– مداخلةٌ مختصرةٌ لمناقشةِ نصٍّ أدبيٍّ للبنانيَّةِ ( كلود ناصيف – حرب ) – بقلم : حاتم جوعية

اصدارات ونقد …
( بقلم : حاتم جوعيه – فلسطين المحتلة …
كان من المفروض أن أكون موجودا بينكم الآن في هذه الجلسةِ الحواريَّة –  في  مدينة  سدني  باستراليا  –  لمناقشةِ  نصٍّ  أدبيٍّ  للإعلاميَّة   والأديبة والشاعرة المبدعة ( كلود ناصيف ) ، ولكن لظروف  صِحّيَّةٍ  صعبة  ولبعدِ المكان  لم أتمكن من المجيىء ..  ويسعدني  ويشرفني  أن تكون لي مداخلة او بالأحرى قراءة صغيرة  في هذه المناسبة الثقافيَّة  الميمونة .
إنَّ الإعلاميّة والكاتبة  كلود ناصيف غنيّة عن التعريف  فقد حققت شهرة وانتشارا واسعا في استراليا والعالم العربي على الصعيد الأدبي  والإعلامي .. لقد  دخلت الأدب من  باب الإعلام  وكانت  مذيعة  في “صوت المحبَّة ” وأبدعت وتألقت في هذا المجال، وتابعت مشوارها  بعد ذلك في عالم الشعر والادب  وأبدعت  في هذا المجال  أيضا  أيما  إبداع ، وقد  نشرت  كتاباتها الإبداعيَّة في المنبر الإعلامي المشهور ( موقع أفكار اغترابية ) الذي يديره الصديق   والأخ   العزيز  الشاعر  والأديب   والناقد  الكبير  الدكتور جميل الدويهي..هذا المنبرالرائد  الذي يستقطبُ خيرة الكتاب  والشعراء  اللبنانيين والعرب  في استراليا ومن شتى الدول العربيَّة .وفي هذه المداخلةِ الصغيرة  سأقدم  تحليلا مقتضبا لقصيدة ( أيها البعيد القريب ) للأديبةِ الشاعرة  كلود ناصيف – حرب .
هذا العملُ الأدبي .. أو بالأحرى  القصيدة  وتستحق هذا التعريف وهذه التسمية تصنفُ وتدرجُ ضمن الشعر الحديث الحر-المتحرر من قيود الوزن والقافية ، وقد  يسميها البعضُ خاطرة أدبية ..فهي  شعر  بكلِّ  معنى  الكلمة بلغتها الجميلة  وتموجاتها  المشعَّة  وموسيقاها الداخلية  وألفاظها الساحرة ، ولكنها ليست موزونة حسب بحور الخليل التقليديَّة…وفيها يتجلى ويشعُّ  كلُّ عناصر الجمال والأبداع  .. والجديرُ  بالذكر  أنَّ القصيدة  النثرية الإبداعيّة تحتاجُ إلى بعض  التقنيات والعناصر الهامة حتى تجاري القصيدة الموزونة في جماليتها وتألقها ..العناصر والأسس والتقنيات التي قد تسدُّ  وتغطي على الحَيِّز  والجانب  الهام  والمفقود  وهو  الوزن  الشعري …وليس كلُّ  شاعر  يستطيعُ أن يكتبَ قصيدة  نثرية  ناجحة ، لأن هذا الأمر  يحتاجُ  إلى موهبة شعرية فطرية  فذة  وإلى  قدرات كبيرة  وإلى ثقافة  واسعة  وإلمام في شتى المواضيع والمجالات  ، ويجبُ أن يكون الشاعرُ أولا  وقبل كل شيىء يجيد كتابة القصيدة العمودية وقصيدة التفعيلة…والذي لا  يستطيعُ  كتابة  القصيدة العمودية  الكلاسيكية  لا  يستطيع  كتابة القصيدة  الحديثة الحرة الإبداعيَّة .. وهذه القاعدةُ يعرفها معظمُ النقاد والأدباء .
تمتاز الأديبة الشاعرة  ” كلود ناصيف ” في  جميع  كتاباتها ، وفي هذه القصيدة  أيضا بلغتها  وأسلوبها الأدبي الشاعري الجميل  والرقيق والشفاف أحيانا  والساحر والجميل  وبالمعاني العميقة  وبالأبعاد  الإنسانيَّة  والفلسفيَّة ..حيث تكثفُ الشاعرةُ  من المعاني وتستعملُ الأستعارات والتعابير البلاغيَّة الجديدة والمبتكرة ..وكل قارىء ذكي ومثقف يشعرُ أن الأديبة  لها  قاموسها الشعري الخاص بها  ولها أسلوبها المميز ونكهتها الخاصة .
هذه القصيدة طابعها وشكلها الخارجي غزلي،ولكن الشاعرة  ترمي وتهدفُ إلى  مواضيع  أخرى  غير  الحب  والعشق  والعواطف  والمشاعر الجياشة  والشوق المؤجَّج العارم للحبيب المنشود ..ويلتقي في القصيدة البعدُ العاطفي والوجداني مع البعدِ الوطني ، وتذكرنا  بشعراءِ المقاومة  الفلسطينيِّين الذين يشبهون الأرضَ والوطن  بالمرأةِ  والفتاة  الجميلة ..وبالشاعرات الوطنيات الملتزمات والمناضلات (العربيات والفلسطينيات) اللواتي  يشبهن أحبَّاءَهنَّ  وفرسان أحلامهن بالوطن الجميل المعطاء .  وقد يحلِّلُ البعضُ هذه القصيدة  على أن الشاعرة  قد كتبتها  للوطن الكبير والجميل  ولم  تكتبها  لشخص ما حيث تقول :
( ” لا  أريدُ من هذا الليل
سوى قمر
أنتَ قمري
أنتَ لي وطن ….
عيناك مسقط قلبي ” ) .. إلخ …
..وتستعملُ في القصيدةِ   التشبيه والتشبيه المضاد والمعاكس .. والقلائلُ من الشعراء العرب  اليوم  والمجددين  ورواد الحداثة  يستعملون هذا  الأسلوب ويدخلون  هذا  المنحى… والجدير بالذكر  أنه   في   معظم  الشعر  الأجنبي  الكلاسيكي القديم  وليس الحديث وأيضا الشعر العربي  جميعه قديما  وحديثا  نجد  أن  التشبيهات هي  دائما مباشرة  وواضحة  كالتصوير الفوتوغرافي.. حيث  تنقلُ التنشبيهات والصور بمعانيها المجرَّدة والواضحة  ويوجد علاقة مباشرة  وواضحة  ومطلقة  بين الشيىء  أو الموضوع  والموضوع  الآخر المشبه  به ، وقد  شذ عن هذا  الامر امرؤُ القيس  بعض الأحيان  في الشعر  حيث في العديد من صوره الشعرية  وتشبيهاته المميَّزة لا  يوجد  أي  تشابه بين الشيىء أو العيِّنة التي اختارها  والشيىء والموضوع الآخرالذي  يشبِّهُهُ بها ، ولكن التشبيه يكون معقولا ومنطقيا .. وشاعرتنا هنا تستعملُ هذا اللون الذي يندرُ في الشعرالعربي حتى في الشعرالحديث حيث يكون الموضوعان والأمران  اللذان  تشبهما  ببعض  متناقضين  وعكس  بعضهما البعض  ولا يوجدُ  أيُّ  وجهٍ  أو صلة  للتشبيه  تربط   بينهما ،  فمثلا  عبارة :  ( حديثك  الصامت )..فالحديثُ هو الكلام الذي نسمعه بالإذن، والحيث لا يكونُ صامتا  أو أخرسا .. وممكن أن  يكون  التعبير بالإشارات  أو  بنظرات العيون التي  تكون صامتة وليس لها صوت ولا تسمع بحاسة الإذن .
وتستعملُ الشاعرةُ – في هذا النصَّ- بعض التعابير والمصطلحات  البلاغية الجميلة التي قد تكون مبتكره ، مثل :
( صوتُكَ يختالُ بهدوء في أذني.. )
إنهُ لتعبير جميلٌ وله وقعُهُ الساحرعلى المتلقي، ويوجدُ التناقضُ الجميل في المعاني والأشياء المشبهة ببعض..فالصوتُ الذي يختالُ وكأنهُ فارسٌ مغوار  معجب بنفسه  يكونُ  اختياله  رزينا  وخفيفَ  الظل  وغير مزعج ،  ومكان  وجغرافية الإختيال هو أذن الشاعرة وحاسَّة سمعها..والأذنُ تعشق قبل العين احيانا -على حد قول الشاعر العباسي المخضرم ( بشار بن برد ) ..والتشبيهُ هنا تشبيهٌ حِسِّي وشعوري  وروحاني وليس ماديًّا ملموسًا.
وبعد هذه الجملة الشعرية تتابعُ الشاعرةُ  قولها  مباشرة :
( تنبتُ قصيدة فوق شفتي) وفي هذه الجملة التي تختمُ فيها الشاعرةُ القصيدة  قد نجدُ كلَّ الفحوى وملخّص الرسالة التي تريدها الشاعرة ..
وبالإمكان تلخيص وتقييم  هوية  وطابع  وسيميائيَّة هذه القصيدة  في عدة أسس ومجالات، وهي:
1 ) تستعملُ الشاعرةُ أسلوبَ السهل المتنع  أحيانا ، وتبدو المعاني والصور الشعرية كأنها عاديَّة ومألوفة ، ولكنه من الصَّعب على كلِّ  شاعر أن  يأتي بمثلها ويرقى إلى مستواها الفني المُمَيَّز .
2 )  التناغم والإنسجام والإنسياب الجميل  بين اللفظ والمعنى .
3 ) المحاكاة الضدِّيَّة والتشبيهُ المعاكس  والمناقض..إذ  لا يوجد أيُّ صلةٍ أو تشابه بين الشيئين والأمرين المُشَبَّين ببعض .
4 ) نجد أيضا في بعض العبارات والجمل الشعريَّة المعاني العميقة المترعة بالأبعاد  الفلسفيَّة  والأجواء  الرومانسيَّة الحالمة  وبالرؤيا  الشمولية  للحياة الجميلة…وهذه القصيدة أو النص الأدبي نابضة  بالأمل والتفاؤل  والإشراق  وتنبؤُ بربيع مزهر وغدٍ جميل رائع ..

النص الكامل للقصيدة :
–  أيُّها البعيد القريب –
أيُّها البعيدُ القريب
برفق يتسللُ قلبي إلىى صندوق بريدِك
كلصٍّ تصيبُهُ الفوضى
يسرقُ من حروفكَ قصائدَهُ
ومثلما يتركُ اللصُّ خلفهُ
يتركُ لهفتهُ..
وثمة حديث لا ينتهي
حينما أفكرُ بك
لا يفصلُ بيننا سوى مقدار عناق
فتعال…
حضوركَ يحرِّضني على الحب
يا لكثرة حديثكَ الصَّامت
سأقولُ الآن :
تذوَّقتُ طعمَ القصيدة
فقط عندما تلفظ
حروفَ اسمي
لا أريدُ من هذا الليل
سوى قمر
فأنتَ قمري
انتَ لي  وطن
عيناك مسقط  قلبي
أغمضُ عيني
على صورتِكَ التي أمامي
أسمعُ صوتكَ يختالُ بهدوءٍ في أذني
تنبتُ قصيدة فوق  شفتي  ” ) .

 

أترك تعليق أو مشاركة

من الأرشيف

جديد صوت العروبة

أترك تعليق أو مشاركة