“ثمن صرخة ”يعيش الملك حسين – ترجمة : بروفيسور : حسيب شحادة – جامعة هلسنكي

منوعات ….
ترجمة ب.  حسيب شحادة- جامعة هلسنكي ….
في ما يلي ترجمة عربية لهذه القصّة التي رواها إبراهيم بن الكاهن خضر (فنحاس) بن إبراهيم الحفتاوي (الحبتئي) (١٩٥٥- ٢٠٠٦، موظّف كبير في شركة التأمين منوراه، رئيس لجنة العاملين فيها لمدّة طويلة، من الكهنة الشباب البارزين في نابلس وحولون، عمِل قليلًا في كنيس حولون الصغير، وفي لَجْنة الطائفة هناك، أوّل من نقل حساب التقويم السامري إلى برمجيات في الحاسوب) بالعبرية، ونُشرت في  الدورية السامرية أ. ب. – أخبار السامرة، العددين ١٢٢٨-١٢٢٩، ١ شباط  ٢٠١٧، ص. ٣٠- ٣٣، ١٢٣٤-١٢٣٥، ١٥ آذار ٢٠١٧، ص، ٤٠-٤٣.
هذه الدورية التي تصدر مرّتين شهريًا في مدينة حولون جنوبي تل أبيب، فريدة من نوعها: إنّها تستعمل أربع لغات بأربعة خطوط أو أربع أبجديات: العبرية أو الآرامية السامرية بالخطّ العبري القديم، المعروف اليوم بالحروف السامرية؛ العبرية الحديثة بالخطّ المربّع/الأشوري، أي الخطّ العبري الحالي؛ العربية بالرسم العربي؛ الإنجليزية (أحيانًا لغات أخرى مثل الفرنسية والألمانية والإسبانية) بالخطّ اللاتيني. )

”الملك حسين يساعد الطائفة
”كنت ولدًا وفتىً، كبُرت وصِرت أبًا لبنتين حسناوين كوالدتهما، ميراڤ ومعيان، وطَوال كلّ هذه الفترة ولغاية اليوم، هنالك رُكن دافىء في قلبي حِيالَ الملك حسين. كان عمري اثني عشر ربيعًا عندما نقلَنا الوالد خضر، رحمه الله، أنا وأشقائي من نابلس إلى حولون. قضيت حتى الآن ستّا وعشرين سنة في منظومات التربية والتعليم والانخراط في المجتمع الإسرائيلي في دولة إسرائيل، أعيش في المجتمع السامري الشابّ في حولون؛ أعمل لإعالة أُسرتي المتزايدة في شركة تأمين، وأُشارك اجتماعيًا وسياسيًا في مناسبات الفرح من جهة والترح من أخرى في مجتمعنا وفي المجتمع المحيط بنا.
مع كلّ هذا، هنالك ركن دافىء في الفؤاد إزاءَ الملك حسين. قد تضحك، أعرف سامريين كُثرًا وربّما أكثر من ذلك من غير السامريين في دولة إسرائيل، الذين يكُنّون الاحترام للملك حسين. ربّما لأنّهم يقارنون كفاح دولتنا من أجل البقاء على قيد الحياة، في وَسَط الأقطار المجاورة، وبين كفاح الملك حسين المتكرّر للحفاظ على حياته. أبي خضر (فنحاس) وعمّايَ الكاهنان، عطا الله (نتنائيل) وفضيل (إيتمار) كانوا يحكون لي قِصصًا كثيرة عن الخير العميم الذي صنعه الملك حسين للطائفة السامرية في نابلس. اشترى أرضنا المقدّسة على جبل جريزيم من أصحابها العرب وأهداها لنا، هبّ لبناء بيت الكاهنين الأكبرين الشقيقين، واصف (آشر) وخضر (فنحاس)، ابني توفيق (متصليح)، الذي تهدّم من جرّاء فيضان الأمطار. قصّوا عليّ، وعيونهم مُشرقة، كيف تمكّن الملك من الفِرار بطائرته بعيدًا عن طائرتين سوريتين مقاتلتين طاردتاه لإسقاطه.
هذه قصّة واحدة من ضمن قصص كثيرة أخرى، كانوا يقصّونها عنه، وهم يُدخّنون الأرجيلة والعائلة مجتمعة حول المنْقَل في ليالي الشتاء القارسة.  بإمكانك أن تتصوّر كيف قدّرنا عاليًا تكريمه لنا كلنا،  ممثلي الطائفة الذين قدِموا إلى عمّان عام ١٩٧٧ لتقديم التهاني للملك لمناسبة مرور خمسة وعشرين عامًا من الحُكم. اليوم في العام ١٩٣٣، يكون قدِ ٱجتاز احتفال سنة الأربعين لحكمه. سُرّ الكثيرون مثلي بنبأ شفائه من مرضه؛ إنّ الله يكون مع من يساعد السامريين. هذه حقيقة، أتعرف أيّ زعيم آخر مثله، يواصل الجلوس على كرسي العرش لمثل هذه الفترة الطويلة، على الرغم من كلّ المحاولات لاغتياله؟ لا علمَ لي بزعيم كهذا. عندما كنت ولدًا في نابلس، كنّا، كلّ الأولاد نخرج إلى الشارع عند تحليق طائرة في سماء نابلس، ننظر إلى الأعلى بلهفة، إذ أن تحليق طائرة من على نابلس في تلك الأيّام، كان بمثابة ظاهرة نادرة؛ صفّقنا وردّدنا ”طارت طيّارة – بجنحين، فيها دينا والملك حسين“، ودينا كانت زوجة الملك حسين الأولى، بعدها تزوّج من طوني جردينر الإنجليزية، فمن علياء التي قضت [إثر سقوط المروحية التي كانت تقلّها في الأردن عام ١٩٧٧، ولدت في القاهرة عام ١٩٤٨من عائلة طوقان النابلسية الأصل] فزوجته الحالية نور الحسين. هذا الأسبوع فرِحنا بمشاهدة الملك حسين، وهو يبتسم بارتياح نحو نجله عبد الله [من زوجته البريطانية] وعروسه حديثة العهد.

أداء التحية للملك حسين في السينما
تبجيل الملك حسين كان شأنًا رسميا. عندما كنا نذهب إلى قاعة السينما، كانت صورة الملك تُعرض في البداية، وعلى رأسه الكوفية المرصّعة أو قبعة البيسبول، وعندها وقفنا كلنا احترامًا له وردّدنا مع الجوقة التي في خلفية الفيلم: عاش الملك!  بعد عرض الصورة جلس كلٌّ في مكانه وبدأ الفيلم. أذكر كيف كان الجنود الأردنيون ذوو الخوذات مستدقّة الرؤوس يقفون في المعابر ويحرِصون على إجراء مراسم الوقوف الدائمة. هناك من أدّى التحية العسكرية للصورة كما فعل الجنود.
أذكر أيضًا، بعد حرب العام ١٩٦٧ [في الأصل: حرب الأيّام الستّة]، عندما انتقلنا إلى حولون، كنت أقف في المرّات الأولى التي ذهبت فيها إلى السينما، حال انطفاء الضوء عند ابتداء الفيلم. كنت استغرب كثيرًا لماذا لم يشاركْني أحد في الوقوف. صيحات وشكاوى الذين جلسوا خلفي، أوضحت لي جيّدًا أنّ لا نيّة في حولون لعرض صورة الملك حسين في بداية الفلم.

فيلم فريد الأطرش يُثري عارضيه
هذا يقودني إلى القصّة التي أسرُدها عليك. سمعتها من عمّي فضيل (إيتمار) ومن الكاهن عوني (إلعزار) ومن آخرين. لو لم تكن هذه القصّة طريفة، مسلية، لما قصصتها عليك. كلاهما، عمّي فضيل بن إبراهيم، وعوني بن الكاهن غزال (طابيه)، كانا في مجموعة كبيرة من مجايليهم الشباب في أواخر سنوات خمسينات القرن العشرين. عُرف عمّي فضيل بروح دعابة متطوّرة. دأب على استغلال كلّ مناسبة لنشر الكثير من الضحك والتسلية وأحيانًا على حساب الغير، وبدونه ما كانت المجموعة كما هي.
ذات يوم انتشرت إشاعة في نابلس حول وصول فيلم جديد للمطرب الدرزي الشهير، المقيم في مصر، فريد الأطرش. فيلم  فريد الأطرش، كان بمثابة عيد للجميع، وفيلم جديد معناه احتفال للمعجَبين به. عندما كانت دار السينما في نابلس تعرِض فيلمًا لفريد الأطرش، فهذا كان يعني ضمان الدخل لأسابيعَ كثيرة من العرض فالقاعات كانت تعِجّ بالمتفرّجين.
أفراد شِلّة الشباب السامري، أمّنوا لأنفسهم التذاكر سلفًا، وبعد ضجّة كبيرة اتّخذوا أماكنهم في القاعة، وبحوزتهم كيس ورقي كبير فيه كيلوغرام من المكسّرات. ما جرى في ما بعد، صادق عليه كل الرجال المعنيين. لا أدري ماذا جرى لعمّي فضيل، إذ أنّه بضع ثوانٍ قبل إطفاء أضواء القاعة، أخذ كيس المكسّرات وأفرغه في حِضن صاحبه عوني بن الكاهن غزال الذي بجانبه. انطفأتِ الأنوار، فعُرضت فورًا صورة الملك حسين. وقف الجميع أمامَ أعين الجنود المراقبين. أنشدت الجوقة: عاش الملك. عوني ابن الكاهن غزال لم يدْرِ ما يفعل، إذا استمرّ في الجلوس فسيُعاقب وإن قام واقفًا فستنتثر كل المكسّرات على الأرض.
”ما لك، قف!“، حثّه عمّي فضيل. بدأ الجنود بالاقتراب منهم، وقف عوني. هذا ثمن: ”يعيش الملك حسين“.

أترك تعليق أو مشاركة

من الأرشيف

جديد صوت العروبة

أترك تعليق أو مشاركة