لعنة البئر – قصة بقلم : سفيان توفيق

القصة …..
بقلم : سفيان توفيق – الاردن ….
لم أقرأ هذه القصة في الماضي ، ولم اقرأها او أرها في الحاضر ، و إنما اطلعت عليها عندما أزلت الغشاوة ومزقت ستائر المستقبل ، عن الحقائق ، حقائق المستقبل، و مستقبل الحقيقة .
لم تكن في الماضي ، وليست كائنة الآن ، ولكن احتمال كينونتها يعتمر في المنطقة الفاصلة بين إمكان الإمكان وإمكان الاستحالة ، بين الجبن والشجاعة ، بين الضعف والقوة ، والقوة عند الحقيقة وفيها ، إلا إن كانت كمثل نهر الحياة الذي يحرسه ضعفاء متسولون عطشى آثروا تحت أوهامهم ورموزهم ومبادئهم السخيفة إلا أن تبقى ظهورهم مسلوخة جلودها تحت سياط الحسك الذي يلقي به النهر عليهم نداء لهم حتى يلتفتوا إليه شاربين ، ولكنهم في كل تمزيقة لجلودهم من حسك النهر يعتقدون أن مصدرها عدو مهدد لهم ، أو انه عبارة عن ضرائب حتمية لهم ، او بالأحرى أيضا ضرائب حتمية نتيجة حبهم لنهرهم ، لا سيما في ظل هذا الجهل والخوف الذي يعيشونه ، ألا فتبا لهم وحريق الدنيا أحق بهم و أفضل لهم .
كان ذلك عندما اتخذت العصي والخناجر وضع السكون المؤقت في مكان حكايتنا المعروف بقرية الصبّارة . والتي سميت بذلك هزءا بها لشحّ الخيرات فيها وقرب انعدامها ، ولكن الأهل آثروا أن يبقوا فيها تحت سطوة الخرافة السائدة عندهم بأن فيها بئرا من الماء قد مر أحد الملائكة ذات زمن من أمامه وشرب منه حتى يباركه ، ووعد أهل القرية أن الخير سينزل عليهم ولو بعد حين منه .
لكن ما حدث هو العكس ، فلم تثمر الارض ولم تمطر السماء ، وانما نزل بهم الشر أكثر فأكثر ، خاصة في ظل العراك الدامي الذي دار بين الأهالي ، أهالي هذه القرية وقرية الجبل التي إعتمرها أناس منذ زمن ليس ببعيد ، أناس وضعوا في صلب أعينهم امتلاك هذا البئر والاستحواذ عليه ، وحاولوا ذلك بشتى الوسائل ، حاولوا سرقة مائه ، لكونه هو البئر الوحيد الموجود .
استمرت المعارك عشرات السنين ، مات فيها المئات من الرجال والنساء والأطفال ، كل ذلك وهم في صراع مرير مع أهل الجبل مدافعين عن بئرهم هذا ، إلى ان جاء يوم تم فيه إعلان الهدنة بين الطرفين ، و أعلن المندوبان عن الجانبان أن زمن استعمال الأسلحة وزمن القتل والشر قد مضى إلى غير عودة ، ونحن الآن يجب علينا أن ندخل في مرحلة جديدة ، وهكذا سارت الأمور ، او بالأحرى هكذا أعلن شيخ القرية في الاجتماع الذي ضمّ الجميع .
كل ذلك جرى ، وظروف الفقر والتشرد والمرض والفحش والفتن كانت قد اعتمرت القرية ، و أوثقت أوتادها فيها ، والجميع بين مريض و متحسر ،  أو ذام و متثاقل ، او متباطئ ومتخاذل ، ولم يعد هناك ما يبعث الأمل في هذه القرية ، او ما يبعث الأمل على البقاء فيها ، سوى الأمل بعودة الصراع الذي يحكم عالم الحيوان بأكمله . ولم ولا ولن يتسرب من السماء التي تعلو رؤوسهم سوى روائح كريهة شكلت كأمواج فوق الطبقة التي ينتمون لها ، والتي إن ارادوا هم ارتدت ضربات موجعة في وجه قاذفيها .
آنذاك ، بعدما يقارب 17 سنة من هذه المهزلة ، مهزلة الهدن السخيفة و المسيرة للتاريخ للبشري بأكمله كمخدر جيد نسبيا لوحشية الإنسان في حالة تعبه أو ضعفه ريثما يستعيد قوته لينطلق تجاه صراعه مرة أخرى او يدور عقارب ساعته تجاه صراع جديد . بعد ذلك ،  ظهر لدى القرية جيل أكثر وعيا بقليل ممن سبقه ، آخر جيل ظهر أو زامن حكايتنا وفي نفس الوقت هو من سوف ينهيها ، ومفخرة هذا الجيل هو الشاب الخالد خالد .
خالد هو ابن أستاذ المدرسة القديم ، ليست مدرسة أكثر من كونها مكانا ضيقا هو جزء من بيت الأستاذ ، مكانا يجلس فيه الطلاب متخذين وضعيات كثيرة مختلفة تناسب مزاجهم في جلستهم على الأرض ، والأستاذ من أمامهم يعلمهم القراءة و الكتابة  ، ويجود عليهم من أشعاره التي يحفظها والتي يكتبها هو أيضا في كثير من الأحيان ، ولكن هذا الأستاذ الحكيم قد اختفى هو وحكمته هذه ذات مساء ، حين كان يعلم الناس ويلقنهم مبادئ و أفكار يرمي بها في أذهانهم ، -ولكن ذلك ، كما هي العادة التي تحكم – ، ساء ذلك الأمر شيخ القرية الذي كان بمثابة زعيم لها ، منها أنه نزع صفة القداسة عنه وعن البئر ، و أوضح انه حتى إن كانت للبئر قداسة كما يزعمون فهو لم يقدم لنا ولا لآبائنا او أجدادنا أي خير يذكر ، بل على العكس من ذلك ، الشرور ترافقنا والجهل والمرض والتخلف والفقر الشديد هو حالنا الآن ، فما نفع تلكم القداسة إذن .
كل ذلك ، وشيخنا أيضا يحتسي خمرته مع زعيم قرية الجبل ، وهم يسرقون ماء وخيرات القرية الأخرى ، الصغيرة ، ذلك حين حفروا في البئر ثقبا من الأسفل  يذهب بمائهم إلى آبارهم هم .
ساءت الأمور أكثر فأكثر ، وخاصة حين علم الشيخ بهذا الأمر ، فأرسل زبانيته وقاموا بضرب الأستاذ الحكيم ، وتدمير مدرسته ، ثم كان السجن مستودعا له ولحكمته و نصائحه . وهو إلى الآن لا يعلم أحد أين هو ، مع العلم ان هناك خبرا تسرب إلى القرية  من احد الجنود الذي هو من هذه القرية يفيد بأن الشيخ قد أمر بإعدام الأستاذ ، وهو ما حصل .
لم ينسى خالد أباه ، وكيف ينساه وما كان أبوه يتحدث عنه وينادي به باد للعيان وفي ازدياد أكثر فأكثر ، تولد الألم من الألم ، وما يسمى بالخير قد أغلق أبوابه ونفدت مظاهره . لكن ما زاد الطين بلّة هذه المرة أمام الشيخ هو أن خالد شاب محبوب جدا من قبل أهالي القرية ، إضافة إلى شجاعته وحكمته . لم يرى خالد ما يمنعه من أن يكمل مسيرة أبيه ، فخاض في الصراع الكلامي مع أهل قريته ، وحرضّهم على الشيخ وسار معه رجال ونساء كثيرون ، واستمعوا له و أيّدوه وناصروه ، ولكن التنكيل والتعذيب لم يكن لينتهي من قبل شيخهم الذي ما فتئ  أن سمع بهذه الأخبار حتى باشر جنوده بإلقاء سياطهم على ظهور الناس .
كل ذلك كان ، حين كانت القرية تعّم بالفساد الكبير ، حين كان التفاوت الطبقي صارخا بين الناس ، حيث  تجد الشيخ وعائلته وحاشيته و أصدقائه يعيشون في ترف لن تسمع به إلاّ في الجنة ، بينما يعيش أغلب أهل القرية في أسوأ الظروف ، حتى انك لتجد بطونهم منتفخة من قلة الطعام ، وتجد أثداء النساء مرمية في أفواه أبنائهنّ كبالون مفرغ من الهواء يستنجد الطفل به كمن يستنجد بإلهه على أمل أن يمطر له شيئا يساعده لأن يحيا دقيقة واحدة أخرى كجزء من صراعه الأزلي. وهم في ذلك يعيشون في سبات مؤلم فرضته عليهم حالتهم المزرية . الأرض مقفرة والسماء مدبرة ، والعيون مستنفرة ، لا محصول ولا ماء ولا ودواء ولا تعليم ، ما أسخفني ، أتحدث عن التعليم والناس جياع . أتذكر أني قرأت مرة عن مثل يوناني يقول ،: أعطني خبزا أعطيك فنا . المهم ، لا ماء ولا دواء ، حتى الهواء بات يخلو من نسمة باردة تلطف وجوههم وتروح عن أنفسهم ، والمرض أصبح يعم ، طبعا ولا يصيب إلاّ الفقراء على عادته في الإنتقاء ، وقطط القرية وكلابها أصبحت هي الصوت الأخير لهذه القرية ، زاد الفسق والجور وما يسمى ب”الأفعال غير الأخلاقية ” ، ثكلت نساء وترملت أخر ، وجفّت الأعين وجفّ كل شيء سوى كأس الزعيم الشيخ وحاشيته ومن قاربه ووالاه .
علم زعيم قرية الجبل بالحال الذي وصلت إليه حالة أهل قرية الصبّارة . وكان قد مضى على الهدنة ما يقارب ال33عام ، وفي ذلك الوقت أيضا كان خالد قد خرج من سجنه ، وهو الآن يسوح في الشوارع مراقبا متألما لحال أهل قريته .
استغل زعيم قرية الجبل الظروف السابقة ، و أعلن الحرب على قرية الصبّارة . ودقّت الطبول وزمجرت الحناجر تنادي بالحرب ، آنذاك توجه زعيم قرية الصبّارة لمحاولة حشد جنوده و أهل قريته من أجل مواجهة قرية الجبل .
آنذاك توجه خالد إلى أهالي قريته قائلا محذرا : لا تحاربوا ولا تقتلوا ولا تقاتلوا ، إنما فرّوا بجلودكم لأي نبع آخر يحفظكم ويحميكم ، لا حياة لنا هنا ، ومن لم يعطنا الحياة لا يستحق أن نعطيه إياها ، فلنخرج جميعا ولنترك . ولنترك ذلك .
آنذاك ، توجهت قوافل الحنطة والخضار و الفواكه الصادرة من الشيخ كعطايا إلى أهل قريته ، وباتوا يوزعونها على الناس ، ومع كل سلة خضار وفواكه وحنطة كانت تقدم إلى أهل الدار ، كان يقدم معها أسلحة بعدد الأفراد الموجودين في الدار ، رأى خالد ذلك ، ثم سار من فمه المثل القائل : “العليقة عند الغارة ما بتنفع” . حتى أصبح الجميع يقولون ذلك .
حلّ الليل ، والجميع غدا شبعانا  مطمئنا على نوم أولاده ولأول مرة في حالة شبع شبه كامل ، لكن كلما نظر أحدهم إلى أرجاء غرفته دبّ الرعب في أوصاله من رؤية منظر السيوف والخناجر التي تم توزيعها عليهم . آنذاك ، كان خالد ومعه رفقة كثيرة من أصحابه يمرّون على أهل القرية الواحد تلو الآخر ، وهم في نصح لهم و إخبار أن الأمر تم الإجماع عليه حول الرحيل من هذه القرية الساعة الثالثة فجرا ، عندما يكون شيخ القرية قد رقد الى نومه هو وجنوده وحاشيته .
حان الموعد المضروب والمتفق عليه ، وحمل كل فرد من أهالي القرية حاجاته الضرورية وسار مع الجميع مغادرا ، وعندما وصلوا إلى منتصف الطريق و أبعد من ذلك قليلا ، سمعوا أصوات دق الطبول وعلموا ان جنود قرية الجبل قد أغاروا على قريتهم ودمروها و أخذوها وقتلوا زعيمها … حينذاك قال خالد الذي كان يقودهم : فلنمض إلى الأمام ، لا وراء لنا ، البئر ولعناته ، فلتذهب القيود إلى الجحيم .

أترك تعليق أو مشاركة

من الأرشيف

جديد صوت العروبة

أترك تعليق أو مشاركة