البرادعي لا يفيد ولا يخلو من السياسة – بقلم : د . احمد الخميسي

أراء حرة ….
بقلم: د. أحمد الخميسي – مصر …
يتساءل البرادعي في واحدة من تغريداته الأخيرة : ” في ضوء ما يحدث من تهويد مستمر للقدس أليس من المنطقى بل من الواجب أن يقوم العرب والمسلمون بزيارة القدس بأكبر أعداد ممكنة لتأكيد هويتها العربية ومكانتها الإسلامية والتضامن مع أهلها ولنظهر للعالم بأسلوب عملى ماذا تعنى بالنسبة لنا؟ هل من الممكن ولو مرة أن نفكر خارج الصندوق؟”. إذن حسبما يرى البرادعي فإن العالم لن يعرف قيمة القدس بالنسبة لنا إلا إذا قمنا بزيارتها؟! والزيارة إذن تعبير عن التضامن لدي البرادعي، المدير السابق لوكالة الطاقة الذرية الذي جرى غزو العراق وهو يعلم بحكم منصبه أنه ليس بالعراق أسلحة دمار ولم يفتح فمه بكلمة. هو ذاته البرادعي الذي لم يجد حلا لتطور مصر إلا بالمصالحة مع الإخوان، أعتى فصيل سياسي يعادى التقدم. البرادعي الذي لا يكف عن الظهور ولا يكف عن التراجع، يطل ليختفي ويختفي ليطل، ويخوض المعارك من بعيد لينسحب منها، وباختصار فإنه لا يفيد لكنه لا يخلو من السياسة. لا يرى البرادعي – مثل كافة دعاة التطبيع الكبار- وسيلة للتضامن مع فلسطين سوى بزيارتها! وكأن فلسطين خالتنا أو عمتنا المتوعكة التي تحتاج إلي زيارة وكلمة عطف، وليس أنها قضية تحرر شعب من احتلال استيطاني وسطوة قاعدة عسكرية للاستعمار غرزت في المنطقة. يتساءل البرادعي: ” هل من الممكن أن نفكر ولو مرة من خارج الصندوق؟” متصورا أن دعوته للتطبيع هي تفكير من خارج الصندوق  مع أنها  دعوة من قعر الصندوق سبقه إليها رواد التطبيع على سالم وجورج البهجوري وسعد الدين إبراهيم وغيرهم، فهل أن القدس وفلسطين بحاجة للتضامن العاطفي الذي لا يغني ولا يسمن من جوع؟ إنه تضامن يرسخ الاعتراف بالقاعدة العسكرية الاسرائيلية عبر التعامل مع مؤسساتها والحصول على تأشيراتها. لا يقدم لنا البرادعي إلا فتات الطعام الفاسد من قعر الصندوق وليس من خارجه. إن ما تحتاجه قضية تحرر شعب من الاستعمار ليس الزيارات، بل حصار الاحتلال ومؤسساته ومقاطعتها وتنوير المجتمع الدولي بحقيقة الكيان الصهيوني وبذل الدعم المالي والعسكري والأدبي للشعب الفلسطيني. هذا هو ” التضامن” الذي سيؤكد هوية القدس، أما الزيارات فتؤكد هوية الاحتلال. يتطوع البرادعي بطرح اقتراحه ذلك في الوقت الذي تخرج فيه علينا “جيرترود سنجا ” مديرة المسرح القومي النرويجي بشريط مرئي عنوانه ” اعتذار”، تقول فيه:” إنه ليوم عظيم ذلك اليوم الذي اعتذرنا فيه علنا عن عار التعاون مع المسرح الإسرائيلي المسمى” هابيما”! إننا لم نكن نعرف حين وافقنا على التعاون قبل عامين بالدور الضخم الذي تقوم به فرقة “هابيما” المسرحية الاسرائيلية ولا المؤسسات الفنية في تشريع الاحتلال الاسرائيلي.. لم نكن نعرف أن الفن أداة مهمة تروج بها اسرائيل صورتها كدولة إنسانية، وليس دولة فصل عنصري كما هي على أرض الواقع. لم نكن نعلم ذلك لأننا لم نبحث ولا مرة واحدة.. لم نعرف لأننا في الحقيقة لم نكلف أنفسنا عناء المعرفة! كيف كنا عميانا إلي هذه الدرجة؟! ففي الوقت الذي كنا نتعاون فيه مع المسارح الاسرائيلية كانت إسرائيل تشن حربها على غزة.. وحينما قتل خمسمائة طفل فلسطيني كانت فرقة ” هابيما” ترفه عن الجنود الاسرائليين.. ويصور البعض الأمر كما لو أنه صراع يدور بين أطراف متساوية، كل ما يلزمه حوار لكي تزول الكراهية !! إلا أنه صراع استعماري قائم على التطهير العرقي والعنصرية والاحتلال والفصل العنصري. بالتأكيد لم نكن نعلم. نحن آسفون جدا لهذا ونشعر بالخيبة العميقة”. وقررت فرقة المسرح القومي النرويجي التبرع بخمسين بالمئة من رواتبها لصالح المسرح الفلسطيني! تقول مديرة المسرح القومي النرويجي إن قضية الشعب الفلسطيني ليست قضية كراهية أو حواجز نفسية، لكنها قضية صراع بين شعب واستعمار. أما البرادعي فإنه مشغول بموضوع آخر، بتسهيل التطبيع وتسهيل القبول بوجود قاعدة عسكرية لا يملك سواها سلاحا نوويا في المنطقة،  قاعدة تدعي أنها دولة لكنها لا تعلن عن حدودها كدولة إلي الآن، ولا تني تردد ” من الفرات إلي النيل”. لقد لاقى مصطلح  التطبيع منذ بروزه في سياق عملية كامب ديفيد 1979مقاومة شعبية وتصدت له مواثيق النقابات، وأقلام الكتاب، وليست الزيارات التي يدعو إليها البرادعي بوابة التطبيع الوحيدة أو الأخيرة، فالتطبيع أيضا هو كل ما يشوه جوهر القضية الفلسطينية وينقلها من خانة تحرر شعب إلي خانة اللاجئين، وينقل إسرائيل من خانة ” قاعدة عسكرية للاحتلال” إلي دولة فصل عنصري، وهو كل ما يروج لفكرة السلام بينما تشن إسرائيل حروبها دون توقف، وهو كل ما يحرف اتجاه الصراع إلي صراع ناجم عن عدم فهم ” الآخر”، أو صراع حضاري. لكن ذهن البرادعي لم يتفتق إلا عن حكاية الزيارات، وهي حكاية قديمة قوي، وبهذا يثبت البرادعي مجددا أنه لا يفيد ولكن لا يخلو من السياسة.
د. أحمد الخميسي. كاتب وقاص مصري

أترك تعليق أو مشاركة

من الأرشيف

جديد صوت العروبة

أترك تعليق أو مشاركة