كيف خانَ الهرُّ الأمانة..؟ بقلم : ابراهيم يوسف – لبنان

سخرية كالبكاء …

بقلم : ابراهيم يوسف – لبنان …
حبيب قلبي أبو عامر
تسامرَ الصديقان ليلاً طويلا، وتحادثا في الثقافة العامّة بفيضٍ من الفطنة والمودّة والإدراك، وتطرّقا في الحديث إلى الزراعة والصناعة والتجارة، وإلى الشعر والأدب والهندسة والرياضيات، وتناولا قصيدة “أنا الشعب” بتجردٍ وأمانة خالصة، وكيف ينحني القضاء والقدر ويركع أمام حريات الأمم..؟ واستعرضا في الحديث قسوة الحرب والإرهاب وفسادَ السِّياسة وأهلها، وتدنّي مستوى المعيشة ذات الصلة بالأوضاع القائمة في  البلاد.
تناقشا أيضاً في الفلسفة وأدب الرحلات، واتفقا بوحيٍ من “رحلة ابن فطومة” أن الخلاص إنما يبلغه الأفراد دون الجماعات، وتباحثا بالاشتراكية والرأسماليَّة والإسلام، وأيّ الأنظمة أجدى في معيشة المواطن وإدارة المرافق العامة..؟ وأخيراً تداولا في توظيف الأموال المُجمَّدة، وعقدا العزم في نهاية الجلسة، على المشاركة في تجارةٍ حرَّة، تَوَقّعا أن تدرَّ عليهما أرباحاً  طائلة.
هكذا زيَّنَ الهِرُّ لصاحبه خلال السهرة المؤنسة، حلاوة العيش في الأحلام، وأهميةَ التجارةِ الحرَّة والمبادرة الفرديَّة والكَسْبِ الحلال، وأقنعَه بالمهارةِ والمنطقِ والبرهان، كيف تتحول الأحلام إلى حقيقة لا تقبل الشكّ أو النقاش، وكيف يجنيان أرباحاً تفوقُ ما يتصورُه الخيال، فيغدوانِ بين ليلةٍ وضحاها من كبار التجار وأشهر رجالِ الأعمال.
ثم ناقشا تفاصيل تجارة شفرات الحلاقة إلى أفغانستان، وتوقعا أن تدرَّ عليهما هذه التجارة أموالا هائلة، حيث يستأجران السفن وعربات النقل، ويشحنان فيها أصناف البضائع إلى مختلف أنحاء الكون. *”كما كان يحدث في سهرات أقاربنا وأهلنا وأحبة قلوبنا من أكرم وألطف الناس..؟” ممن كانوا يحلمون كثيرا بالتجارة الواسعة يجوبون بها أطراف الدُّنيا، فيسهرون ويعبرون المحيطات بسفنهم حتى مطلع الفجر.. وفي اليوم التالي لا يستفيقون من نومهم قبل حلول العصر.
وما يجنيه الصديقان من الأرباح..؟ يجوبان به الدنيا يبدِّدانه على الهوى والشباب، والرحلات الممتعة مع الإناث الفاتنات. وفي ختام السهرة تصافحَ الطّرفان وتمّ الاتفاق بينهما على التجارة، على أن يتعهد الكلبُ بتأمينِ المال، ويتولى الهرُّ إدارةَ الأعمال. وهكذا كانَ الشريكانِ صبيحة اليوم التالي في طريقهِما للتجارةِ في بعضِ الدِّيار؛ والمالُ بحوزةِ الهرِّ المدير، حينما أغواه الشيطانُ وحرَّضه أن يغدرَ بشريكِه ويسلبَه المال.
قالَ الهرُّ لصاحبِه بِمَسْكَنَةٍ ودهاء، وهو يضعُ يدَه على كتفه ليطمئنه إلى سلامة نواياه: فلنفترقْ ها هنا يا حبَّة قلبي وصديقي..؟ لعله إنِ افترقنا يتضاعف حظُّنا في العثور على فرص لم نحسب لها الحساب..؟ كأن يجدَ أحدُنا أو كلانا تجارةً نافعةً في الطريق، فنحصد مزيداً من الربح الوفير، ونعود فنلتقي في ضواحي المدينة، قبل غروب الشمس عند الأصيل.
لكنّ الكلبَ صاحب الضمير الحيّ والنّوايا السليمة الصافية؛ قال لشريكه: سنضيعُ إن اختلفتْ بنا الطريق..؟! والهرّ  طمأنَ بال صاحبه وهو يداهنُه ويرد عليه فيقول: لا.. لا تخفْ أبداً لن نضيع، ما دام الله قد أنعم على كلينا بحاسة شمٍّ لا تُخْطىء أو تخيب..؟ سيتعرَّف كلانا إلى دربِ صاحبِه من رائحةِ بولِه على المفارقِ، وعندَ المنعطفات على الطريق.
وهكذا افترقَ الشريكانِ ومضى كلُّ في سبيل. حمل الكلبُ الأمانة ووفى بالتزامه في تنفيذ الاتفاق، فكان كلّما دَعَتْه الحاجةُ..؟ يرفعُ إحدى قائمتيه الخلفيتينِ ليبوِّلَ على حيطانِ المفارق، لكي يستدلَّ شريكُه إلى الدرب الصحيح. وأمَّا الهرُّ..؟ فكانَ كلّما دعتْه حاجته إلى التّبَوُّل والتبريز..؟ يحفرُ جورَةً غائرة في الأرض، فيقضي حاجتَه فيها، ويروحُ يطمرُ مخلفاتِه بسرعة فائقة؛ وحرصٍ على الطمرِ العميق.

(*هل كان المتنبي يعني أحدا..؟ وهو يقول في السفن أروع ما قيل التاريخ، عندما تحدث عن أمانيه.. وخيبته مع الريح..!؟ ويبقى الرد على السؤال من مسؤولية د. أحمد شبيب الحاج دياب صاحبي وصديقي وحبيب قلبي.. وحسب. أو فليتحوّل بالسؤال إلى عديله مروان، وقد واكب المتنبي في الطريق إلى البكالوريا يوم كان يدرس في لبنان.)

أترك تعليق أو مشاركة

من الأرشيف

جديد صوت العروبة

أترك تعليق أو مشاركة