أربع قصص قصيرة(رجل على الهامش)- بقلم : بكر السباتين

القصة ….
بقلم : بكر السباتين …
(1)
(رجل على الهامش)
انقطعت تداعياتُ الخوف في رأسه الذي اخترقتهُ رصاصةٌ طائشة، وهو قابع بأمان في برّاكيته التي سترت فقرَهُ المدقع. لم يسال عنه أحدٌ في حياته سوى رصاصة طائشة فتشت عن مكانه المتواري في ظلال الغياب والإهمال؛ فاهتمت به ولبت له النداء. قُتل الرجلُ المُهَمَّشُ في حرب لا عنوانَ لها؛ تتحكم بها رعونة أبناءِ الذواتِ وهم يطلقون الرصاصَ في أفراح كأنها المواخير التي تدور فيها الكؤوس، وتميد أرضُها بالمخمورين؛ وهم يطوِّقون أعناقَ الغواني بدنانير منهوبة، ومصبوغة بعرق الكادحين المهملين!!. صاحبُ البراكية أراحَ بموتِه وزارةَ التنميةِ الاجتماعيةِ التي لم يُدخَلْ في قوائمها؛ لينحجبَ بالتالي عن قوائم حقوق الإنسان. لكن الرجلَ في محصلة الأمر مات مبتسماً بعد طول معاناة.. لأنه استراحَ من الرياء المتفشي؛ ولغط الأصدقاء الغائبين عند الحاجة، وثرثرتهم الجوفاء لو صادفوه في الطريق، كأنها قادمةٌ من قاع بئر فارغ!! لم تباغته الرصاصة كما يبدو؛ لأنه كان في الانتظار!
(2)
(رجل على الهامش)
(بين الحجلة والصياد)
يشهرُ بندقيةَ الصيدِ باتجاه حجلةٍ كانت تلتقط حباتِ القمحِ كي تطعمَ صغارَهَا. الطلقةُ مهيأةٌ في بيتِ النارِ، وإصبعُ الصيادِ على الزنادِ، والوقتُ يداهمهما، ويحاصرهما في ثواني.. ثم ينخطفُ ذهنُهُ إلى سؤالٍ ألجَمَ تفكيرَهُ، وجمَّدَ أطرافَه.
“كيف سيطعم حجلةً ينتظرُها صيصانُها الملوّعين في عشٍ قريب لأطفاله الجياع”؟!! الزوابع تتبأر في نقطة السؤال والخريق يجلب إلى رأسه الخوف واليباب.. فانخطف الصيادُ إلى هذهِ الفكرةِ التي قيدَتْ أوصالَه.. وبدأت هدنةُ الثواني بين الصيادِ والضحيةِ.. حتى اختفت الحجلةُ كأنها دموعٌ سالت على قدمه المترددة فتبخرت، وانهار الصياد؛ كأنه سيغيّر مهنته.
(3)
(أرواح هائمة)
كأنَّها في رحلةِ بحثها عن الأمل الموعود في طلاسم الغياب قد أشبعت نفسها بالأحلام.. لم يعانقْها الحزنُ وهي في رحابة الكون المترامي.. فأحست ببهجةِ الطيور في السماء.. واستعادت في حفاوةٍ من الأملِ كلَّ ابتساماتِها المكبوتة.. ربما لأنها وجدتْ ضالةَ صاحبِها الذي افترقت عنه قبيلَ لحظات!!.. أمله الموعود الذي أنهكه مذ وُلِدَ حتى ملازمتِه الفراش:
” ابتغي الحرية والطيران دون حدود”
ولكن!! يا لفوات الأوان! فماذا تفعل الروح الحميمة بالأملِ وصاحبها منقطع الأنفاس!!؟.
تحايلَ الموتُ عليها بالرجاءِ؛ وانقضى أمرُ صاحبِها الذي مات مفترقاً عنها إلى الأبد.. فتحلمُ الروحُ باستعادته من الغياب الممتد مع الكون الفسيح! فلا رجاء!..
ترفرف من حوله كطائر فقد أمه:
“فراقنا أبدي أيها الجسد المهجور إلا من الديدان”
فتعود الروحُ إلى رحلتها الأبدية في سماء تأنف النوافذَ والأبواب!
(4)
(المفقود الموجود)
نُفخَ الرجلُ إلى درجة التعظيم..يقتلونه بنيران الأنا .. فيطير كالبالون في سماء مفتوحة وبدون بوصلة.. يعلو فارغاً.. يتقزم العالم من تحته.. وحينما يشدّ مادحوهُ الحبلَ المعقودَ به إلى أرضِ الواقع؛ سيقول:
“ها هم يتشبثون بفكري.. يقودهم الظمأ إلى ينابيعي في القفار”..
فيرمي إليه أحد الخبثاء حجراً بلسانه الحاد:
“هل تشبثك بالهواء المحبوس في البالون غنيمة أيها التافهُ المغبون!!”.
ثم يردف ضاحكاً ملء شدقيه بسخرية:
” يتشبثون بك لأنهم يخافون عليك.. ألا ترى بأنك أخف وزناً من الهواء المنتشر في سماء ليست لك وحدك!! تنقبض قلوبهم كلما تصوروك هائماً في متاهات الغطرسة وتلافيف الضياع! تمسك بالحبل الموصول بقلوبهم الواجفة.. تمسك وقل :
“يا الله”.
وأخيراً ينهي الرجل عبارته لينضم إلى الرجال المنهمكين في سحب صديقهم بالحبل المشدود بالمحبة وقلوبهم مشغولة بالدعاء.

أترك تعليق أو مشاركة

من الأرشيف

جديد صوت العروبة

أترك تعليق أو مشاركة