صفرونيوس …البطريرك الذي سلم عمر مفاتيح القدس – بقلم : فيصل صالح الخيري

دراسات ….
بقلم : فيصل صالح الخيري ….
باستقراء الأدلة الآثارية والوثائق التاريخية، يتضح أن العرب قد امتلكوا مدينة القدس، منذ أزمنة طويلة، وأن الوجود اليهودى فيها، إنما كان بمثابة سطر هامشى في التاريخ العربي للمدينة، الذي لم يعترضه طوال (12 ألف عام) سوى سنوات قليلة لليهود والصليبيين، لم تغير واقع السكان فيها.
ومن أجل إثبات هذا الوجود المزعوم، الذي لم يرد إلا في نص أدبى قد ثبت أخيرًا تصدعه، بعثات آثارية كثيرة قد شكلت، وجهود وأموال باهظة قد أهدرت، خلال أكثر من مائة وخسمين عامًا من الجهود المسعورة، لم تسفر إلا عن نذر يسير من الآثار، التي لا تعود إلى أكثر من القرن الثانى ق.م، ولا يستفاد منها أن القدس كانت خالصة لليهود، خلال الفترتين اليونانية والرومانية، اللاتي أثبتت الآثار تواجد اليهود فيهما.
يقول المؤرخ الرومانى «سترابو» الذي كتب سنة 19م أن الأنباط كانوا يسكنون جنوبى القدس، كما كان يسكن حول القدس وشمالها: مصريون وعرب وفينقيون، فضلاً عن اليهود.
ونشير في هذا الصدد إلى رأى المؤرخ اليهودى «آفي يوناه» بأن اليهود هبط عددهم في فلسطين في العهدين الرومانى والبيزنطي، حتى أصبحوا (9% من السكان)، ونضيف بأن أكثرية هذه النسبة كانت تعيش في طبرية، وإن دل هذا على شيء إنما يدل على عروبة القدس حتى في العهود التي يدعى اليهود أن لهم تواجدًا فيها، وخصوصًا العهد الذي سبق الفتح الإسلامى للقدس، أواخر العهد البيزنطي، فهناك إشارات من العهد البيزنطي، إلى وجود عرب نصارى في القدس في ذلك العهد، ومن بين هؤلاء أسقفان عربيان عاشا في القدس في القرن الثالث الميلادي، وأصلهما من تدمر، وكان هناك أسقف عربى آخر في القرن الرابع يدعى «زنوبيوس»، وكان مهندسًا زخرف القبر المقدس زمن الإمبراطور الرومانى «قسطنطين» 336م، وبنى أمامه رواقًا، ووردت الإشارة إلى قبيلة عربية أقامت قرب القدس بعد أن أصبحت المدينة مقر بطريرك، واعتنقت المسيحية، وعلا شأنها حتى أصبح شيخها مطرانًا.
وبعد الفتح العربي الإسلامي للقدس، أصبحت عربية دمًا ولحمًا، أو قل: عادت إلى عروبتها الكاملة، فقد ساعدت كثيرًا من الروابط العرب المسلمين على سرعة فتح البلاد، التي كانوا مشتركين مع سكانها بنسب جنسى قرب أو بعد، والاتفاقية التي عقدت بين الطرفين، ألم تعقد بين عمر العربي المسلم، وصفرونيوس العربي المسيحي، وكلنا يعرف من هو عمر، فمن هو صفرونيوس؟!
مولده ونشأته
ولد صفرونيوس في دمشق حوالي عام 658م، ويبدو أن دراسته الأدبية كانت دمشقية أيضًا، فمنذ حداثته عُنى والداه بتربيته تربية صالحة، ولم يلبث أن نال لقب «حكيم»، فبدأ حياته العلمية في تعليم الفصاحة والبيان لشبان عديدين، تألبوا حوله يرتشفون من غزير مناهله ثقافة متينة… لكن وفاة والديه حملته على ترك الدنيا وهو في ريعان الشباب، ووهب حياته لخدمة الدين.
الارتحال إلى مهوى أفئدة النساك
إن أول ما فكر فيه صفرونيوس السفر إلى فلسطين، حيث كانت الأديرة زاخرة بألوان الرهبان والنساك، واختار دير «القديس ثيودوسيوس» شرق بيت لحم، وكان في تلك الآونة أشهر أديرة الشرق، فقضى فيه شطرًا من حياته، يمارس الصلاة العقلية والحياة النسكية، ولحسن حظه تعرف بالكاهن «يوحنا موسكوس الدمشقى» الذي ظل صديقًا مرافقًا له في حله وترحاله، وفي مواقفه الصوفية والفكرية، والأب الروحي حتى رحيله عن الحياة، وقد زار صفرونيوس ويوحنا أشهر أديرة فلسطين، أولها دير «القديس سابا» ثم عرجا على سائر الأديرة، واستغلها يوحنا فرصة لكتابة سيرة الرهبان في الأديرة التي تمكن من زيارتها.
وفي تلك الأيام حدث أن قام الفرس بغزو فلسطين، مما دفع السائحين إلى النزوح إلى مصر، وأتيا الإسكندرية في عهد البطريرك القديس «يوحنا الرحيم» واتصل صفرونيوس بفلاسفتها ونساكها والتيارات الفكرية فيها، ولم يكن إلى تلك اللحظة قد دخل في سلك الرهبنة، وقيل: إنه انصرف إلى الأدب والفلسفة والفلك وغيرها من علوم الإسكندرية، وقد اعتبر يومها سفسطائيًا في منحاه الفلسفي، ودرس البلاغة وكتب الحواشى وتعليقات على كتاب في النحو، ويبدو أن رهبان الإسكندرية قد حببوا إلى نفسه الرهبنة، فلبس وهو في سن الشباب المسوح.
وفي الإسكندرية عايش الانشقاق الحاصل فيها بين المونوفيزية الغالبة في الكنيسة القبطية، وبين الأرثوذكسية التابعة للكنيسة الجامعة، فدعا «يوحنا» بطريرك الإسكندرية صفرونيوس ورسمه كاهنًا، وفوض إليه الوعظ والإرشاد، فنجح في مهمته على أكمل وجه، وأعاد إلى الحظيرة الكاثوليكية عددًا غفيرًا من المؤمنين وقرى برمتها، وأديرة كثيرة كانت قد انحازت إلى ذلك الفكر، وكم كان اغتباط البطريرك لهذا الإنجاز الذي عده عظيمًا، فبادر بإسكان صفرونيوس وصديقه الدار البطريركية، وأصبحا أقرب الناس إلى قلبه.
ولما هدد الفرس الإسكندرية، سافر صفرونيوس مع صديقه قاصدًا روما، فزار أديرتها، ولما شعر الأب الروحى بدنو أجله، أوصى صفرونيوس بأن لا يتركه وحيدًا في بلاد الغربة، فلما مات هناك، نفذ صفرونيوس وصيته، وحمله وعاد به إلى فلسطين، وكان الفرس قد اندحروا عنها، فذهب به إلى دير «القديس ثيودوسيوس» ودفنه هناك، وظل في الدير إلى جانب صديقه يمارس حياة الرهبنة.
المدافع الأكبر عن العقيدة
اشتهر صفرونيوس بأنه من أشد المدافعين عن العقيدة، ضد المونوتيلية وغيرها في عصره، والمونوتيلية، وتعنى القوة الواحدة، أو الإرادة الواحدة، وهى اجتهاد يتابع مفهوم الطبيعتين والأقنوم الواحد في السيد المسيح، وصاحب هذا الاجتهاد الجديد هو «سرجيوس» بطريرك القسطنطينية عام 615م، وقد قال سرجيوس: إن في المسيح طبيعتين، كما قال مجمع خلقيدونيا، ولكن فيه قوة واحدة واردة واحدة، فلا تمييز بين الطبيعتين. وقد قاوم صفرونيوس هذا الاجتهاد وقال: إن في المسيح طبيعتين متحدتين عاملتين وفعالتين، كل واحدة بحسب خاصيتها، إلا أنهما متحدتان معًا… وفي سبيل منافحة هذا الاجتهاد، سافر إلى الإسكندرية التي انتشرت فيها آراء المونوتيلية، وآمن بها بطريركها «كيرس» وغدا هو وسرجيوس من أهم المدافعين عنها، إلا أنه فشل في زحزحة البطريرك عن اعتقاده، بل زاد الأمر سوءًا، عندما كتب سرجيوس وكيرس إلى البابا «هونوريوس الأول» وسودا لديه صفحة صفرونيوس، الذي عاد إلى فلسطين، واعتكف في دير القديس ثيودوسيوس.
صفرونيوس بطريركًا للقدس 634 – 638م
وكانت فلسطين قد تأثرت بهذا الاتجاه الجديد، وتبنى «سرجيوس» – أسقف يافا – يؤيد الإمبراطور مواقف المونوتيلية، ولما شغر الكرسى البطريركى في القدس تسلم سرجيوس زمام أمورها، إلا أن جموع الرهبان ظلت هذه المرة إلى جانب الإيمان الخلقيدونى، وتضاعفت الأزمة بالاحتلال الفارسى للقدس عام 614م واستمراره حتى عام 629م، وكان «مودستوس» الذي ترأس دير القديس ثيودوسيوس، قد اعتلى سدة البطريركية في القدس بعد موت سرجيوس من عام 631م إلى 634م، وقد خلفه عليها صفرونيوس.
ولما انتخب صفرونيوس للمدينة المقدسة عام 634م، وقد عرف بمقاومته للمونوفيزية والمونوتيلية التي تلتها، رفع الأمر إلى روما، وأرسل «اسطفانس» – أسقف مدينة دورا الفلسطينية – لروما ليعرض الموقف على البابا، بعد أن جعله يقسم اليمين على جبل الجلجلة المقدس بأن يروى الحقيقة كاملة أمام البابا وسائر الأساقفة المجتمعين معه، لكن إّنصاف صفرونيوس في الحكم القاضي على تلك الاجتهادات، لم يصدر إلا بعد وفاة صفرونيوس بحوالى عشر سنوات.
مؤلفاته
وقد وصلنا من آثار صفرونيوس الأدبية والدينية الشيء الوفير، وجميعها تدل على أسلوب رقيق، ولعل اختياره للبطريركية، كان يعود إلى هذه المقدرة الأدبية التي عرفها زملاؤه فيه، ومما خلفه عدد من القصائد الدينية المحتوى، والمرتبطة بأحداث ورد ذكرها في العهد الجديد، أو برموز تمتُّ إليها بصلة وثيقة.
وله الرسالة التي وجهها إلى البابا وإلى سرجيوس – بطريرك القسطنطينية، في معرض تفنيد المونوتيلية. ووضع كتابًا في سير القديسين، وله شرح الكتاب المقدس، ومقدمة عن يوحنا اللاهوتى والإنجيلي، بالإضافة إلى مواعظه في العقيدة… وضخامة تراثه وتنوع موضوعاته، يجعلانه كما مر بنا، في مقدمة اللاهوتيين ورجال الكنيسة، ومع أن صفرونيوس لم يكن الوحيد، فقد كان أبرز هؤلاء في عصره.
أما لاهوت صفرونيوس، فيلتزم خط الكنيسة الجامعة، ولذا نراه يحاول أن يعدل بكنيسة مصر عن المونوفيزية، ويقف بحزم أمام المونوتيلية في فلسطين، وشخصيته شخصية جامعة، فقد أكثر من أسفاره بين الكنائس، واتصل بأهم مراكز المسيحية في عصره.
ويرتبط صفرونيوس بالأجيال المتعاقبة من الرهبان، الذين هيمنوا بفكرهم وشخصيتهم على عصرهم، فقد لزم الأديار مرارًا، دير القديسة كاترينا في جبل سيناء، ودير القديس ثيودوسيوس (دير ابن عبيد حاليًا) شرق بيت لحم، واتصل بنساك مصر، وبالكنائس في شمال أفريقيا وروما، وجاب العالم المسيحى شرقًا وغربًا، يحرك الأفكار، ويتخذ المواقف من التيارات الفكرية، وانتهى تجواله بانتخابه بطريركًا للمدينة المقدسة.
إصراره على تسليم المدينة لعمر
وهو الرجل الذي استقبل عهد الفتح الإسلامى الذي ختم مرحلة وبدأ مرحلة جديدة من تاريخ بيت المقدس الدينى والفكري، إن اسم صفرونيوس سوف يبقى إلى الأبد، مقرونًا بذلك الحدث الأعظم في تاريخ القدس، ودخول الأعلام الإسلامية ظافرة إلى بيت المقدس، بعد أن خيمت عليها أعلام النسر الرومانى نحو ثلاثة قرون من الزمن، لقد حمى المدينة وحمل الفاروق عمر على احترام حياة وديانة وأموال من فيها من المسيحيين، فقد كتب الفاروق عمر للبطريرك ورعيته عهد أهل إيلياء المشهور – بالعهدة العمرية – أحد المواقف الحضارية التي هى أنبل وأسمى ما في التاريخ العربي، وعلى عظمة جميع بنودها إلا أن مما يلفت النظر ذلك البند الذي نصه: «ولا يسكن إيلياء معهم أحد من اليهود»، وهذا شرط اشترطه صفرونيوس نفسه، وأقره عليه الفاروق عمر، فكأن الفاروق عمر وصفرونيوس بفكرهما الثاقب يحسان بما في القدس اليوم من تنازع، وهما في هذا سويًا بين الإسلام والنصرانية في هذا الشرط… ورغم العهد الذي أعطاه الفاروق عمر لبطريرك القدس صفرونيوس بعدم السماح لليهود بسكنى القدس، فإن الحكام العرب غضوا النظر عن المنع، فتركوا اليهود يقيمون لأنفسهم حيًا فيها، ووصلت الأمور إلى ما نراه اليوم من حال المدينة المقدسة، إن المدينة المقدسة ستكون سعيدة بإحياء اتفاقية عمر العربي المسلم، وصفرونيوس العربي المسيحي، وسيعود للعالم سلامه واطمئنانه، إذ شملت هذه الاتفاقية عموم أرض فلسطين، وذلك عملاً بقول السيد المسيح: «إن الخلاص هو من اليهود» (إنجيل يوحنا 4: 12).
وكان الفتح الإسلامى لبيت المقدس في عام 16ه/ 637م لم يعش بعده صفرونيوس أكثر من عام، حيث لحق بربه مستريح الضمير راضيًا مرضيًا عنه، لما قدم من أعمال جليلة لعقيدته ومدينته، وعظم اسمه بعد وفاته عند المسيحيين والمسلمين، وطار حيث كتاباته في كل الأقطار، حتى إن المجمع النيقاوى الملتئم سنة 787م اعتمد أقواله وتعاليمه، وضمها إلى مجموعة قوانين الإيمان المقدس، فهو مجدد دمشق، وفخر القدس، ومعلم الكنيسة وجمال القديسيين.
——————————-
المراجع:
1 – الأب بطرس فرماج: مروج الأخبار في سير الأبرار: بيروت 1880م.
2 – مكسيموس مظلوم: الكنز الثمين في أخبار القديسين: بيروت 1868م.
3 – شحادة خورى: خلاصة تاريخ كنيسة أورشليم الأرثوذكسية: القدس 1925م.
4 – ميخائيل عساف: إلسنكسار المشتمل على سير القديسين: القدس 1988م.
5 – الموسوعة الفلسطينية: الدراسات الخاصة، القسم الثاني، المجلد الثانى والثالث: بيروت 1990م.
6 – عبد الحميد الكاتب: القدس: القاهرة 1994م.
7 – محمد صبيح: القدس ومعاركنا الكبرى: القاهرة 1970م.
8 – شمس الدين السيوطى: إتحاف الأخصا بفضائل المسجد الأقصى، تحقيق د. أحمد رمضان أحمد، الجزء الثاني: القاهرة 1984م.

أترك تعليق أو مشاركة

من الأرشيف

جديد صوت العروبة

أترك تعليق أو مشاركة