(يا جبل اللي بعيد خلفك حبايبنا) قصة : بكر السباتين

القصة …..
قصة بقلم : بكر السباتين
توسدت سلمى ذراعَ والدها الذي بللته بدموعها السخية.. وأحست وهو يحتضنها برفق كأن والدتها تتوسد قلبه الشفوق الذي لم يباعد بينهما الفراق رغم موتها البعيد القريب، وكان بوسعها سماع صوته الشجي الملتهج بالدعاء بعد كل صلاة:
“رحمها الله فصورتها تحتل كل الأماكن التي تحيط بنا، وتتملك أفئدتنا، عبقها يأبى يا ابنتي الرحيل من بيننا، كأنها ياسمينة الدار وهي تظلل الحديقة فتتسلق السنديانة المتوارية التي غرسناها معاً”..
كان خفقان قلبه المحفول بالذكريات الطيبة، يبوح بخلجات والدتها، وهي تبارك رغبتها بالزواج من الممرض عزام الذي تحب وتهوى.. بقامته المديدة ووجهه المورق بابتسامة لا تفارق محياه، ونظراته المنفتحة على الحياة بكل ما في التفاؤل من عبق يغمر الأنوف ويحيي القلوب، كأنه نخلة تعج بأعشاش الطيور من فرط شهامته ومحبته للناس.. ذلك الشاب اليافع الذي كانت تعرفه والدتها حق المعرفة وهو يتناوب على راحتها أثناء مرضها في المستشفى الحكومي، وكأنه من افراد الأسرة.. وها هو الهذيان يطوف بسلمى في امكنة مهجورة حتى شعرت بالوحدة والضجر، فتستسلم للبوح كأن فيه خلاصها، وطيف والدتها يقف أمامها يائساً، يستمع إليها حتى النهاية دون أن يفعل لها شيئاً:
” الزمن تغير يا أماه، ووالدي يريدها مني زيجة تتجاوز اعترافي لزوج المستقبل عزام بالحقيقة المرة! لا يريد بأن يطرأ في الأمر ما يعكر صفو علاقتي بحبيبي الذي اختاره قلبي الواجف المهزوز؛ حتى يتم الزواج ولو على غش.. أما أشقائي سامحهم الله فقد تكاتفوا مع الشيطان لمنع هذه الزيجة! لا يريدونها يا غاليتي لأنني صفقة مربحة بالنسبة لهم، سيرثون من بعدي الدكان الذي ورثته منك يا أعز الناس.. ودروبي إلى الغياب مفتوحة وتلح عليّ بالرحيل.. يفعلون ذلك بشتى السبل؛ كي لا يرثني الجبيب عند الموت الزؤام، فطريقي إليه سالكة كما تعلمين ورحابك في الغياب تنتظر طلتي”.
هذه المرة كان نشيج بكاء والدها مسموع إلى درجة الحرج بعد أن طوى سجادة الصلاة، كانت سلمى قد تسللت إليه لتريح رأسها المصدوح على ركبته، وجعلت تتمرغ على حجره وفي جعبتها مواضيع كثيرة لا بد من طرحها عليه، الأمر لا يحتمل التأجيل، لكن والدها خلص فخذيه اللتين أصابهما الخدر من تحت رأسها المتعب بعد أن تلمس غايتها، نائياً بنفسه إلى الشرفة كي يختلي بنفسه مع أحزانه؛ لكنها لم تتركه هذه المرة، ولحقت به كي تنقل إليه قرارها في أن تعترف لحبيبها عزام بمصابها حتى لا يتحول الزواج إلى مكيدة محبوكة بمسلة الشيطان! خرجت إلى والدها الغارق في أحزانه تغني له أغنية فيروزية كانت ترددها والدتها على مسامعه قبل أن يطوي الغياب أثرها الطاهر:
“يا جبل اللي بعيد خلفك حبايبنا
بتموج متل العيد و همك متعبنا
إشتقنا لمواعيد بكينا تعذبنا
يا جبل اللي بعيد قول لحبايبنا
بعدو الحبايب بيبعدو بعدو الحبايب
عجبل عالي بيبعدو و القلب دايب”
وكأنها كوت قلبه فاستسلم للبكاء وهي مسترسلة بالغناء. لكن المصيبة التي باغتتها هي تلك المكالمة الغامضة التي غافلت فرحها.. حبيبها في الجانب الآخر يضرم النيران في الهشيم! إذ باغتها بصوته المتوتر:
” لا بد من فسخ الخطوبة يا سلمى؛ فلدي الأسباب الموضوعية لذلك”.
قال ذلك ثم استلبه الصمت..
ماذا!!..
أيتحرر بكل بساطة من الحب الذي جمع بينهما طويلاً!
هل حقاً ما كانت تتناقله الألسن في أن عزام كان يبدل حبيباته كالخاتم في أصابعه العشرة كما أشاع عنه أشقائها فكذبتهم حينذاك!!
لماذا كانت تثق به إذاً!
وكانت الأسئلة الجارحة تدمي قلب سلمى بقسوة:
” هل كنت ألعوبته التي توجب عليه نفضها من حياته كالغبار!أم أن أشقائي صارحوه بالحقيقة الموجعة في أنني مصابة بمرض العضال، فلم يحتمل أن يقيم حياته مع مريضة أوشكت على الموت..
معه حق! فالموت سيطويني على عجل قبل أن أصل إلى أول قبلة موعودة بيننا؛ حينما نحل لبعضنا.. لن أبكي بعد اليوم ما دمت سأطيع أشقائي بمراجعة مركز السرطان! ولتهنأ بحبيبة أخرى يا عزام متمنية لكما السعادة!”.
أخذت سلمى تمسد عينيها الجميلتين الكحيلتين بإبهامها ثم تمرر أناملها على شعرها الحريري بارتعاد:
” هل ستفتقد هذه الخصل من شعري يا عزام، لا ريب أنك تتذكرها وقد أدهشتك نعومتها ذات يوم، وها هي في طريقها إلى الجز بفعل العلاج بالكيماوي! أم..! لا بأس يا عزام، على الأقل فلولا أنها جاءت منك مبادرة قطع الوصال؛ لبادرت إليها أنا شخصياً وقد قررت الأمر قبل مكالمتك بدقائق.. الزواج قسمة ونصيب”.
وفي اليوم التالي كانت جولة سلمى مع الكيماوي أقل وطأةً من ألم الفراق لحبيبها الذي ودعها بمكالمة مبهمة وقاسية..
” أإلى هذا ىالحد هي الحياة قاسية كئيبة! فكيف يدوس ذلك الحبيب على قلبي دون أن يفصح لي عن الأسباب! يوجه إليّ سهامه بغتة فيقول بأنه لا يحتمل الزواج مني ولا يحسن الاستمرار في طريق خداعي!! واحسرتا”..
خرجت سلمى محمولة على أكتاف شقيقيها يتقدمهما رجل متهالك من الألم كان يصلي لله كي يحفظ ابنته الجميلة:
” ليتني أموت قبلها”.
وبغتة..
الرياح في الخارج تفزع الأشياء وتحدث قرقعة غير معتادة، والأبواب تغلق على المرضى من شدة البرد، ثم يعقب كل ذلك هدير رعد مدوي، ثم هطول زخات من المطر أخذت تشطف القلوب وتريح الأنفس، سوى سلمى التي كانت غارقة في الخوف، وتبحث في ذاكرتها الآفلة عن صورة الحبيب الخائن الذي تركها في أصعب الظروف!
لكنه القدر الذي دفعه أمامها فجأة، هذه المرة كأنها السماء أمطرت قمحاً فوق بيوت الصفيح التي يتلمس المحرومون الأمان في أركانها.
حبيب قلبها عزام جاء يسأل عنها متلهفاً مفجوعاً، عيناه غائرتان وفي وجهه صفرة الموت كمن شارف على السقوط في هاوية الغياب! ما الذي يجري وقد اندفع إليها باكياً كالصغار!يسابق الرياح التي تدفقت عبر بوابة المستشفى إلى الممرات وصولاً إلى غرفتها، وها هو يرتمي على صدرها النابض والحرقة تأكل قلبه المكسور:
“أهذه أنت يا حبيبتي!”
لكنها همست له معاتبة:
” كنت سأعترف لك بمرضي قبل إعمالك السكين في قلبي! ها أنا كما تراني عاجزة! ولن تجد عندي مفاتن الحياة ومتعتها.. مجرد رقم علق على هذا السرير”.
لكن الصدمة التي خلعت قلبها من جذوره، جاءت من طلب الطبيب إليهما بإلحاح:
” الآن دورك يا عزام.. الأجهزة معدة لك.. هيا إلى جلسة الكيماوي!!”
ربت حبيبها على كتفها وقد اغرورقت عيناه العسليتين بالدموع، همس بصوته الواهن:
“كنت سأعترف لك بمرضي، نعم رفضت إتمام الزواج حتى لا تغمرك التعاسة بعد فراقي، ولم أكن أدري بأن مصابنا واحد، علمت بالأمر لتوي من موظفة الاستقبال، دهشت حينما لمحتك تساقين إلى الطوارئ فيصاب قلبي بالهلع.
آه يا سلمى.. في عينيك بريق حياة تأنف الغياب، فراشة الود تتهادى على شموعهما كأنه الشفاء العاجل يرف بأجنحته حول وجهك الملائكي الجميل، أنا سعيد بوجودي معك، ولن نفترق ما دام نبضي يسري في جسدك المتماسك يا مهجة الروح”.
هذا ما كان سيبوح به عزام لحبيبته سلمى:
“نعم أنا مصاب بمرض العضال، السرطان ينهش مثانتي، كارثة وجدت أن أتصدى لها لوحدي! لكنني ومنذ اليوم سأستمر معك في حياة يحاصرنا فيها الأمل، سنواجه السرطان بقلوب مؤمنة.. لن أخاف منذ اليوم ومعركتنا في الحياة واحدة”.
لا تدري سلمى كيف انتعش قلبها بالأمل وامتلأ بالرجاْ، وعزام يغادرها بعد أن ضغط على يدها فأكسب جسدها المنهك طاقة وحياة، فيما أعجبتها حبيبات المطر وهي تسيل على النافذة العالية كأنها تفتح شرايين المستقبل وتغذيها بالأمل الذي تواصلت زخاته المرعدة في سماء المدينة الرمادية.. ثم لمع بريق عيني والدتها في الغرفة عبر النافذة المشطوفة بالمطر الذي همى على قلبها الملتهج بالدعاء مدراراً.
“الله يشفيك يا عزام”.

أترك تعليق أو مشاركة

من الأرشيف

جديد صوت العروبة

أترك تعليق أو مشاركة