سوريا و اليوم التالي – بقلم : عدنان الروسان

دراسات …
عدنان الروسان – الاردن ..
كيف سيبدو اليوم التالي للضربات الأمريكية لسوريا إن وقعت فعلا ، سؤال محير لكثير من الزعماء و صناع القرار  فضلا عن سكان منطقتنا المبتلين بالعيش في هذه المنطقة ، من حيث المبدأ الضربة سوف تتم و غالبا مساء هذا اليوم أو صبيحة يوم غد و نحن لا نضرب بالودع هنا و لا نفتح بالفنجان لكننا نستقريء ما بين السطور للتصريحات الأمريكية و التصريحات المضادة ، و إذا ما طالت مدة انتظار الضربة فإن ذلك سيسجل كانتصار روسي مبكر .
الرئيس الأمريكي لم يبق لم يغلقه في وجه روسيا و حلفائها و في وجهه هو و جعل من الصعب جدا عليه هو نفسه أن يتراجع و هذا خطأ استراتيجي في فقه القيادة عظيم لأن الأمر حينما يتعلق بصراع الكبار يجب أن يكون عقلانيا و التصريحات مدروسة بعناية بينما نجد هنا أن الرئيس الأمريكي يعيش أجواء رومانسية و مثيرة كونه رئيسا و قادر على أن يسير أساطيل و طائرات لضرب دول و أحلاف لا يستهان بها ، و من هنا فإننا نكاد نجزم أن التراجع عن الضربة سيكون شبه مستحيل و أن الضربة سوف تتم كما أسلفنا اليوم أو صباح الغد أن صحت توقعاتنا.
الذين يرون أن الولايات المتحدة الأمريكية أقوى من روسيا و بالتالي فإن روسيا سوف تكون في موقف حرج و لن ترد على الضربات الأمريكية مخطئون في تصورهم لأن فوارق القوة بين الدولتين لا تحدث فرقا استراتيجيا في قرار الحرب و السلم حينما يتعلق الأمر بصراع سوف تحسم نتائجه مواقع نفوذ تحدد المجال الحيوي لدولة مثل روسيا التي تعتبر سوريا مسألة حياة أو موت بالنسبة لها في الوقت الراهن كما أن  لدى روسيا خبرات تراكمية هامة استفادتها من تجربة الإتحاد السوفيتي السابق  و النتائج التي ترتبت على تخاذل زعاماته السياسية التي سمحت بتفكيك الدولة و زوالها من الوجود و بالتالي فإن روسيا الجديدة لن تسمح لنفسها بتكرار التجربة لأن ذلك معناه خروجها من نادي الدول العظمى و للأبد.
إن النتائج التي ستترتب على الضربة الأمريكية تعتمد على عوامل عدة ، فإذا كانت الضربة محدودة جدا و لم تؤدي إلى خسائر في الأرواح و المعدات لروسيا و إيران فإن الأمر يمكن تداركه بوساطات دولية من الجانبين و وقف التصعيد بما يحفظ ماء الوجه لكلا الجانبين و بما ينهي المشكل بدون منتصر كبير أو خاسر كبير ، إلا أن الضربة كما يلوح بها الرئيس الأمريكي تبدو كبيرة و قوية و هذا يعني آن هناك أضرارا كبيرة جدا ستقع على النظام السوري و على الواقع الروسي في سوريا و على الإيرانيين و حلفائهم في سوريا فضلا عن المدنيين الذين سيدفعون الفاتورة الأكبر.

كما قلنا ، كثر اللاعبين قد تخرج الأمور عن السيطرة ـ فعلاوة على اللاعبين الكبار أمريكا و روسيا ، هناك لاعبون إقليميون مثل إيران و تركيا و إسرائيل و حزب الله و لكل لاعب مصالح قد تتناقض مع مصالح الآخرين بمن فيهم حلفائه هو ، كما أن المنطقة ملتهبة أصلا و مكتظة بالمشاكل و الحروب و السلاح و التنظيمات و ليس من السهل السيطرة على كل هذا بسهولة ، إن الضربة الأمريكية قد تفضي إلى قيام إسرائيل بكسر قواعد اللعبة و مهاجمة حزب الله اللبناني كي تستثمر حالة الفوضى في التخلص من عدو يؤرق مضجعها على طول مساحة فلسطين التاريخية كلها و سوف يستدعي ذلك ردا قويا و مؤثرا بالتأكيد من حزب الله الذي هو ليس بقوة إسرائيل و لكنه قادر على الرد و إحداث أضرار أكبر مما تتوقعه إسرائيل و هذا سيستدعي ردود فعل إسرائيلية غير عقلانية تدفع بالضرورة إلى تدخل إيراني ضد إسرائيل و السعودية و منطقة الخليج كلها.
من ناحية ثانية إذا تضرر الروس بصورة  و كانت الضربة من القوة بحيث سببت لهم إذلالا على المستوى الدولي فإن ردودا انتقامية ضد القواعد الأمريكية و البريطانية في منطقة الخليج و ربما في أوروبا ستكون ضمن الخيارات المدرجة أمام القيادة الروسية ، و يجب اخذ شخصية بوتين و شخصية  المتناقضتين في الحسبان و فالرئيس الروسي رجل مخابرات مخضرم و يعتمد على الحسابات الدقيقة و المعلومات الموثقة بينما ترامب رجل أعمال مغرم بالإعلام و تويتر و يقوم بعمل استعراضي بحت دون أن يدرك ربما تبعاته و نتائجه على أمريكا و حلفائها في المنطقة و العالم.
ليس منطقيا الاكتفاء بالقول أن العملية برمتها مجرد مسرحية سياسية متفق عليها فالأمر بالتأكيد ليس كذلك ،  و الأمر قد يكون له انعكاسات جيوسياسية و إستراتيجية على المنطقة برمتها ، و ستستمر الفوضى في الإقليم لسنوات طويلة جدا و ستكون نتيجة الصراع بين روسيا و أمريكا تحولا كبيرا جدا في موازين القوى الإقليمية و مستقبل كل من إسرائيل و أنظمة عربية عدة.
الأيام القليلة القادمة حبلى بالمفاجآت و لا أحد مطلقا و لا حتى الرئيس الأمريكي نفسه سيكون قادرا على التنبؤ بما ستؤول إليه الأوضاع التي يقوم هو بصنع أسبابها و مسالكها الوعرة ، و أما عن الموقف الأردني فإن حالة الترقب و الانتظار هي سيدة الموقف و هي سياسة حكيمة في مثل هذا الوضع لأن المر جلل و لا مكان فيه للدول محدودة الإمكانات و القوة العسكرية و الاقتصادية فضلا عن أن الأردن جار لسوريا و من الأفضل أن لا يضع بيضه في سلة احد لأن الزلزال قد يكون كبيرا و الحكمة يجب أن تكون سيدة الموقف في مثل هذه الظروف الملتبسة.
قبل أن أغادر استطيع أن أغامر بالقول للقراء الأعزاء أن الولايات المتحدة الأمريكية و إذا لم تأخذ المؤسسات الأمريكية العاقلة على يد الرئيس سوف تخرج مهيضة الجانب و ربما كسيرة الجناح من هذه المواجهة التي ستفرض قواعد جديدة للعب في الإقليم العربي و منطقة الشرق الأوسط عامة.

أترك تعليق أو مشاركة

من الأرشيف

أترك تعليق أو مشاركة