قراءة في قصة ( الصفقة) لزكريا تامر – بقلم : كاهنة عباس

اصدارات ونقد …
بقلم : كاهنة عباس ….
اتخذت ” الصفقة” : القصة القصيرة للكاتب السوري زكريا تامر، أسلوب الحوار بين شخصيتين أساسيتين الاولى هي الام والثانية هي الجنين ،فدار النقاش بينهما حول صفات العالم وأحواله ، لاقناع الجنين بالانفصال عن أمه والخروج من بطنها .فإذا بها تخبره ببعض الحكم لمساعدته على معرفة حقيقة العالم، فيرد عليها بحكم أخرى تخالفها .ومعنى ذلك، أن قصة “الصفقة”، لا يمكن أن تقرأ إلا على المستوى الرمزي النفسي السيكولوجي ، يعيد النظر في معاني الحوار الذي داربينهما .فلا الانفصال عن الام يكتسي طبيعة مادية، مادام الجنين قادرا على التعبير عن رؤية وتجربة مغايرتين لتجربتها ،ولا النزول الى العالم هوحسي ملموس ،ولا الارتباط بالام هوعضوي كما وصفه الكاتب في مطلع قصته.
وما أوجه الخلاف بين الشخصيتين ؟
إنها علاقة كل منهما بالعالم، إذ تصور الام العالم على أنه فضاء تسوده القسوة، فتستنتج أن كل ما يزرعه الانسان لن يقطف منه سوى خيبة الامل والجراح ، فتقول لجنينها في هذا المنحى: “الشجرة ذات الثمار الطيبة محكوم عليها بالهلاك بسبب طيب ثمارها .”لكنها ترى في تهذيب نفس الانسان والتحكم فيها وإصلاح عيوبها وتجنب انقيادها الى الغضب، منفذا لتجاوزمأساة الانسان وسبيلا لخلاصه.
فالعالم من وجهة نظرها ،لا يحكمه العدل بل القوة الغاشمة التي يتعين على الانسان التعامل معها بالتحلي بالحكمة والمعرفة والتحكم في الاهواء ، لان الحق والخير هما المنتصران في نهاية المطاف ،إذ تقول “بإن الغالب بالشر مغلوب” ومعنى ذلك أن القوة التي تعتمد الشر ، لابد أن تهزم .
ولاتستوحي الام حكمها من تجربتها الفردية ، بل من الموروث الجماعي وتجارب الاجيال السابقة ، لذلك فهي لا تبين أسباب الظلم والقسوة ، إذ يستخلص المتلقي من خلال أقوالها، حضور طرف رابع الى جانب الاطراف الثلاثة الاخرى ( الام والجنين والعالم) ،وهو الآخرأو الغير ،الغائب / الحاضر في الحوار، بما أنه مؤثر /فاعل في العالم ،من المفترض أن يكون مصدر القسوة .
لن يقبل الجنين، بذلك الموروث ،لا بنظامه ولا قيمه ، تلك التي تعتمد استنزاف جهد وحلم وأمل الانسان دون منحه ما يستحق من سعادة واعتراف، انتصارا لقانون الاقوى في انتظار غلبة الحق والخير، لذلك سيقرر أن يكون هو محور العالم وأساس قيمه وحكمه وقوانينه دون الاعتراف بوجود الطرف الاخر أي الغير، فيواجه حكم أمه بحكم أخرى تعارضها ، ليصبح المرجع في صياغتها، باستعماله ضمير المتكلم في الرد عليها ،فيختار زرع الشوك ليحصد الورد ،خلافا لسلفه ،و يتحول الى الفأس حتى لا يتخذ موضع الشجرة الطيبة المحكوم عليها بالهلاك ، فيؤدي به ذلك الموقف الى التجرد من أحاسيسه الانسانية مثل الحزن والفرح تجنبا للالم ، بل ويذهب الى أبعد من ذلك برفض العلم الذي لم يعد الضامن لامتلاك القوة والدفاع عن النفس.
ومعنى ذلك، أن الجنين لاينطلق من أي تصور خارجي للعالم لعدم امتثاله لمبدأ الواقع ( من وجهة نظر سيكولوجية فرويدية ) ولتنكره التام للقانون: أي لوجود أية سلطة خارجة عنه ،سواء كانت الرمزية بمعنى السيكولوجي أو الفعلية بالمعنى الاجتماعي السياسي ، باعتباره المركز والمرجع لكل حكمة وكل سلطة وكل قانون ورفضه القطع مع الحبل السري للام le cordon ombilical ،وتنكره لما يفرضه عليه العالم الخارجي من ضغوطات وتنازلات وإكراهات.

وسيدفعه ذلك على المستوى النفسي ،الى إقصاء الاب ورفضه في نهاية القصة ،حتى لا يضطر الى تنازل عن مركزيته للاعتراف بالعالم الخارجي، والقطع مع الام التي هي مصدر اللذة ، متعللا بعجز الاب عن امتلاك القوة المادية الكفيلة بحمايته .
لذلك يجد المتلقي نفسه، إزاء الام في دورها الانتروبولوجي الثقافي الذي يفرض عليها بصفتها المربية نقل القيم الاخلاقية والمعرفية من جيل الى جيل ، ثم إزاء عالم تسيره القوة المادية ، ثم إزاء الجنين الذي يرفض الخضوع للقانون وينفي وجود الغير للتشبث بأهوائه ورغباته ،فيتخذ موضع الانسان الذي لم يكتمل ،المرتبط بالحبل السري لأمه ،الرافض للاب بوصفه من يمثل السلطة والقانون.
لكن الكاتب لا يكتفي بطرح البعد النفسي السيكولوجي ولا الثقافي الانتروبولوجي من خلال الحكم التي تبادلتها الشخصيتان الاساسيتان في الحوار، إذ تطرح القصة على المتلقي ، سؤالا أعم وأشمل، ذا بعد فلسفي ،يتعلق بمسألة الخير والشر ،ترى من هو الاقرب للواقع الحكم التي تبنتها الام، أم الحكم التي دافع عنها الجنين ؟ هل يميل الانسان منذ الولادة الى الشر، ليؤمن استمراريته وللدفاع عن وجوده ؟ ما هي القيم التي يحتكم إليها في الواقع ، التضحية بالنفس والتحكم في نزواتها وانفعالاتها أم الانتهازية والانانية وإقصاء الاخر ؟ وإذا اعتبرنا أن الحبل السري هو رمزي، يحيلنا الى رغبات الانسان وأهوائه ،فما مدى قدرة هذا الاخيرعلى القطع معه ،لتقبل العالم كما هو ، لا كما يريد منه أن يكون ؟
لقد فتحت قصة “الصفقة” بما تطرحه من أسئلة متعددة ومختلفة، أفق التفكير في المسائل الكبرى ، تلك التي تهم الانسان كذات تحتاج الى الغير، الى تقبل الواقع بإشكالياته ،كي لا تبقى جبيسة الجبل السري للام بأوهامها ومركزيتها ، فتصبح قادرة على اكتساب درجات أخرى من الوعي .

المرجع – من كتاب “نداء نوح”، رياض الريس للكتب والنشر، طبعة أولى 1994.

أترك تعليق أو مشاركة

من الأرشيف

جديد صوت العروبة

أترك تعليق أو مشاركة