الأثر المفتوح- قراءة في ثلاثية فريد غانم – بقلم د. رياض كامل

اصدارات ونقد ….
بقلم : د . رياض كامل …
مقدمة
تحاول هذه المقالة دراسة خصوصيات ثلاثية فريد غانم “أبواب حلب”، “قمر ملون” و”شجر الملح” الصادرة سنة 2017 واستجلاء أهم مميزاتها. فهي نصوص غنية مشبعة بالتناص، وتتكئ على رصيد فكري ومعلوماتي شاسع عربي وغربي، قديم وحديث. تمزج بين الأجناس الأدبية وتتعدى المألوف منها ما يجعلها نصوصا مفتوحة غنية وقابلة للحوار. كما أنها لا تعتمد على اللغة التقليدية ولا على المحسنات اللفظية والمعنوية التقليدية بقدر اتكائها على خلق صور مستحدثة مستفزة ومحفزة في آن معا.
رغم صعوبة النص ووعورة الخوض في متاهاته فإن القارئ الصبور المتأني يكتفي بما تبثه نصوص غانم من مشاعر وأحاسيس، وكأننا نكتفي برائحة الوردة دون أن نمسها. كتابات تنأى بنفسها عن الخطابية وتستبدلها بالتحريض الفكري الذي يصيب الهدف برويّة. وهي مغرقة في الخيال والفانتازيا واللاتجنيس حد البتر المطلق مع ما اعتدنا عليه من إنتاج أدبي.
التجريب والتكنولوجيا
أرى أننا بحاجة ماسة إلى إعادة النظر في مفهومي الواقعية والخيال، فما كنا نراه خيالا وفانتازيا بات اليوم أقرب إلى الواقع قياسا إلى ما يجري في العالم من تحولات وتغيرات تكنولوجية كان لا بد لها أن تنعكس على شتى أنواع الفنون؛ الرواية، القصة، الشعر، المسرح، الرسم، الموسيقى والنحت. وعليه فإني أرى أن ما يسمى اليوم الفن التجريبي والكتابة التجريبية هي الواقع بذاته، أو هي محاكاة الواقع، ما يعيدنا إلى نظرية “المحاكاة” التي طرحها أرسطو في حينه لنعيد النظر فيها من جديد لصياغة نظرية “محاكاة” تلائم “واقع” اليوم.
باتت الحدود بين الأجناس الأدبية مخترقة، إذ تداخلت ببعضها وبدأنا نرى بعض الأدباء الذين يكتبون نصوصهم دون التقيد بجنس أدبي (جانر) معين، ودون الالتزام بحدود جغرافية تضمن لها موقعا داخل جنس أدبي مألوف، إذ اتسع باب التجريب على مصراعيه وأكثر. وإني لأرى أن ذلك يستوجب إعادة النظر في اللغة واللسان والكلام، كما حددها المنظرون منذ دي سوسير ومن جاء بعده. تأتي هذه الخطوة وقد بات مألوفا تداخل الأنواع الأدبية وتبادلها بعضَ عناصرها الرئيسية وتقنياتِها المعهودة، لكننا هنا إزاء نصوص تتعدى عملية تلاقح الأجناس وتبادلها التقنيات الخاصة بكل جنس أدبي.
اختط الأديب فريد غانم في كتاباته أسلوبا يحمل بصمته وهويته الإبداعية وكتب نصوصا يدعوها “سرديات تعبيرية”، و”سرديات قصصية” و”سرديات وتقليليات”. وكي لا ندخل في متاهات التفسيرات لمثل هذه المصطلحات فقد آثرنا معالجة هذا الإبداع معالجةً داخلية تنبع من النص ذاته.
تساؤلات هامة؛ لمن؟ لماذا وكيف؟
هذا النوع من الكتابة يعيد الأسئلة التقليدية التي يجب طرحها كلما قرأنا كتابا أدبيا: لمن يكتب الأديب؟ ولماذا يكتب؟ وما السبيل الذي اختطه لنفسه ليعبر عما يراوده من أفكار؟ هي أسئلة ما زالت تطرح كلما تعمدنا الخوض في منتوج أدبي، فضلا عن أسئلة كثيرة قد يطرحها القارئ قبل وأثناء وبعد ولوج عالم أي كتاب أدبي.
كنت قد اطلعت سابقا على مقال يحوي مجموعة من الردود التي أدلى بها كتاب وأدباء لهم باعهم في التجربة الإبداعية، وقد وجدت أن ردودهم لم تتباين كثيرا، بل رأيت أن هناك إجماعا على الدافع الداخلي للمبدع كي يعبر عن ذاته، من ناحية، وكي يخلق بابا للحوار مع المتلقي، من ناحية أخرى. فالذات لا تتحقق، كما نعلم إلا من خلال خلق علاقة مع الآخر. فهل يبحث فريد غانم عن القارئ العادي للتواصل معه؟ أم يبحث عن القارئ السوبر؟ فأي نص يكتب فريد غانم وأي جانر أدبي يقتحم؟
نعلن بداية أننا حين نتحدث عن إبداع فريد غانم فإننا لا نتحدث عن النص الصعب والنص السهل، بل إننا نتحدث عن نص صعب، نص أصعب والنص الأصعب. فقد اختار لنفسه أسلوبا خاصا لا يقلد فيه أحدا، ولم يذهب باتجاه الأنواع الأدبية السائدة التي قد تُجنِّد حولها قراء من مختلف المستويات. بل آثر الكتابة التجريدية التي ترهق القارئ، فعمد إلى لغة مغايرة تتفتّق عن معان لا تسعفنا معاجم اللغة في فهم مضامينها، مؤمنا بقدرة اللغة على الانعتاق والتحرر والتحليق، وكأني به يقول لا تبحث عن المعاني المباشرة ولا المعاني المعلّبة، فلا شأن لي بالصور المألوفة والتعابير التي أرهقها الزمن: “فقد آن أن تقفز من فوق أسيجة الكلام وأن تكتب صمتك على هدير محارة”. (شجر الملح، ص89)
آثر أن يكتب نصا مفتوحا بكرا لم يُطرق من قبل. فهو، برأيي، يرى أن الطبيعة في شكلها المجرد لم تكن أصلا لكي ننظر إليها نظرة عابرة، فما تلمسه ليس الحقيقة كاملة، وما تراه هو ليس مجرد شكل. إن كتاباته تعكس ما تراه بصيرته لا ما يراه بصره، إنها أثر مفتوح للخيال أشبه بمشهد الطبيعة في شكلها المجرد. فالصورة الحقيقية للكون ناتجة عما تفعله عوامل الطبيعة في صورة الكون بشكل عفوي. فمنظر الجبال كما رسمتها المياه وكما نحتها الهواء لهو الحقيقة في شكلها المفتوح، تماما كما النجوم في السماء، كل منا يرسم منها شكلا مختلفا عما يرسمه الآخر. أما الشوارع والبيوت والحقول والقصور والحدائق فهي من صنع الإنسان وقد رسمها بصور معلبة. هناك شكل معهود وعلينا اختراقه والتحرر منه لأن الحرية تنبع من عدم التقيد بما هو سائد.
يرفض فريد غانم أن ننظر إلى الطبيعة والبشر والحجر والشجر والتراب والماء والهواء على أنها تحمل شكلا وتلبس ثوبا جامدا لا يتبدل. كل ما في الكون يحكي، وكل ما في السماء يتحدث، كل الموجودات لها أصوات ومشاعر وأحاسيس، كلها تتبادل الرسائل وتدير فيما بينها حوارات لا تتوقف. الكون متحرك وكل
ما فيه عاقل. لقد أنسن الكاتب كل مكونات الكون وخلق بينها حوارا. أما أنت أيها القارئ فلك أن تقبل وأن ترفض فهذا شأنك.
ما بين الرؤية والرؤيا
يجب أن نتفق بداية أن أي عمل أدبي هو عمل خيالي مهما كانت نسبة الواقعية فيه، ومهما كان قريبا منها، فالأدب، كما نعلم ليس صورة فوتوغرافية، وليس صورة طبق الأصل عن الواقع، حتى وإن متح منه. فالأديب المبدع يخرج من ذاته أثناء عملية الكتابة ليتقمص شخصية أخرى هي شخصية الكاتب أثناء الكتابة، لا شخصية الكاتب في وضعه التقليدي. فمنهم من يحلّق قريبا، ومنهم من يحلّق بعيدا، ومنهم من يحلق بعيدا جدا. لكن الكاتب إنسان يعيش على هذه الكرة الأرضية له عينان وأذنان وحواس خمسة يدرك العالم من حوله من خلالها. وفي العالم تجتمع المتناقضات؛ الحب والكراهية، الجمال والقبح، الذكاء والغباء، الحرب والسلم، وأمور أخرى يراها المرء ويتأثر بها وينمو بفضلها ذوقه وحسه ورؤيته ورؤياه. لذلك مهما ابتعد الكاتب عن واقعه، ومهما أغرب فإنه يفعل ذلك، بوعي أو دون وعي، متأثرا بالواقع الخاص والعام. هذه المتناقضات كلها تعيش في كلمات فريد غانم وفي نصوصه. هي الإيرونيا وسخرية الواقع من الواقع، وسخرية الخيال من الخيال، فلا واقع دائم ولا خيال مطلق، كل ما في الكون قابل للتأويل والانفتاح على عوالم شاسعة من الرؤية والرؤيا دون حدود، وكأنه تأثر بكتاب رؤيا يوحنا في العهد الجديد.
يلجأ غانم إلى ما يشبه الأحلام في تبعثرها وتكسرها وعدم تماسكها إلا في الفكرة التي يبثها الحلم. وما الحلم في نهاية المطاف إلا جزء من واقعنا ومن حقيقتنا، نقول فيه بصدق ووضوح ما لا نقوله في اليقظة. فالحلم يكشف الخفايا، ولا شك لدينا أن كاتبنا شديد الأرق كثير القلق مما يحدث في العالم من ظلم وقتل وتدمير، حتى بات يرى أن ما يحدث أشبه بكوابيس نتواجه بها ومعها حيثما سرنا وحيثما تحركنا. عالم عربي ممزق يأكل بعضه بعضا لا في الخيال بل في الواقع، أشلاء أطفال وبقايا نساء ورجال وشيوخ، وقوافل نازحين،
وسبايا تباع في سوق النخاسة. حالة عبثية أين منها مسرح بريخت!؟ لقد بات عالمنا الذي نحياه هو عبث الواقع لا عبث الخيال:
“حتى القلوب تقشرت.
يقول الخارجون من “باب النصر”:
“سيختلف اللصوص على أجسادنا، عندما تنتهي الحرب”.
وفي البعيد يتنافس إبليسان على كسب ود الأمم.
لكن في “سوق النحاسين”، تصمت النايات والعيدان، حين تغتسل إسطنبول بصابون الغاز الحلبي. وعلى بعد عشرين جمجمة، يستبدل الباعة المتجولون بضاعتهم، فيبيعون الخبز المحروق ودمى تذكارية بكل أشكال الهزائم”. (أبواب حلب، ص23)
فريد غانم انفصل عن “أناه الأولى” وألقى المؤلِّفَ بعيدا، ونصّب بدلا منها “أناه الثانية” التي سمّاها المنظرون “الكاتب الضمني” الذي لا نراه هنا مجرد “الراوي” كما هو في العرف التنظيري، بل هو أكثر شمولية لأنه أقرب إلى “الأنا الثانية”، رغم أنهما توءمان لا ينفصلان، فقد تقمص شخصية أخرى قادرة على الانعتاق من ذاتها لتنحو أكثر باتجاه الرؤيا المحلقة، وما على “القارئ الضمني” أو “القارئ السوبر” إلا أن يحلّق هو الآخر في أعقاب “الأنا الثانية” للمؤلف.
بات واضحا أن فريد قاسم غانم لا يبحث عن قارئ عادي، فبعد أن دفع “أناه الأولى” بعيدا قد قام، أيضا، بدفع القارئ العادي بعيدا كي لا يلجم فكرَه أو يضع حدا لخياله الجامح. لكننا مع ذلك نقول إن قراءة متأنية للنصوص ستجعل كل قارئ، مهما كانت خلفيته الثقافية والفكرية، قادرا على أخذ بعض زوايا هذه الكتابة الحرة المحلقة عبر الإحساس والشعور لا عبر الإدراك الحسي والمرئي.
تعتمد الفانتازيا على خلق عالم افتراضي يمكن تصديقه أو عدم تصديقه لأنه يعتمد بالأساس على رؤيا الكاتب في حالات نفسية ينقطع فيها المبدع عن نفسه وعن محيطه الوجودي فيخلق عالما أشبه بالرؤيا وأقرب إليها من الواقع.
يبدو جليا أن فريد غانم في ثلاثيته يخاطب “القارئ السوبر”، على حد تعبير ريفاتير ولا يخاطب القارئ العادي. وإني لأعتقد أن القارئ العادي قادر على اقتطاف بعض الثمر لا كله، وأن “القارئ السوبر” عليه أن يكتفي بالإشعاعات النصية، أحيانا، وبما يبثه النص من معان أحيانا أخرى، وهو قادر أيضا أن يفك جزءا كبيرا من شيفرات النص وأن يتمتع بعملية اكتشاف ما يبدو عصيا على الأدراك في المواجهة الأولى مع النص.
اللغة
هناك واقع تخييلي وهناك قبل هذا وذاك لغة يعبر الكاتب بواسطتها عما يجول في خاطره. وكل نص مكتوب هو عبارة عن لغة. وعليه، كي نتحاور مع أي فكرة، مهما كانت كبيرة أو صغيرة، يجب أن نعود إلى النص ذاته وإلى اللغة التي يوظفها الكاتب لنرى إلى تركيبها وبنيتها ودلالاتها. ولغة غانم غنية شاسعة واسعة ملونة ومزركشة بكل ما تتيح لها الوسائل البلاغية؛ القديم منها والحديث. واللغة، كما نعلم، كائن حي قابل للتغير والتطور والتبدل، وفق آخر المستجدات، وما لم تواكب العصر فإنها آيلة للضياع. فريد غانم يثبت أن لغتنا العربية صبية مغناج تقبل من يداعبها، وأم حنون تبادل الوُد بالود لمن يرعاها، فنراه يغذّيها بالصور والاستعارات المبتكرة، وبكل أنواع التناص، فتتجاوب معه وتنصاع لمبتكراته فتقبلها راضية مرضية كما في النص التالي من “على انكسارات الزبد- إلى إميل حبيبي”: “وسوف أبلغك الآن، يا حبيبي، بعدما غزا الشيب هوامش شعرنا واحتل السوس الأسود ضرس العقل، وبعدما سقط عقدان فريدان من جيوبنا التي ثقبت بمسامير الوهم القديم الجديد.
سأبلغك أنهم كسروا أنف صديقتك الزرقاء فتعرت في الليل الطويل، وألقوا ثوبها السماوي، المشرب بالبحر الواقف على بابها، ونشروا بشرتها القمحية على الطريق السريع إلى تل أبيب. سمرة محاصرة ها هنا: البحر أمامها والإسفلت سياجها، وطارق بن زياد ترك الأندلس ولم يعد”. (قمر ملون، ص124)
فإنْ كانت اللغة في الرواية تحمل ميزات الشخصية الروائية وخلفيته الفكرية والثقافية، حتى تكون لغة قادرة على تشخيص المكان والزمان والبيئة، بما فيها من شخوص، فإن لغة غانم هي لغة الكاتب في حالة “أناه الثانية” التي تنسجم مع الخيال والفانتازيا والرؤيا: “ها أنا خيط من حرير.
أقوم مثل طائر النار من المدن المحاصرة بالضجيج، أنهض من الغيم الملطخ بالنفط والنقد، من السماء المرصوفة بالطائرات القاصفة واللعنات الأرضية، وأقطع الوقت المرئي في خطوتين.
أنا خيط من حرير.
بدأت رحلتي خارج التقاويم. وسوف أظل أصعد في سلم الموسيقى المزركش بالنوتات والسكون، نحو الورقة الباسقة الأخيرة، التي ما زالت ترفرف من بعيد على قمة سدرة اللامنتهى”. (شجر الملح، ص17)
هذا الاقتباس الطويل هو المقطوعة الأولى من كتاب “شجر الملح” وإني لأرى أن هذه هي فلسفة الكاتب التي يبني وفقها رؤيته في طريقة التعبير عن أفكاره. رؤية لا تنسجم مع المباشرة أو الرمزية المألوفة، بل هي بوح شاعري شعوري مركب من خيوط تمتد على شاشة سماوية لا تتقيد بلون أزرق في يوم صاف ولا بسماء رمادية في يوم غائم ولا بلون الأرض الخضراء في ربيع مورق، وبالتالي فإن اللغة هي الحامل لهذه الرؤية ولهذا الفكر غير المقيد. لكنه أحيانا يشبعها زركشة وتلوينا بكل صنوف البلاغة وتناصا يصل حد التخمة، والتخمة موجعة للمعدة وفي الأدب مرهقة للفكر.
العنوان
يحتار الكتّاب في اختيار عناوين كتبهم لأنها تحمل في طياتها عصارة مجهود طويل قد يستمر أياما، أشهرا أو سنين، ويقيني أن فريد غانم قد بذل جهدا ليس يسيرا في اختيار عناوين كتبه، وهي عناوين تفجأ القارئ منذ اللقاء الأول مع جلدة الكتاب. “شجر الملح”، و”قمر ملون”، عنوانان مستفزان ومحفزان، لا يحاكيان الواقع رغم انبثاقهما عنه، إذ هناك ملح وهناك شجر على أرض الواقع، لكن ليس هناك “شجر الملح”. وهناك قمر، وهناك لون وألوان وملوّن، لكن لا يوجد “قمر ملون”. أما عنوان المجموعة الثالثة “أبواب حلب” فإنه بحد ذاته، في ظل الظروف التي تمر بها حلب في السنوات الأخيرة من تدمير للحجر والشجر والبشر، يحفّزنا إلى طرق باب الكتاب لنلج منه إلى داخل النص لنرى إلى حلب الكتابِ ومدى تشابهها مع حلب الدمار.
تلح أسئلة عديدة على القارئ، أثناء عملية القراءة، للبحث عن العلاقة بين مضمون النصوص وعناوين الكتب الثلاثة. ويستمر البحث للعثور على صلة القربى بعد الانتهاء من الصفحة الأخيرة. فالعناوين مفتوحة على مصاريعها للبحث عن دلالاتها غير القابلة للتوقف عند تأويل ما دون غيره، وتبقى الصلة الأكبر هي صلة الأثر المفتوح بين النصوص وبين العناوين، وما على القارئ، كل قارئ، إلا أن يمد الخيوط بينها ليخلق شكلا يمزج بين الواقع والعبث. فنروح نبحث عن جيرار جينيت وهنري متيران وغيرهما من المنظرين الذين تناولوا موضوع العنوان، أهميته ودوره، ليمدوا لنا يد العون.

إن العنوان هو آخر ما ينجزه المبدع بعد الانتهاء من عملية الكتابة. والتسمية لا تتأتّى إلا بعد تفكير عميق، وبعد أن تكون الفكرة الرئيسية قد اختمرت في رأس المنتج. إن العناوين التي اختارها فريد غانم غير تقليدية، وكانت بمثابة مفتاح نلج من خلالها عالم الكتب لنرى إلى مدى الترابط بين المضمون وبين التسمية، وكانت حافزا لفتح صفحات الكتب والاطلاع على ما فيها. فوجدنا غير العادي هو العادي في هذه المجموعات الثلاث؛ تبدّلَ الكون وتغيّرَ المنطق فأثمر “شجر الملح” ولبست حلب حلة تمتزج فيها كل متناقضات الكون
حيث يجتمع فيها المعتصم وبيتهوفن والقديم والحديث والشرق والغرب دون منطق مألوف إلا في هذه “اللوحة” الفنية التي يقبلها “منطق” القارئ بناءً على “منطق” “الكاتب الضمني” أو إن شئتم “الأنا الثانية”.
إن العناوين التي اختارها الكاتب لا تحمل ملخصا أو إيحاء للموضوع الرئيسي الذي تدور حوله مواضيع الكتب، فقد اختار إحدى القطع الواردة في الكتاب ووسم بها المجموعة كما يفعل كثير من الشعراء وكتاب القصة القصيرة.
الكتابة التجريدية
قلنا إن فريد غانم ينأى عن الكتابة السهلة لتسير نحو التجريدية شأنها شأن الرسم التجريدي حيث هناك أشكال مستمدة من الخيال أو من الواقع لكنها لا تتشابه مع شكلها الأصلي. ففي قطعة بعنوان “أشباح” نقرأ ما يلي:
“وهنا لا لون للماء حتى الآن، لا لون للهواء، لا طعم للأوراق النقدية.
والكآبة المائية تركض في الليل حافية، تطرق أبواب النائمين في العراء بوجه من العظام الفوسفورية” (أبواب حلب، ص 35)
إن صعوبة التعامل مع مثل هذه النصوص هو انفصال المفردة كليا عن مفهومها المعجمي أولا، ثم انفصالها عن مفهومها المتداول في الأدب ثانيا. ولا يمكننا الحديث فقط عن اللغة المنزاحة، كما هي في عرف جان كوهين وغيره، بل هي مقطوعة مكونة من مجموعة من الجمل تترابط وتتنافر وتتكسّر في آن معا. هنا يمكننا الحديث عن الانزياح الكلي حيث إن المقطوعة، في مجملها، لم تتقيد بالأعراف المألوفة في عالم الأدب وفي اللغة على حد سواء. كما لا يمكننا أن نتكئ على المحسنات اللفظية والمعنوية ودروب البلاغة العربية في صورتها المعهودة. وما على القارئ إلا أن يتعامل معها كما نتعامل مع الفن التجريدي عامة،
وأن نلجأ إلى ما تبوح به المقطوعة ككل في مجمل تناقضاتها وتهشّمها، واتحادها حول فكرة معينة قصدها الكاتب في حالة انفصال كلي عن ذاته، وعن محيطه المعلّب.
هذا النوع من الكتابة يعتمد على الحس وعلى الشعور والبعد عن الخطابية، حيث يحاول الكاتب أن ينقل شعوره وحسه إلى القارئ ليتشارك معه، وعليه فإني أؤكد على أن الفن، سواء كان في الرسم، أو الموسيقى، أو النحت، أو الكتابة إنما يبحث عن المتلقي للمشاركة، سواء قصد الفنان ذلك أم لم يقصد، وسواء كان ذلك عن وعي منه أم دون وعي.
لا أعتقد أن هناك تعريفا دقيقا لمثل هذه الكتابة، لكن للتوضيح نقول إن كتابات فريد غانم ليست تقليدية، كما ذكرنا في مستهل مقالتنا، ولغته لا تحمل تلك المواصفات الأدبية في تجنيسها المألوف. وهي بعيدة كل البعد عن المحاكاة لأنها لا تلتزم بمطابقة الأصل لا في الشكل والصورة ولا في معاني المفردات المألوفة. يحق للقارئ أن يتساءل أثناء قراءة مثل هذه النصوص هل هي هروب من مواجهة الواقع، كما فعل الرومانسيون من قبل؟ أم هي مواجهة الواقع في لاواقعيته؟
مهما يكن من أمر فإن الأدب والفن عامة قد مرَّ على مر العصور بتحولات هشمت كل ما كان مألوفا من قبل نتيجة ما يشهد العالم من تغيرات اقتصادية واجتماعية وفكرية، في أعقاب أحداث غيرت وجه الكون، كما كان عليه الأمر في أعقاب الحربين الكونيتين. ثم ماذا نسمي ما تشهده منطقتنا منذ عشرات السنين، وبالذات في السنوات الأخيرة؟
أعتقد أن هذا هو نوع من مواجهة “الواقع” كما هو على حاله اليوم، لا كما يجب أن يكون. فالرومانسية “هربت” نحو الطبيعة لخلق عالم الجمال واليوتوبيا، أما كتابات فريد غانم فهي مواجهة مباشرة لعالم كل ما فيه مركب، معقد وحافل بالتناقضات والإيرونيا السوداء:
“عرّافة على الشاشة تقول:
ظهيرة عارية سوف تَحرِق ريش العصافير العارية.
بياض أصفر، نيّئ، يهطل بيضا فاسدا.
وساعة مائعة تذوب على شاربي سلفادور دالي”. (شجر الملح، ص74)
إن الفنان التجريدي يرى أن محاكاة ما هو قائم يقيّد المبدع، أما الفن التجريدي فهو التحرر والانعتاق، وعليه فإن القمر ليس كتلة ذات لون وشكل واحد، بل هو “قمر ملون”، والملح لا يتواجد في التربة ولا يذوب في مياه البحار، بل إنه ينبت ويثمر على “شجر الملح”.
فما يكتبه فريد غانم هو المواجهة الحقيقية مع الواقع، ورد فعل لما يدور حولنا، ومهما اجتهد المنظرون والفلاسفة في البحث عن الأسباب والمسببات والدافع التي أحدثت ما هو جديد وما هو مغاير لما كان سابقا فإن ما يحدث على صعيد الكون أو على الصعيد الشخصي لهو الدافع لخلق ما هو مغاير.
أدب عابر للأمكنة والأزمنة
لقد اعتاد أدبنا الفلسطيني على الإغراق في المحلية ملتزما بالمكان والزمان، وبالمحيط الاجتماعي والسياسي، وبما تعرضت له بلادنا بشكل خاص، حتى تمكن محمود درويش وبعض شعرائنا من اختراق ما كان مألوفا وساروا نحو العالمية بطرق ووسائل عدة، لا مجال لبحثها هنا. فريد غانم يكتب أدبا عابرا للأماكن والأزمنة، وهي مواضيع قابلة للتأويل والمحاورة حسب نوع الثقافة ونوع المحيط الذي ينتمي إليه المرء في أي بقعة من بقاع الأرض.

كما أعتقد أن قسما كبيرا من هذه النصوص لن تفقد خواصها إذا ما ترجمت إلى لغات أخرى، كما يحدث في أي عملية ترجمة، بالذات في عملية ترجمة الشعر، لأنها لا تتقيد بمحيط زمكاني ولا بهوية غارقة في المحلية، ولا بصور وتشبيهات منحوتة من تراثنا ورصيدنا، كما نرى في المقطوعة التالية:
“يصير القمر أحمر، في ثلاث حالات:
حين تُقبّل سيدات المجتمع العالي الشبابيك، ويخرجن
بلا أحمر شفاه أو،
حين نسمي الأبيض أحمر. أو،
حين تتورّد وجنتاكِ.” (قمر ملون، ص19)
هذا النص مكون من اثنتي عشرة مقطوعة تتبدل الألوان فيها ويتلون النص بحثا عن علة هذا اللون، فنرى عمقا في الطرح وإبداعا خياليا مذهلا وفانتازيا قابلة لخلخلة المفاهيم المألوفة. وهو نص قابل للتحاور مع قراء ومتلقين من مختلف البيئات في كل زمان ومكان، ولا أرى أن ترجمة القطعة مجتمعةً إلى أي لغة من لغات العالم ستبدل شيئا من معناها ومن مقصدها.
إن سعة المعلومات واتساع رقعة الثقافة شرط أساسي لمن يتجرأ على دخول عالم الإبداع الأدبي، ولذلك تبقى بعض النصوص محدودة الانتشار حين لا تتغذى بالفكر والثقافة الواسعة. أما نصوص فريد غانم فحافلة بكم هائل من الثقافة والمعلومات في مجالات عدة، مما قد يثقل على القارئ: “ستقول خالتي، التي انكسرت يدها يوم هطلت سماء خراسان خيلا من غمام على فخار الهلال الخصيب، وداست خيول بيزنطيا على صدور العصافير، وكحلت سهامُ جنكيز خان عين النهر بمَحبرة الجاحظ- ستقول إنها ما زالت تمد صوتها نحو خيمة المعتصم الطائرة وتختبئ من سيف الحجاج بظل عمر بن عبد العزيز”. (أبواب حلب، ص 27) على القارئ أن يعمل على فك شيفرات التناص والأسماء ودورها التاريخي، حتى يتمكن من مجالسة النص.
لا تقتصر ثقافة فريد غانم على أدبنا المحلي وعلى مجمل الأدب الفلسطيني، بل إنه تعدى ذلك إلى الأدب العربي عامة، الحديث والقديم، واطلع على الفلسفة العربية والغربية يوظفها في مقطوعاته فتغنيها. واطلع على شعر الهايكو الياباني حيث يعبّر الشاعر بكلمات بسيطة عن مشاعر جياشة، كما واطلع على التانكا الياباني الذي يعتبره الباحثون جدة شعر الهايكو وكتب قصيدة بعنوان “أبواب على طريقة التانكا اليابانية يفتتحها بالمقطوعة التالية:
“للباب وجهان
ويد يتيمة،
والعين ثقب،
وأصابع الناس قلب متقلب” (أبواب حلب، ص31)
هذا النوع من الشعر يعتمد على الأنسنة وعليه نرى فريد غانم يؤنسن الباب فيجعل له وجهين ويدا ويجعل ثقب الباب عينا والأصابع التي تفتحه قلبا نابضا. هل هذا نوع من الفانتازيا؟
على المتلقي أن يلجأ إلى البحث والتمحيص والعودة إلى كتب الفلسفة والتاريخ، وإلى التزود بثقافة واسعة من ثقافات الشعوب المختلفة ليتمكن من التقاط ما سعى الكاتب إلى التعبير عنه سواء كان هذا المتلقي عربيا أو أجنبيا.
الخلاصة
لا نستطيع تناول مثل هذه النصوص بالمعايير التي نوظفها حين نعالج الشعر، أو القصة، أو الخاطرة، بل علينا أن نمزج بين جميع هذه المعايير وأن نلجأ إلى النص ذاته لاستنباط جديده وخصوصياته، وإن كنت أرى أن بعض نصوص هذه الثلاثية هي نصوص شعرية، لكنها لا تلتزم بأصول الكتابة الشعرية التي تسمى
ب”الشعر المنثور” أو “قصيدة النثر”. وكي نجزم في ذلك علينا أن نقوم بدراسة مفصلة ومتأنية تدخل في عمق الجملة والمفردة، وفحص مدى توهجها، وبحث الصور الشعرية غير القابلة للتصور. وكان لنا تجربة مغايرة مع إبداع الشاعر المرحوم طه محمد علي في كتابنا “توهج الكلمة” (2001، ونسخة ثانية، 2014) في “قصيدة النثر” التي كان أحد روادها في بلادنا هنا.
نرى من الضروري أن نضيف، أنّ هذا حق المبدعين الجديين، لا الهواة المتسرعين، فالتجديد في الأجناس الأدبية ديدن المبدعين غير التقليديين. ولا نرى أن التجديد ينبت من فراغ، بل إنه يعتمد على إرهاصات سابقة، كما هو الأمر مع “قصيدة التفعيلة”، التي سبقتها إرهاصات وتجليات لشعراء المهجر وشعراء مصريين ولبنانيين كسروا القوالب المعهودة للقصيدة العمودية حتى ظهرت “قصيدة التفعيلة” على صورتها الحالية في مرحلة لاحقة. وكان ذلك محفزا لظهور قصائد أكثر تحررا من قيود الشعر المعهودة فكانت “قصيدة النثر”. وتبع ذلك، في أدبنا العربي، وفي أدبنا الفلسطيني، نصوص خرجت من عباءة “قصيدة النثر” وتمردت عليها، كما تمردت “قصيدة النثر” على “شعر التفعيلة”، وكما خرجت “قصيدة التفعيلة” من عباءة “الشعر العمودي” وتمردت عليه.
إن نصوص فريد غانم هي نصوص متمردة على كل الأنواع الأدبية، وامتدت لتبحر في عالم النص الحديث الحر بالذات في المفردة، على صعيد المعنى المعهود، وعلى صعيد الجملة التي تتكئ على التوهج الفكري، الذي يعتمد الفكرة التي تنبعث من النص ككل، وإن كان بمقدورنا، فعلا، أن نفككها إلى جمل ذات ميزات خاصة تعتمد منهجا مغايرا لجملة أخرى من نفس النص، فتلك قريبة من الخاطرة وأخرى قريبة من الشعر، وتلك لا تشبه في استعاراتها ما اعتدناه في استعاراتنا العربية المألوفة. مع ذلك فإني لا أدعو إلى التعامل مع هذه النصوص بصفتها صادرة عن “شاعر” لأن هذه النصوص تعدت أنواع الشعر المعهودة ولا التعامل معها كسرد نثري لأنها تعدت النثر الحديث. وهي نصوص حداثية تكسر كل ما كان مألوفا، ولا شك أنها
تلقى اعتراضا من المتلقين أكثر بكثير مما تلقى من قبول، تماما كما كان الأمر مع الرواية في بداية طريقها، ومع “قصيدة التفعيلة” في بداية مشوارها، ومع “قصيدة النثر” التي ما زال البعض يتهمها ب “العاقر” حتى من بعض الدارسين الجديين. هذه النصوص تحمل بذرة الإبداع و”التعدي” بكل معانيها.
نصوص فريد غانم عابرة للأجناس الأدبية، فيها من الشعر بقدر ما فيها من النثر الفني الأنيق، وفيها من القصة القصيرة بقدر ما فيها من اللغة المكثفة، وفيها نكهة الوصية والمقالة والخاطرة على أنواعها.
لا يلومن أحد المبدعَ على اختياراته لأنه لن يبدع إلا في الحقل الذي يرتاح فيه هو دون قيود أو شروط، فحين يختار الطريق الوعرة فإنه يكون قد قرر مسبقا أنه لا يبحث عن مصفقين له في جلسات السمر ولا في مجالس الملوك، ولا عن مرائين ومتزلفين. وليس ذنب أديبنا تلك الحالة المترهلة التي تصيب الفكر المتزمت، وليس من حق أحد أن يدعوه إلى التخفيف من عمق الفكر مراعاة للقارئ العادي وغير العادي.
نؤكد مرة أخرى ما قلنا أعلاه أن معظم هذه النصوص قابلة للترجمة لكل لغات العالم لأنها تحقق مبتغاها في كل مكان وفي كل زمان، وفق الثقافات المتنوعة للشعوب، ولا ننفي عنها مطلقا سمة الذاتية لأنها في النهاية بوح إنسان آثر التعبير بلغة الأدب القابلة للتشظي. ونقصد بالذات لا ذات الشاعر فحسب بل انتماءه لمحيطه ووجعه وفرحه.

د. رياض كامل

أترك تعليق أو مشاركة

من الأرشيف

جديد صوت العروبة

أترك تعليق أو مشاركة