أما زِلْتَ تسأل : لِمَ أحببته ؟! بقلم : د . سمير محمد ايوب

فن وثقافة ….
بقلم : سمير ايوب – الاردن
ألأنه هادئ ، عاقل ، مجنون أو لأنه … لست أدري . ولا أُريد أن أدري . لم إنجذبتُ إليه وبت أشتاقه وأهفو إليه ؟  ألا يكفي أن قلبي لم يقاوم تسلله ؟ ألا تكفي جرأته ، ألتي فتحت لي الكثير من النوافذ ، على الحياة كما يجب أن تعاش ؟
أتاني بلا نداء ، وبلا سابق ميعاد ، ودون أن يعلم بأني في إنتظاره .
دون أسباب أحببته . أجهل ما أُحب فيه . أهو المُستَظِلُّ وراء إبتسامته ، نظراته ، الفضة في مفرقه ، ما يستتر خلف غضبه ، أوالمستوطن في  فرحه ؟  ثورته ، جنونه ، دموعه أو ضحكاته ؟ لست ادري ولا أريد .
فأنا لم أحبب فقط تلك الضحكة الساحرة التي تطلقها عيناه الحادة . ولكني أحببت معها ألقلب ألذي نبتت في أرحامه . رأيت في دواخله وخلفها ما لم يستطيع غيري أن يبصره . سمعت روحي  وقلبي ، بكل المعلن من حواسه . وأدرك عقلي كل المسكوت عنه منها . إستوعبها وإحتوى ما بداخلها من أرواح .
بِتُّ أنتظره في كل مكان ، في أدغال وسادتي ، في ثنايا صمت ليلي وصخب وحدتي ، فوق أوراقي وبين أحرفي . دندناتي تحفظ كلماته عن ظهر قلب . فيتردد شجنها حنينا إليه .  عندما أفرح أجده سعيدا . وعندما أبكي لا يخجل من ضعفه ودموعه . يحتويني . يضمد جراحي ، ليجفف دموعي في كل الفصول .أجد نقوش  أصابعه ، موشومة في كل مكان ، حتى لو غاب .
كم مضى علينا ؟
لا تسل يا شيخي . وجدنا أنفسنا في بعضنا . فتوقف عد السنين . أتراها أياما ، سنينا ، قرونا ، دهرا ؟! لست أدري ولا أريد .
وتسأل بصمت يا شيخي ، عما أفتش فيه ؟
إلى أن يقضي الله أمرا كان مفعولا ، اقول : كل شئ . عندما قررتُ أن أمضي إليه ، عبر كل الطرق والمعارج المتاحة ، إخترت الحب أو قل أن  الحب هو من إختارني . من وقتها وأنا أراه في كل شيء . يقبع في أصغر التفاصيل .
بت أنظر الى الجامدة قلوبهم ، بالقتل أو بالتصحر أو بالكبرياء ، فأشفق عليهم متسائلة : كيف ، لِمَ لَمْ يختاروا الحب ؟! هل ذاقوه فعجزوا عن مقتضياته وعن تبعاته ؟ أم جهلوه فماتوا وهم أحياء ؟!
الحب يا شيخي ليس مجرد لعنة ، أو طريق أحادي الإتجاه ، بل رزق واسع طيب من الله . والله كما تعلم ، يحب الشاكرين الحامدين .
فلله الحمد ، من قبل ومن بعد .

لِمَ أحببتها ؟ (2)
نعلمُ أنها لم تَسْتَبْقِ لأحد سِواها شيئا . إنْ كانت واحدة مِمَّنْ نَظُنْ ، أو كانت هي مَنْ نَظُنْ ، قُلْ لَنا ما حَبَّبَكَ بِها يا شيخنا ؟ وفي مَنْ حَوْلك الأجملُ والأصغرُ والأكثرُ ثقافةً وحَسَباً ونَسَبا ؟ وبكل ما أوتِيَتْ من كُهْنٍ وتضاريسٍ ومواهب ،كررت سُؤْلَها مُلِحَّة ، ولكن بحذر مبالغ فيه : لِمَ لِمَ يا شيخنا ؟
كنت أنتظر سؤالها . فأجيبها بلا تردد ، وأنا أعضعضُ أحرفي  : تالله ما كنت بباحثٍ عن حسب أو نسب أو كيس مال أو دفقَ جمالٍ أو أغلِفَةِ كُتبٍ مصفوفة .
فتشتُ عنها كثيرا . نبَّشتُ وبَحْبَشْتُ كل المطارح . سرت فوق جمر التَّوْقِ وحيدا . كان الشباب بكل مدنه وقراه ، يُعانِدُني ويَمضي ، بعيدا في كل مساربه . كنتُ راضٍ و صُبحيَ يرحل . مُبتَسمٌ  وعصافيري بلا انشراح ، ومساءاتي تَنِزُّالذبولَ ، صمتاً وصقيعا .
حين طَلَعَتْ ، كنتُ مُحْتَلاًّ بشئٍ من الموت وشئٍ من الرحيل . مختنقا بعصافيرٍ وبصقورٍ لم تَعُدْ تقوى على التحليق . مُكتظا بسفنٍ لا تقوى على الإبحار .
وإلتقيتها دافئةً بلا إختيار . نَسَجَتْها الأقدارُ بصبرٍ ، من تلاقيح غيمِ العمرِ ، ورعدِ سُلطةِ الكُنْ  . جاءَتْ فأصلحتْ ورمَّمَتْ ، إمرأةٌ كلُّ ما فيها جميل . تُقيم فيها كلُّ النساء . وجهٌ فخمٌ أنيقٌ مثلَ فلقِ الصبح . غير مزدحمٍ بالمُحَسِّناتِ والدهانات والإكسسوارات . تكتفي بالقليلِ من الكُحل ، وأحمر الشفاه الهادئ . سَرَتْ في القلب وعَرَجَتْ . أذابَتْ في الروح أُنْسَ الحياةِ ونَشوَتِها. أحبَّها القلبُ . فَلَمْ يُبْصِرْ الكثيرَ مِن تضاريسها الخارجية . أخفيتها في نفسي  ، خوفآ عليها من الإختطاف أو ألإغتيال . وهي بطبعها مُقِلَّة . فتجاوزت كثيرا محنة الثرثرة عنا . .
أقمنا متجاورين ، في كل المدارج والمعارج والمضارب . وأعدنا ترتيب أولوياتنا . تحدثنا مطولا بقول على قول . ولم ينته لنا قول . رسمنا ولَوَّنا لوحاتِ حياتنا بريشتين . لم أكسر ريشتها ، ولم تصادِر ريشتي . عَزَفْتُ بأصابعَ ثابتةٍ ، تمايلت مع معارج موسيقايَ ، وتَثَنَّتْ ورقَصَتْ ، بكل ما أوتيَتْ من نشوة . تهامسنا بمنظوماتِ شفاهنا . معا صرخنا ، بلسانٍ وقلبٍ وشفتين . لم يُجَفِّفَها تَصحُّرٌ أو قَحْطٌ أو قَحيطٌ مُفْتَعلٍ ، ولم يَخْنُقني إرواءٌ مُفْرِطٌ . مُبْكِراً تَدَجَّنَ القلقُ ثم تَبَدَّدَ . وإستبد اليقينُ بلا ظنونٍ تَخذِلْ ، وبِلا ظنونٍ تَظْلِمْ . ومع تَمَدُّدِ السكينة ، إتسعت أرحامُنا لِنُطفةِ حلمٍ بِكْر . فإنْتبَذْنا مَكاناً قَصِيّا . تَوَحَّمْنا معا هناك . وقاسينا آلامَ المخاضِ هناك . وهناك هزَزْنا معا ومطولا ،  جذعَ النخلِ والتينِ والزيتونِ والتوتِ والرمان .
بقلبها الجامح إحتلت كل مشاهدي . وإلتمَسَتْ لِيَ الأعذارَ في كل فصولي . تَعشقُ القيامَ بكل تفاصيلِ أدوارها كشريكة. إرتوى قلمي في مضاربِ عينيها فإستكان . بالوصالِ أيقظته من غفوته . ليكتمل مع بوحها الصامت . فتوالدَ لها حرفا طازجا ، تلو حرف والف حرف . فلا تأتي أطيافها أو ظلالها ، إلا لتمنح حرفي بدايات الحياة من جديد .معها عاد نهرالوقت يتدفق . ويجري جريَ السحاب .
قالت متسائلة : لَوْ لَمْ تِكُنْ ؟
سارعت لأقطع عليها التذاكي ، فقلت : لأنامَ بهدوءٍ بعيداَ عن ثرثرةِ وِسادتي ووساوسِ الصمتِ ، سأسألُ عنها لتكون .

أترك تعليق أو مشاركة

من الأرشيف

جديد صوت العروبة

أترك تعليق أو مشاركة