الدليل المفيد لحساب العمر : “محمد عطية الإبراشي” نموذجًا – بقلم : خالد جودة أحمد

فضاءات عربية ….
بقلم : خالد جودة أحمد ..
يحيا أناس ويموتون لا يشعر بهم أحد، وآخرين يحيون فيتركون منجزًا هائلًا يثري الحياة والأحياء، وفي القصة الرمزية عن العمر الحقيقي الذي يكتب علي شواهد الآخرة، فيكتب عاش الفقيد يومًا واحدًا أو يومين، بحجم انجازه وأثره في الحياة، حتي أن رجلًا قال لو قيس الأمر بالفعال لقالوا عني (مات قبل أن يولد)، والنص الشريف ملخصًا وقويًا في التعبير القرآني بسورة يسن: (إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي الْمَوْتَىٰ وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ ۚ وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُّبِينٍ)، وللأديب د. وليد كساب منشوره العملاق علي موقع التواصل الاجتماعي “الفيسبوك” والذي تحدث عنه في منشور آخر عارضًا سؤاله: هل نحن أمة تعشق الحزن؟: (منذ عامٍ كتبتُ منشورًا عن تجربةٍ عشتُها في هدم قبور العائلة وتجديديها فتخطَّت الإعجابات إلى الآن حاجز الـ 1700 وبلغت المشاركات حتى اللحظة  630)، أما المنشور الأصلي فجاء فيه: (#عبرةٌ_وعظةٌ: تجربة مريرة عشتها اليوم بالمقابر!!، اتفقت العائلة على هدم المقابر القديمة وإعادة بنائها خشية انهيارها، وما إن فُتحت المقابر حتى رأيت ما تشيب له رؤوس الولدان.. كنا عدة أُسر أبناء عمومة.. فمنا من جاء يلتمس عظام أبيه أو أمه، أو ملتمس بقايا أخ له أو زوجه  .. رأيت من يمسك خصلات من شعر أمه ويبكيها، ومن ينظر إلى كفن زوجته وتسيل دموعه حرَّى، تعرَّفت على جمجمة جدي رحمه الله الذي لازمته سنين، وقلت: سبحان الله!! كم حوت هذه الجمجمة من علم؛ ولكن مصيرها هو التراب، وبقي العلم النافع في تلاميذه) إلي آخر المنشور والعظه البليغة في ظلال التجربة: (فتصاغرت في عيني الدنيا، وأحسست بالحماقة والغفلة!، وصدق من قال: ولها يعمل من لا عقل له!)، وكانت الصورة الواقعية الحية والمجسدة علي هذا النحو مبعث تأثير جم، واوقفني وصفه للجد الكريم وبقاء العلم النافع في التلاميذ.
ومن العمالقة الذين تركوا أثرًا هائلًا في الحياة العلمية والثقافية، الشرقاوي الحصيف، والأديب النابه، والتربوي البارع، الباحث والمفكر “محمد عطية الإبراشي”، ولدي تصفح سيرته الخصبه نقف انه عاش 84 سنة (مواليد أول إبريل عام 1897)، جلها فكر وعمل وعطاء، ومنجزه الكتابي يتمثل في أكثر من (51) مصنفًا في الفكر والبحث الثقافي والتاريخي، وعلم النفس والتربية، وتكوين الشخصية الإنسانية، والكتابة القصصية الإبداعية للأطفال، فكتب أكثر من ستين قصة للطفل، وبعضها بطريقة التضمين القصصي (أو القصة الإطار والقصة داخل القصة، التي أسسها التراث العربي في ألف ليلة وكليلة ودمنة)، وهو بهذا أحد أكابر رواد قصة الطفل العربي في العصر الحديث، كما كان سباقًا في كتابة القصة العلمية للطفل العربي، وكتابة تنظيرية خلاقة حول الاتجاهات الحديثة في التربية، وطرق تدريس اللغة العربية، كما كتب كتابًا حول (الطفولة صانعة المستقبل)، وفي حقل علم النفس التربوي، وكان كتابه “الشخصية” هو أول كتابًا أطالعه كاملًا في مكتبة المدرسة الاعدادية والتي أسست منابع ثقافتي، عقب مرحلة قصص الناشئة والمغامرات، وقد أثر الكتاب في وجداني وحفر مكانًا أثيرًا في ذاكرتي الثقافية، حتي اقتنيته ورقيًا من باعة الكتب القديمة 23/2/2011، وآخر رقم طالعته لطبعات الكتاب صدور طبعته التاسعة، ويتحدث فيه عن العمل قائلًا:  (.. أما المثل الأعلي ففي أن نعمل حبًا للعمل، ونؤدي الواجب رغبة في أداء الواجب، ونقوم بالشىء من غير أن ننتظر جزاءً ولا شكورًا)، ويري أن العمل الحقيقي هو الذي يصحبه ميل إليه ورغبة فيه، وليس المكروه إلى النفس، يقول: (… ونحن لا نبغي ذلك العمل الممقوت، بل نبغي عملًا مصحوبًا بلذة ورغبة وسرور، كي ننجح فيه ونجيده، ونجد شوقا إلى العودة إليه، ونظهر فيه فوقا ومهارة. ومن الصعب أن ننبغ في عمل يكون غير محبوب لدينا)، وبهذا الأسلوب السهل مع سرد أمثلة وأقوال وأفعال تدلل في أنحاء الكتاب عن الأفكار من القديم والحديث، كانت سر جاذبية الكتاب عندي، حتي نسخت بقلمي حينها أجزاء كاملة منه، ولم يكن التصوير ميسورًا أو متاحًا لمثلي في هذا العمر، وبأسلوبه الجميل والمواقف العملية والأقوال الملخصة عن الأفكار كان يماثل تلك الكتب الموصوفة والمحببة للقراء سواء في طرق الإبداع أو طرق حياة الحياة، ومثالها الأشهر (دع القلق وأبدأ الحياة)، ودفعني حب مادة الكتاب وطرائفه، هو عشقي للمتفرقات والنوادر، وشغفي الهائل بجمع جواهر الأقوال والمواقف، فكان الكتاب التالي الكامل للمبرد، ونقلت منه صفحات وصفحات، ثم الجزء الخامس من كتاب الأنابيش لمؤلفه عبد الرحمن الضبع والذي قمت بنسخه كاملًا، وظللت ابحث عنه سنوات وسنوات حتي جمعت في مكتبتي سبعة أجزاء منه، إن للكتاب الأول سحرًا وأثرًا في الشخصية قل نظيره.
ونعود لكتاب الشخصية، وحيث أنني لا أطالع المقدمات أبدًا قبل مطالعة المتون، حتي أتفاعل مع المادة المقروءة بذاتي دون أي تأثير، واستبدل من طرق تليين الكتاب للمطالعة بديلًا عن مطالعة المقدمة مطالعة الفهرس، ولننظر لفهرس كتاب الشخصية فنجده موزعًا علي عشرين فصلًا منها تعريف الشخصية، والعناصر الجوهرية للشخصية القوية والجذابة ومنها النشاط العقلي والذكاء، والمشاركة الوجدانية للآخر، وفضائل الشجاعة، والحكمة وسداد الرأي، والتواضع اساس الشخصية المحبوبة، وحسن المظهر والقوام،  وقوة البيان والثقة بالنفس، والمزاج وأثره في الشخصية، وأنواع الشخصية في اكثر من فصل، ومنها فصل الشخصية الفكرية، وبعد ذلك الصفات الكمالية للشخصية، وفصلًا حول الإخلاص روح الشخصية، والحماسة وأثرها، واضطراب الشخصية، أما عدد الفروع في هذه الفصول فكانت (241) فقرة وفقرة، وبعضها مطول بالصفحات، وللكاتب موسوعاته الإسلامية والتي نشرتها مكتبة الأسرة وهي (روح الإسلام)، (عظمة الرسول “عليه الصلاة والسلام”)، (عظمة الإسلام)، في أربع مجلدات ثرية ضمت عدد (1634) صفحة، وليس الأمر بالكم، ولكنه متعلقًا أيضًا بالكيف، حيث متعة القراءة وثراء المعرفة، والنظرة المنصفة الكريمة، والإحاطة والشمول، والبعد التربوي، بحيث أنها بحق ثروة وكنزًا فكريًا غاليًا.
وإذا كان هذا منجزه الفكري والكتابي، نجد وجوده القوي في إطار علم الأوائل، بمنجزات أخرى عملية، منها ريادته في الكتابة والنشر لكتب باللغات السامية (ومنها العبرية والسيريالية) والتي أتقنها تمامًا، وألف عنها كتابًا معنونًا (اللغات السامية)، كما مزج بين الأصالة والمعاصرة فسافر لإنجلترا وحصد دبلومات متعددة في علوم النفس والتربية واللغات المنوعة، كما مارس التدريس في المراحل الإبتدائية، ثم بعد عودته بالمعاهد والجامعات، ويكفي ان نذكر من مريديه د. احمد الحوفي، ود. أحمد شلبي صاحب الموسوعة التاريخية العربية، كما كان عضوًا باللجان العامة وشغل مناصب وظيفية كثيرة بالجامعة ووزارة المعارف العمومية.
هذا هو العلامة “محمد عطية الإبراشي” الذي عاش حياة مضاعفة تحسب في مجال المنجز الثقافي والعملي، بحيوات أخري خصبة مشرقة.

أترك تعليق أو مشاركة

من الأرشيف

جديد صوت العروبة

أترك تعليق أو مشاركة