادة 27 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان.
وقد أكد الاتحاد العربي على الجانب التشريعي وضرورة العمل على سن تشريعات محلية تكفل حق المشاهد العربي في متابعة الأحداث الرياضية الكبرى عبر قنوات مفتوحة غير مشفرة على غرار ما هو معمول به في الدول الأوربية، بحيث تسن قوانين محلية وطنية تحمي المشاهد في الوطن العربي من خلال توجيهات تصدر عن جامعة الدول العربية ومجلس وزراء الإعلام العرب.
فقد نجح اتحاد الإذاعات العربية منذ تأسيسه عام 1969 في توفير خدمات لكافة الهيئات الإذاعية والتلفزيونية العربية الأعضاء للاستفادة منها بهدف تقوية الروابط وتوثيق التعاون بين إذاعات الدول العربية الصوتية والمرئية وتطوير إنتاجها شكلا ومضمونًا وخدمة للمشاهد العربي عامة في كل الدول العربية.
وقدم اتحاد الإذاعات العربية نموذج بلجيكا وإنجلترا، اللذين قدما لوائح وقوائم بالأحداث التي تعد ذات أهمية بالنسبة إليه وبالتالي منع حصريتها، وكان النجاح حليفهم وتم نقل نهائيات كأس العالم بالبرازيل 2014 وكأس الأمم الأوربية 2016، وتلقت الدعم الكامل من المفوضية الأوروبية التي أقرت بتطابق تلك المناسبات الرياضية مع قوانين الاتحاد الأوروبي
وقد جاء في إحدى التوصيات هذه العبارة «أدت هذه الوضعية إلى حرمان الجماهير من متابعة الأحداث الرياضية سواء الدولية منها أو المحلية التي تجرى على أرضها وتشارك فيها منتخباتها وأنديتها باعتماد سياسة الحجب والتشفير».
رسالة لولاة الأمر وقادتنا
هذه رسالة باسم 380 مليون عربي يتم توجيهها إلى قادتنا وولاة أمرنا في مؤتمر القمة السنوي لم نعد نطلب منكم المستحيل وتوفير لنا الرفاهية ولم نعد نسعى ليسّر الحال ولا نطلب توفير الوظيفة والعمل فقط نريد اليوم إلغاء احتكار المشاهدة التلفزيونية والعودة لمجانية المتابعة كما مجانية الصحة ومجانية التعليم.
فحال المواطن العربي في الدرك الأسفل للغالبية العظمى إلا ما ندر ممن أنعم الله عليهم ببعض المال ويسر الحال والعيش الكريم.
علمًا بأننا لم نفقد كشباب وجمهور رياضي الأمل بالله ولا بولاة أمورنا وحكامنا وقادتنا ونفيدكم كشباب عربي مبدع جدًا بأن شبابكم وهم غالبية سكان الوطن العربي الكبير لا يعجزه شيء ولديه القدرة والموهبة للبحث عن ألف طريقة لمشاهدة ما تم تشفيره من قبل أي جهة عربية حكومية أو خاصة تريد استنزاف جيبه وجزء من مدخوله الشهري لمشاهدة ما يحب من أحداث وفعاليات رياضية تنص قوانين «الفيفا» صراحة على حق الشعوب والجماهير في متابعة كل أحداث الفيفا مجانًا، فلعبة كرة القدم هي اللعبة الشعبية الأولى في العالم لا يجوز احتكارها أو حصرها على فئة من الجمهور، لذا سيعمل الشباب على تحويل أجهزة استقبال البث ناحية أقمار أجنبية تبث الفعالية والبطولة الرياضية بالمجان ولا يهم حينها التعليق بأي لغة فكرة القدم هي اللغة العالمية الاولى يفهمها ويعرف لغتها كل شعوب الأرض.

أترك تعليق أو مشاركة

من الأرشيف

أترك تعليق أو مشاركة