الحلم برتق الواقع في “الحبِّ وليالي البوم” لرشاد أَبو شاور

اصدارات ونقد …
بقلم : أحمد أبوسليم – فلسطين المحتلة …
لا بدَّ أَنَّ ثمَّة فرقاً كبيراً بين ثلاثة أَنواع من الكتابة الرِّوائيَّة، الأَوَّل هو الرِّواية المتخيَّلة مكاناً وأَحداثاً، حيث يستطيع الكاتب في هذا النَّوع من الكتابة، أَن يطلق لمخيِّلته العنان، فيختلق المدن والقرى، وقد يخرج أَحياناً إلى أَبعد من ذلك إلى ما هو مسحور، أَو إلى الكواكب والسَّموات، والنُّجوم، وغير ذلك، ويختلق أَيضاً الحدث بكلِّ تفاصيله، والنَّوع الثَّاني من الكتابة الرِّوائيَّة هو نوع يستند جزئيَّاً إلى المكان المعروف، ويتَّكئ على الحدث التَّاريخي المعروف، فيعيد توظيفه، من أَجل خلق عالم روائيٍّ منبثق عن هذا الحدث، يدور في هذا المكان بعينه، وهذا النَّوع لا بدَّ أَن يكون أَكثر تقييداً عادة، لأَنَّ الكثير من مصداقيَّة الكاتب أَحياناً تتوقَّف على معرفته بالمكان، والحدث، وطريقة توظيفه.
وفي لزوم ما يلزم إن جاز التَّعبير ثمَّة نوع ثالث من الكتابة الرِّوائيَّة وظيفته إعادة كتابة التَّاريخ بطريقة روائيَّة، شيِّقة، تمتلك كافَّة العناصر الفنيَّة، والزَّخم الرِّوائيِّ، وهذه الكتابة بالذَّات ستكون عرضة دائماً للنَّقد الحادِّ، لأَنَّ التَّاريخ هو من أَكثر الأُمور المُختلف عليها بين البشر، ورؤيته متوقِّفة على الزَّاوية الَّتي تنظر من خلالها إليه، هذا عدا عن ضرورة التَّدقيق في هويَّة من يكتب التَّاريخ، إن كان ضحيَّة، أَم قاتلاً، ظالماً أَم مظلوماً، مستغِلَّاً أَن مُستغَلَّاً.
ليس ثمَّة من يختلف على أَنَّ رشاد أَبو شاور كتب روايتيه الأَخيرتين: وداعاً يا زكرين، والحبُّ وليالي البوم، قاصداً هذا التَّاريخ بالذَّات، أَو التأريخ إن أَردنا التَّعبير بصورة أَدقّ، فهما سيرة ذاتيَّة بامتياز، لكنَّهما مع ذلك روايتين بامتياز أَيضاً.
تعتبر روايته “الحبُّ وليالي البوم” الصَّادرة عن دار الشُّروق مؤخَّراً، الجزء الثَّاني المتمِّم لرواية “وداعاً يا زكرين”، وإن كان في الرِّواية الأُولى قد توقَّف عند لحظة نكبة فلسطين عام 1948 وتهجير أَهلها، ومنهم رشاد نفسه، الَّذي خرج من ذكرين- الخليل، فقد واصل في روايته الثَّانية “الحبُّ وليالي البوم” مسلسل مصير هؤلاء المهجَّرين، وما جرى حتَّى عام 1958، وكلُّ الظنِّ أَنَّه سيواصل هذه السِّلسلة الرِّوائيَّة وصولاً إلى الوقت الرَّاهن، أَو على الأَقلِّ حتَّى خروج المقاومة من بيروت، الَّذي أَسَّس لكلِّ هذا الحاضر.
ما الَّذي يفعله الرِّوائيُّ حين يعيد كتابة التَّاريخ؟ ما الَّذي يريده من هذا التَّاريخ؟ ولماذا عليه أَن يعيد كتابته من جديد على طريقته؟
لا شكَّ بأَنَّ التَّاريخ الَّذي يكتبه رشاد روائيَّاً هو تاريخ مختلف، وهو أَيضاً تاريخ مُختلف عليه، خصوصاً في ظلِّ الماكينة الإعلاميَّة الهائلة الصُّهيونيَّة الَّتي اخترقت حتَّى الوعي العربيَّ وتحاول العبث به.
لن نخوض في هذا المقال البسيط في الدَّوافع السِّياسيَّة، فتلك ساحة مختلفة، لا شأن لنا بها على الأَقلِّ هنا، بل سنخوض في العوامل الثَّقافيَّة، البُنى المؤسِّسة، لوعي الكاتب من جهة، ووعي المتلقِّي من جهة أُخرى.
لا معنى لأَيَّة كتابة تخوض في الماضي دون أَن تعيد إنتاج هذا الماضي كي تؤسِّس للمستقبل.
ثمَّة إذن هنا خطَّان متوازيان في التَّدوين، وهما خطَّان من الصَّعب أَن يلتقيا، الخطُّ الأَوَّل هو التَّدوين الَّذي يخطُّه القاتل عن الضحيَّة، والخطُّ الثَّاني هو التَّدوين الَّذي ما فتأت الضحيَّة تحاول إنتاجه، وإخراجه إلى حيِّز الوجود كخط منافسٍ حقيقيٍّ للأَوَّل، وقد كانت الرِّواية كفنٍّ ميداناً واسعاً لهذين الخطَّين، هذا عدا عن أَن لكلِّ خطٍّ من هذين الخطَّين الكثير من الظِّلال الَّتي تتداخل ما بينها إلى درجة أَنَّنا لا نعود نميِّز بين الأَصل والظلِّ.
من المعروف عن رشاد أَبو شاور التصاق كتابته الرِّوائيَّة والقصصيَّة، وحتَّى مقالاته السِّياسيَّة بفلسطين وتطوُّرات الأَحداث على ساحتها، ومن المعروف عنه أَيضاً أَنَّ له بوصلة واحدة ، يقيس عليها كلَّ الاتِّجاهات هي فلسطين.
لماذا إذن يأتي مشروع رشاد الرِّوائي، في هذا الوقت، الَّذي أَنجز منه روايتين حتَّى الآن؟
إنَّه محاولة جادَّة برأيي لإعادة إنتاج الماضي ليكون في مواجهة خراب الحاضر، فالماضي بكلِّ مآسيه كان محوره الرَّئيس هو الصِّراع مع العدوِّ الَّذي اقتلع البشر من فلسطين وشرَّدهم، وقتلهم، ونكَّل بهم، ووسط كلِّ هذا الموت كانت المواجهة لا تتوقَّف، فأَنتج الواقع العربيُّ أَبطالاً لم تسلَّط عليهم الأَضواء وسط دويِّ الهزيمة.
إن كان عنوان مرحلة ما بعد أُوسلو ووادي عربة، وقبلهما كامب ديفيد، هو إعادة بناء الثِّقة بين المُحتلِّ والمُحتلَّ، ونسيان ما جرى، وإنزال السِّتار عليه، ما جعل الكثير من المثقَّفين يتهافتون نحو بناء العلاقات، ومدِّ الجسور الثَّقافيَّة مع ثقافة المحتلِّ، وترويج الاحتلال لهذه الثَّقافة، وهؤلاء المثقَّفين، فقد حاول رشاد في روايته، بل في روايتيه، أَن يقرع ناقوس الخطر، أَن يعيد إحياء الماضي، ليضعه مباشرة في مواجهة الحاضر..ولن يكون ثمَّة من هو أَقدر على هذا الفعل منه، هو الَّذي عاش ذلك الماضي بتفاصيله الدَّقيقة، وكان جزءاً منه، ومن المقاومة فيه، وكان شاهداً على كثير من مراحله، وفي الوقت ذاته يمتلك أَدواته الفنيَّة المكتملة ليعيد صياغته.
رشاد لم يكتب تاريخاً بالمعنى الحرفيِّ للكلمة، بل كتب رواية مكتملة العناصر الفنيَّة، مستخدماً شخصيَّات حقيقيَّة تماماً، بما فيها هو ذاته، دون مواربة، ودون تغيير في الأَسماء، ولا في الأَماكن، ولا في الأَحداث، أَعاد إنتاج الماضي على طريقته الفنيَّة، وحاول رأب الكثير من التَّصدُّعات فيه، وكأَنَّه يقدِّم هذا الماضي بكلِّ بشاعته، ولكن بكلِّ التَّفاصيل الجميلة الَّتي قد لا تلفت الانتباه وسط الخراب العامِّ، ليقول لنا، إنَّ هذا الحاضر هو حاضر مشوَّه ولا يمكن له أَن يكون وليداً شرعيَّاً لهذا الماضي.
أَعتقد جازماً أَنَّ هذا المشروع سيتقدَّم أَكثر، باتِّجاه هذا الهدف….إن لم تخنِّي البديهة، وقدرتي على الفهم.

أترك تعليق أو مشاركة

من الأرشيف

أترك تعليق أو مشاركة