هل «اختلَّ في وزن القريض عَبيدُ»؟ (ربما دفاعًا عن الشِّعر: 2-2) بقلم : أ.د عبد الله الفيفي

ابداعات عربية …
بقلم: أ.د/ عبدالله بن أحمد الفَـيْـفي – كاتب واديب وشاعر من السعودية ..
نشر المستشرق الإنجليزي (شارلز جيمس ليال Charles James Lyall، -1920) ديوان الشاعر الجاهلي (عَبيد بن الأبرص، -554م) نشرةً جيِّدة، محقَّقةً مخرَّجةً مشروحة، (1913، 1980)، ثمَّ أعاد نشره (أشرف عردة، 1994) نشرة تجاريَّةً، على عواهنها، حافلة بروايات معلقة ابن الأبرص الملتبسة، المليئة بالأغلاط، بلا تحقيق، ولا تعليق، ولا مقارنة، ولا إيضاح.  وقد ذكرنا في مقالنا السابق أن ما قيل في قصيدة ابن الأبرص من عيوبٍ وزنيَّة هو على أربعة أضرب:
1- زحافات جائزة، حسب أحكام العَروضيِّين أنفسهم. وإنْ ألزموا بها أحيانًا، كما في (مخلَّع البحر البسيط).
2- استعمالاتٌ قد تكون على لغاتٍ عربيَّةٍ مهملةٍ في كتب اللغويِّين، أو مجهولة.
3- تصحيفاتٌ، أو أغلاطٌ لفظيَّة، تبدو من قِبَل الرُّواة أو المدوِّنين.
4- ربما اصطُنِع بعض ذلك اصطناعًا. ونحن نعلم عمل بعض النحاة في صناعة الشواهد الشِّعريَّة كي يحتجُّوا بها على قواعدهم، أو على ما شذَّ عن قواعدهم، وما العروضيُّون منهم ببعيد.
وفي هذا المقال نعرض صِيَغًا مقترحة للأبيات المضطربة، لتستقيم من مجزوء البسيط المقطوع أو المخلَّع.  وسنورد رواية البيت المشوَّهة، تليها الصياغة السليمة عَروضيًّا، ولعلَّ البيت كان في الأصل على مثالها أو قريبًا منها:
4- وبُـدِّلَتْ مِنْ أَهـلِهـا [وُحـوشًا] ** وغَـيَّرَتْ حـالَهـا الخُطوبُ
4- وبُـدِّلَتْ مِنْ أَهـلِهـا وَحْـشًا… [وفي نشرة ليال: أن بدلت أهلها وحشًا]
6- إمَّا قَـتـيـلًا وإِمَّـا [هالكـًا] ** والشَّيـبُ شَيْـنٌ لِمَـنْ يَشِيـبُ
6- إمَّا قَـتـيـلًا وإِمَّـا هَلَكـًا…
8- واهيةٌ أو مَعِيْنٌ [مُمْعِنٌ] ** مِنْ هَضْبَةٍ دُوْنَها لَهُوْبُ
8- واهيةٌ أو مَعِيْنٌ مَعْنٌ…
12- إِنْ يَكُ حُوِّلَ منها [أَهلُها] ** فَـلا بَـديءٌ ولا عَـجيبُ
12- إِنْ يَكُ حُوِّلَ منها أَهْلٌ…
13- أَو يَـكُ أَقـفَرَ مِنها [جَوُّها] ** وعادَها المَحْلُ والجُدُوْبُ
13- أَو يَـكُ أَقـفَرَ مِنها جَوٌّ…
14- فَـكُـلُّ ذي نِـعـمَـةٍ [مَـخلوسُها] ** وكُــلُّ ذي أَمَــلٍ مَــكـذوبُ
14- فَـكُـلُّ ذي نِـعـمَـةٍ مَخلوسٌ…
15- وكُــلُّ ذي إِبِــلٍ [مَــوْرُوْثُها] ** وكُــلُّ ذي سَــلَبٍ مَــسـلوبُ
15- وكُــلُّ ذي إِبِــلٍ مَــوْرُوْثٌ…
18- أَفلِح بِما شِئتَ [فَقَد] يُبلَغُ بِالـ ** ــضَّـعـفِ وقَـد يُـخدَعُ الأَريبُ
18- أفلِحْ بما شئتَ؛ يُبْلَغْ بالضَّعف…
19- لا يَعِـظُ النَّـاسُ مَـنْ لم [يَعِـظِ] ** الـدَّهْـرُ ولا يَنـفَـعُ التَّلبيـبُ
19- لاَ يَعِـظُ النَّـاسُ مَـنْ لم يَعْـظِ… [وربما كان: «لاَ يَعِـظُ النَّـاسُ مَـنْ لم يُعْطِ الـدَّهْـرُ…»، أي لم يُعْطِه الدهرُ بتجاربه حكمةً]
20- لا يَنفعُ اللُّبُّ عَنْ [تَعَلُّمٍ] ** إِلَّا السَّــجِــيَّــاتُ والقُــلوبُ
20- لا يَنفعُ اللُّبُّ عَنْ تَعليمٍ…
21- فقدْ يَعودُ حَبيبًا [شانِئٌ] ** ويَرْجِعَنْ شانئًا حَبيبُ
21- فقدْ يَعودُ حَبيبًا شانٍ… [أو: فقدْ يَعودُ الحبيبَ الشَّاني]
22- ســاعِـدْ بِـأَرضٍ إِذا [كُـنْـتَ بِـهـا] ** وَلا تَــقُــل إِنَّنـي غَـريـبُ
22- ســاعِـدْ بِـأَرضٍ إذا تأتيها… [وربما: ســاعِـدْ بِـأَرضٍ سَكَنْتَ فيها]
23- قَدْ يُوْصَلُ النَّازِحُ النَّائِيْ [وقَدْ] ** يُقْطَعُ ذو السُّهْمَةِ القَريبُ
23- قَدْ يُوْصَلُ النَّازِحُ النَّائِيْ. قَدْ…
28- بلْ إنْ تَكُنْ قدْ عَلَتْنِيْ [كَبْرَةٌ] ** والشَّيـبُ شَيْـنٌ لِمَـنْ يَشِيـبُ
28- بلْ إنْ يَكُنْ قدْ عَلاني شَيْبٌ… [أو: عَلاني شَيبي]
وفي رواية «علتْنِي ذُرْأَةٌ».  وهنا تكرار الشطر الأخير للبيت السادس.  ما يؤكِّد عبث الرواة العجيب بهذه القصيدة.
29- فرُبَّ مــــاءٍ وَرَدتُ [آجِـــنٍ] ** سَــبِــيـلُهُ خـائِفٌ جَـديـبُ
29- فرُبَّ مــــاءٍ وَرَدْتُ أَجْـنٍ…
30- رِيْــشُ الحَــمـامِ عـلى [أَرجـائِهِ] ** لِلقَـلبِ مِـنْ خَـوفِـهِ وَجـيـبُ
30- رِيْــشُ الحَــمـامِ عـلى أرجاهُ… [أو: على أرجاءٍ، أو: على أرجائي]
32- عَــيــرانَـةٌ مُـؤْجَـدٌ [فِـقـارُهـا] ** كَــأَنَّ حــارِكَــهــا كَـثـيـبُ
32- عَــيــرانَـةٌ مُـؤْجَـدٌ فِقارًا…
33- أَخْــلَفَ مــا بــازِلًا [سَـديـسُـهـا] ** لا حِـقَّةٌ هِـيْ ولا نَـيُوْبُ
33- أَخْــلَفَ مــا بــازِلًا سَديسٌ…
35- أَو شَـبَـبٌ [يَـحْتَـفِـرُ] الرُّخامَى ** تَــلُفُّهُ شَــمْــأَلٌ هَــبُـوْبُ
35- أو شَـبَـبٌ يَـحْفِـرُ الرُّخامَى…
38- زَيْـتِـيَّةٌ نـاعِـمٌ [عُـروقُـها] ** ولَيِّنٌ أَسْــرُهــا رَطــيـبُ
38- زَيْـتِـيَّةٌ نـاعِـمٌ عُروقًا…
40- بــاتَــتْ عـلى إِرَمٍ [رابئةً] ** كَــأَنَّهــا شَــيْـخَـةٌ رَقُـوْبُ
40- بــاتَــتْ عـلى إِرَمٍ رَبيئًا… [وفي رواية: عَذُوْبًا].
41- فأَصــبَــحَـتْ فـي غَـداةِ [قِـرَّةٍ] ** يَـسْـقُطُ عَنْ رِيشِها الضَّرِيْبُ
41- فأَصــبَــحَـتْ فـي غَـداةِ قَـرٍّ…
42- فـأَبـصَـرَتْ ثَـعْـلَبًا [مِن ساعَةٍ] ** ودُوْنَــهُ سَــبْـسَـبٌ جَـديـبُ
42- فـأَبـصَـرَتْ ثَـعْـلَبًا مُنسابًا…
43- فَـنَـفَـضَـت ريـشَـهـا [وانـتَفَضَتْ] ** وَهـْـيَ مِــنْ نَـهْـضَـةٍ قَـريـبُ
43- فَـنَـفَّضَـت ريـشَـهـا تنفيضًا…
44- فَاشْتَالَ وارتاعَ مِنْ [حَسيسِها] ** وفِـعْـلُهُ يَـفْـعَـلُ المَـذْؤُوْبُ
44- فَاشْتَالَ وارتاعَ مِنْ حَسيسٍ…
45- فــنَــهَــضَــتْ نَـحْـوَهُ [حَـثِـيْـثَـةً] ** وحَــرَدَتْ حَــرْدَةً تَــســيــبُ
45- فــنَــهَــضَــتْ نَـحْـوَهُ حَثِـيْثًا…
48- فَـــرَنَّحَتْـــهُ [ووَضَعَــتْهُ] ** فَـكَـدَّحَـتْ وَجْـهَـهُ الجَـبُـوْبُ
48- فَـــرَنَّحَتْـــهُ وأَوْضَعَـتْهُ…
50- يَـضْـغُـوْ ومِـخـلَـبُـهـا فـي [دَفِّهِ] ** لا بُـدَّ حَـيْـزُوْمُـهُ مَـنْـقُوْبُ
50- يَـضْـغُـوْ ومِـخـلَـبُـهـا فـي دَفٍّ…
ويتبيَّن أن مشكلات الوزن في هذه القصيدة إنما تقع في الأشطر الأُوَلى، وفي تفعيلة العَروض بخاصَّة، وهي آخر تفعيلة من الشطر الأوَّل، وكثيرًا ما لا تعدو إقحام حرفٍ أو حرفين.  وبهذا يتضح أن الشاعر لم يختلَّ في الوزن، بل من اختلَّ هم رواة شِعره، الذين عبثت بمعلَّقته ألسنتهم وأقلامهم.  ومن جهةٍ أخرى، جاء ما فرضه العَروضيُّون في هذا الوزن من أن يلتزم الشاعر- ضربةَ لازبٍ- باستعمال زحاف الخبن مع عِلَّة القطع، ضِغثًا على إبَّالة في تشويه النصِّ وصاحبه.  وما يُعقل أن شاعرًا كعَبيد بن الأبرص كان عاجزًا عن تلافي تلك الهنات الهينات في وزنه، وإلَّا لما استحقَّ أن يُعَدَّ من شعراء العرب المجيدين، فضلًا عن أن يُعَدَّ من شعراء العرب الكبار، أصحاب المعلَّقات.(1)
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1)  تختلف الروايات في عدد الأبيات وترتيب بعضها.
أ.د/ عبدالله بن أحمد الفَيْفي

 

أترك تعليق أو مشاركة

من الأرشيف

جديد صوت العروبة

أترك تعليق أو مشاركة