العَرَب بين الظاهرة الصوتيَّة والصمتيَّة! بقلم : عبد الله الفيفي

دراسات …
بقلم: أ.د/ عبدالله بن أحمد الفَيْفي – كاتب واديب وشاعر من السعودية ٍ….
ما انفكَّ الشِّعرُ العربيُّ يدور في فَلَك المعايير الاجتماعيَّة الجاهليَّة، والأُولى، وإنْ قاله مَن أدركوا الإسلام، ولم يَحسُن إسلامهم، أو أدركوا الحداثة، ولم تَحسُن حداثتهم. كما ظلَّ، في معظمه، شفويًّا، وإنْ دُوِّن. وفرقٌ بين مفهوم «التدوين»، و«التقييد»، ومفهوم «الكتابة». والكتابة النثريَّة نفسها في تراثنا العربي هي ثقافةٌ شفاهيَّةٌ مدوَّنةٌ غالبًا، قائمةٌ على الرواية، و«قيل وقال»، وليست كتابة، بما تعنيه الكلمة من تقنيةٍ فكريَّةٍ، وإنشائيَّةٍ حضاريَّةٍ خاصَّة، ومن انعتاقٍ ذاتيٍّ من التقليديَّة والمَعِيَّة والاتباعيَّة السلَفيَّة.
على أن الشفاهيَّة الفكريَّة أطول نَفَسًا من الشفاهيَّة الأدبيَّة وأكثر تعميرًا. وهي أهمُّ من قضيَّة النصوص الجاهليَّة وأصولها، التي خاض فيها (مارجليوث) و(طه حسين)، في العصر الحديث، كما خاض القدماء.(1) بل إنه يمكن القول، إضافة إلى هذا: إن المجتمع العربي نفسه قد بقي في كثيرٍ من شؤونه يمتح من تراثه ما قبل الإسلامي- تغذِّيه القِيَم الشِّعريَّة- أكثر من تمثُّله القِيَم الاجتماعيَّة والحضاريَّة الجديدة التي نادى بها القرآن، أو دعا إليها الرسول، وبلورتها الحضارة الإسلاميَّة والإنسانيَّة.
وأنت واجِدٌ مصداق هذا في العقليَّة العربيَّة اليوم. تلك العقليَّة التي أصبح التقليد فيها، واتباع القطيع، كالجينات في بناء أبنائها. تجد أحدهم- وإنْ درس في الغرب، وفي أرقى الجامعات، وفي مجال العلوم البحتة، أو في تقنية المعلومات ووسائل الاتصال الحديثة- يقبع خارج هذه الحِرفة الفنيَّة التي تدرَّب عليها، في جلباب إنسانٍ جاهليٍّ، ماضٍ مع القطيع القَبَلي إلى حيث يمضي، منعدمَ الحِسِّ النقدي، مقدِّسًا أصنام أهله، على اختلاف أشكالها وهويَّاتها.
والعربي، للأسف، ما برح عابد أصنام، موليًا وجهه شطر آلهةٍ ما، من سُلطانٍ، أو شيخٍ، أو شاعرٍ، أو حتى مهرِّج. خذ مثلًا نموذجيًّا من أمسيات (محمود درويش)، شاعرنا الذي كان الأصدح صوتًا والأجهر تعبيرًا. فستلحظ أن الجمهور يحضر أمسياته- التي تُتلَى فيها قصائد كان ينبغي أن تُقرأ لا أن تُسمع- لكن الجمهور لا يسمع ولا يقرأ، بل يُصفِّق ويُصفِّر، كأنه في محفل رقص، أو في مباراةٍ حاسمةٍ في كرة القدم. يفعل ذلك دون أن يفهم ما يُقال أحيانًا، لكنه هنا أمام بطلٍ أسطوريٍّ، كما يتمثَّل في وجدانه، شاعر القضيَّة الكبرى، وحُقَّ له التمجيد، والتطبيل، أو حتى التطبير! ذات مرةٍ، بلغ الحماس أقصاه ببعض الجمهور الدرويشيِّ، فأخذ يهتف: «نشرب دم.. نشرب دم…»، فردَّ عليه الشاعر بهدوء: «بَدْنا نشرب مَيْ، لو سمحتم.. من يشرب الدم شارون!» فخفَّ الحماس، وقلَّ الهتاف!
لذلك، لا مبالغة في الزعم أنه لا قيمة تُرجَى كثيرًا من الجمهور العربي، ولا دلالة لإعجابه أو عدم إعجابه؛ لأنه جمهورٌ طُفوليٌّ، غالبًا، عاطفيٌّ حماسيٌّ، بل همجيٌّ، أحيانًا. يقتل الحاكم، والمبدع، والفنَّان، أبدًا «بالروح بالدم». على حين لا تكاد في ثقافات أخرى تسمع همسًا في احتفاليَّةٍ ثقافيَّة، ولو فنِّيَّة، إلَّا في ضروبٍ من الفنِّ، غوغائيَّة الطابع معروفة. والسبب لدينا أن العربي ما زال يعيش أجواءه الداحسيَّة الغبراء، وحماسيَّاته المنبريَّة، التي أوردته المهالك.
قديمًا وصف المفكِّر (عبدالله القصيمي) العرب بأنهم «ظاهرة صوتيَّة». بمعنى أنهم يقولون ما لا يفعلون. والظاهرة الصوتيَّة إنْ كانت في الحقِّ خيرٌ من الظاهرة الصمتيَّة الشيطانيَّة الخرساء، على كلِّ حال. غير أن الظاهرة العربيَّة اليوم ترقَّت إلى مرتبة الظاهرة الصوتيَّة في الباطل، والنفاق، والتضليل، الصمتيَّة في ما لا ينبغي السكوت عليه، من نواقض الحقِّ، والخير، والعدل، والجمال.
ربما لحظَ المتابعُ- كما يقول كاتب المقال أ.د/ عبدالله بن أحمد الفَيْفي- أن العربيَّ الأمِّيَّ أحسنُ حالًا من غيره، في هذا الأمر. وهو كثيرًا ما يبدو أحسن حالًا؛ لأنه ما عَدِم أن يكون ذا حسٍّ نقديٍّ إنسانيٍّ فِطريٍّ حُرٍّ، غير معلَّب، ولا مبرمَجٍ، ولا مؤدلَج. ذلك أن أُمَّ الدواهي تولد عندنا مع التعليم نفسه؛ من حيث هو تعليم يكاد لا يُعلِّم، بل وظيفته العظمى أن يُجهِّل، ويُبرمِج، ويُؤدلِج، ويُعسكِر. وأيُّ تعليمٍ عربيٍّ لا يؤدِّي هذه الوظيفة «الوطنيَّة» موصومٌ بالخيانة لمواريث الآباء والأجداد، في معالجة عقول الناشئة، لكيلا ينفلتوا ممَّا وجدوا عليه آباءهم، الذين حافظوا على ما وجدوا عليه أجدادهم، وهكذا إلى ما شاء الله. ومن هنا ربما مسخ التعليم العربيُّ السويَّةَ الإنسانيَّةَ والسُّنن الكونيَّة في التغيير والتطوُّر والارتقاء. حتى لينشأ ناشئ الفتيان فينا على ما كان قد تجاوزه أبوه! لأن تعليمنا في أكثره ليس تعليمًا بالمدلول السليم، يبعث على التفكير والنقد والاكتشاف والإبداع؛ فتلك محرَّمات، خطيرة على السِّلْم الكهنوتي، أو الأمن الكهوفي، لكنه تعليمٌ يُرغِم الطفلَ والشابَّ على الحِفظ، والترديد، والاتباع لما توارثه الأسلاف، حذو القُذَّة بالقُذَّة، وإذا استطاع التفوُّق على الأسلاف في هذا المنهاج الضأني، فنِعِمَّى يفعل. فالضأن أكثر أنواع الحيوان تمثُّلًا لقِيَم القطعان، حتى لو ألقى أوَّلها نفسه من حالق، لتتابعت في آثاره جميعًا. ولعلَّ الوعي الجمعي العربي إنما اكتسب هذا السلوك خلال حِقب معايشته الطويلة للقطعان في ثقافته الرعويَّة العريقة!
هو تعليمٌ موجَّهٌ، كما أن الإعلام إعلامٌ موجَّه. تعليمٌ يستهدف الذهن والروح، لتحويل الإنسان إلى محض تُرسٍ في جهاز، أو زنادٍ في سلاح، كما أن الإعلام يهدف إلى عسكرة الناس وتجييشهم للوقوف على جبهةٍ ما، وتطبيعهم على الانقياد والطاعة العمياء. ذلك أن الإعلام العربي، بدوره، هو، في صورته السائدة مع استثناءات نادرة، حرفة الكذب والتضليل، وقلب الحقِّ باطلًا والباطل حقًّا. والمشتغلون بهذا النوع من الإعلام ليسوا سِوَى سحرة فرعون الجُدُد. ويتجلَّى هذا أفضحَ ما يتجلَّى حين يغدو مطيَّة الطاغية المستبد، والطاغيةُ المستبدُّ لا يحتكم إلى قِيَمٍ أخلاقيَّةٍ أو حضاريَّة، بل إلى المصالح المتقلِّبة، والبراجماتيَّات الحربائيَّة؛ من حيث هو على مذهب (باول يوسف جوبلز)، وزير الحقيبة السياسيَّة في عهد (أدولف هتلر)، الذي كان: كلما سمع كلمة «ثقافة» تحسَّس مسدَّسه. ومن هنا لن يُجدِي أن يحمل المرء هنا أعلى الشهادات، وهو بتلك التركيبة الذهنيَّة، وفي مثل هذا الواقع الموبوء، فاعلًا أو مفعولًا به، يُلقَّح بأمصال فاسدة، منذ أن يستهلَّ، بُكرةً وأصيلًا.
أ.د/ عبدالله بن أحمد الفَيْفي

أترك تعليق أو مشاركة

من الأرشيف

أترك تعليق أو مشاركة