موزارت الإنسان( دراسة موسيقية سياسية اقتصادية ) ترجمة : محمد عبد الكريم يوسف : مراجعة سوسن علي عبود

دراسات …
تأليف مجموعة من الباحثين في مؤسسة ” الموسيقيون العظام وموسيقاهم”
ترجمة : محمد عبد الكريم يوسف
مراجعة سوسن علي عبوّد
حياة الرجل وموسيقاه
تتضمن هذه الدراسة في أجزائها الثلاثة عرضا لما يلي :
1-حياة موزارت وموسيقاه .
2-دراسة معمقة لأوبرا ” الفلوت السحري “.
3-دراسة معمقة لأوبرا ” هكذا يفعلن جميعهن “.
مقدمة :
كتب غوتفريد فون جاكوب في ألبوم موزارت في 11/ نيسان / 1787 م قائلا عنه: ” الحب ! الحب ! الحب! الحب قلب وروح العبقري موزارت .” وفي إحدى المقاطع الجميلة تذكر أوبرا الفلوت السحري أن ” الحياة تعتمد فقط على الحب .” الفكرة الأساسية للفلوت السحري هي الحب فقط ولا شيء غير الحب ؛ ليس فقط بين الأفراد بل بين جميع المخلوقات . وتظهر أصالة موزارت الإنسانية من خلال تصويره للشخصيات في الأوبرا. لقد استطاع السيد موزارت أن يخترق قلوب الناس جميعا ويعبر عن مشاعرهم بالموسيقا .
شخصية موزارت :
موزارت ماسوني نشيط آمن بمبادئ النظام الماسوني وانطلق ليكون مدرسة لقلوب جميع الناس ومعلما للحب الإنساني والتآلف والإحسان والإخلاص وسائر الصفات الإنسانية الأخرى . قال عنه أحد إخوانه الماسون بعد وفاته : ” ..لقد كان الزوج والأب والصديق الصدوق والأخ الودود. كان يفتقد المال الذي يؤهله ليجعل مئات الناس سعداء كما كان يتمنى …..”
لقد كان موزارت متمردا أيضا .  قَبِلَ أبوه تقاليد وقيم المجتمع في ذلك الوقت على الرغم من سعة ثقافته ومعرفته بالحياة الإنسانية والثقافية لكن الابن موزارت رفض هذه القيم المجتمعية وكان دائما يقول :”…..إن القلب وحده القادر على جعل الإنسان نبيلا . أنا لست كونت ولكن الشرف الذي يعشعش في داخلي يجعلني مثل أي كونت …” كان موزارت الطفل حساسا وعاطفيا . كان يسأل عازف الترومبيت دوما إن كان يحبه ، وإذا جاء الجواب ” لا ” كان الطفل موزارت يبدأ بالبكاء ، بالمناسبة عازف الترومبيت أحد أصدقاء عائلة موزارت المقربين . واستمر هذا الغمر العاطفي معه طوال حياته . ربما ساعده هذا الشعور على فهم الناس والتعاطف معهم .
كان موزارت يكره التعالي والتكبر والعجرفة . كتب ذات مرة لوالده : ” أتوسل إليك يا والدي العزيز أن لا تتوسل هكذا . ” وكان أيضا يتمتع بإحساس شديد بالنكتة وخاصة النكتة الخشنة ويظهر ذلك من خلال رسالة كتبها إلى ابنة عمه ماريا ثاكلا موزارت  الملقبة باسل . كتب عنها ذات مرة : ” ..إنها حساسة وجميلة ومحبة وذكية ومرحة . نناسب بعضنا البعض بطريقة مدهشة وهي شقية مثلي أيضا….”
بقي موزارت شقيا نوعا ما طوال حياته ، لكنه داخليا كان عطوفا وكريما. وعندما أصيب صديقه ميسلفيسك المؤلف الموسيقي البوهيمي بالسفلس  ، زاره موزارت رغم خوفه من العدوى وتأثر بمصابه تأثرا بالغا. وفي إحدى المرات كان أخ صديقه جوزيف هايدن مخمورا وغير قادر على اتمام عمل موسيقي بدأه لصالح كنيسة سالزبرغ ، فقام موزارت بتأليف قطعتين موسيقيتين على الكمان والفيولا وأرسلهما إلى الكنيسة باسم هايدن . وكان موزارت يعزف كثيرا في الحفلات الموسيقية الخيرية ويقرض الناس المال حتى في أيام الفاقة والحاجة الماسة .
أحب موزارت الحياة الاجتماعية والتزم بها وكان لديه الكثير من الأصدقاء من الجنسين في مدينة سالزبرغ. لم تكن مغازلته لابنة عمه ماريا ثاكلا موزارت الملقبة باسل  شيئا جديدا أو علاقة حديثة . لكنه في الثاني والعشرين من عمره وقع في حب عميق مع ألويزا أويبر ، ابنة مستشار مدينة مانهييم ، وعمرها ستة عشر ربيعا . كانت ألويزا مغنية وممثلة موهوبة وصوتها كما كان يقول ” يدخل القلب ” دون استئذان فألف لها عدة مقطوعات وخطط أن يطور حياتها الفنية والموسيقية عن طريق قيامهما برحلة .
وبعد عودته إلى مانهييم بعد إقامة ثلاثة أشهر في باريس أخبرته ألويزا أنها لم تعد تهتم به فانكسر قلبه . لكنه سرعان ما ألغى مشاعره نحوها وجلس إلى لوحة مفاتيح الأرغن وغنى ” سأترك الفتاة التي لم تعد تحبني .”
الانتقال إلى مدينة فيينا :
عاد موزارت إلى سالزبرغ وحيدا وحزينا . فقد خُدع كثيرا بتصنع المجتمع الفرنسي الباريسي وصُدم عميقا بالموت المأساوي لوالدته هناك . ولم يستسغ الحياة في سالزبرغ في خدمة القس كولوريدو الأوتقراطي . لكنه سرعان ما شعر بالسعادة الغامرة لدى تلقيه دعوة لتأليف أوبرا  لقصر ميونخ فقد كان يطمح للحصول على منصب دائم هناك .
كانت أوبرا ” ايدومينو ” أعظم عمل لموزارت فقد أُخذت قصتها من التراث الإغريقي الجميل . نصها الايطالي وسمو موسيقاها  من خصائص الأوبرا سيريا لم يمنعا الشخصيات من الظهور كمخلوقات بشرية  بعواطف عميقة جياشة. لقد اتبع موزرات التقنيات الموسيقية الحديثة في تقديم الكورس . في رباعيته الشهيرة كوارتيت ، الفصل الثالث ، تظهر العواطف المتناقضة بالتناوب بين الشخصيات الأربعة  وهي ” الشعور بالوحدة ” و ” الحب ” و ” القلق”  و ” الغيرة ” . لقد سُرّ موزارت كثيرا بهذه الرباعية  ولكنها لم تستهوِ المغني العجوز أنطوان رائيف الذي غنى الدور الرئيسي في الرباعية . وشعر بالغيظ لأنه حُرم من أداء الأنغام الإضافية ولكن موزارت الذي يقدر الرجل العجوز ويجله كتب مقطوعة غنائية إضافية تناسب قوى العجوز الواهنة . سُرّ رائيف سرورا بالغا بالمقطوعة الغنائية الجديدة  وشعر وكأنه ملك : ” لقد كان يغنيها ليلا قبل أن ينام وصباحا عندما يستيقظ ” .
وعلى الرغم من أن أوبرا ” ايدومينو”  كانت عملا ناجحا جدا إلا أنها لم تمهد له الطريق للحصول على منصب دائم في القصر. وبعد مضي ستة أشهر ، أي في عام 1781 م وبعد سلسلة من المشاغبات العنيفة في الكنيسة وخصوصا مع خادمها الكونت  أركو ، انفصل موزارت أخيرا عن بلاط  سالزبرغ وأسس لنفسه مدرسة فيينا حيث أمل أن يحصل على دخل من التعليم والعزف في  الحفلات الموسيقية والتأليف الموسيقي. في البداية كانت التطلعات نحو المستقبل جيدة  فقد حقق طموحه في تأليف أوبرا ألمانية للمسرح الوطني الذي أنشأه الإمبراطور جوزيف الثاني لتمثيل الدراما الألمانية .
لقد اختار موزارت  فكرة القرن الثامن عشر  الشعبية موضوعا لأوبراته فمثلا  نجد عمله الجميل ” الهروب من حريم السلطان الشرقي ” حيث تكون البطلة كونستانز وخادمتها بلوند أسرى لدى حريم السلطان التركي . ثم يقوم حبيب كونستانز وحبيب بلوند بإنقاذ الفتاتين من الأسر . لكن حارس السلطان الوغد عثمان يقوم بالإمساك بهما ثم إدانتهما بالموت . لكن السلطان لدى معرفته بحكايتهما يشفق عليهما ويعفو عنهما . وهذا يشرح لنا مثال  عصر التنوير لديه أو ما نسميه في مصطلحات المسرح والشعر والنثر ” الوحش النبيل ” .
لقد تألم موزارت كثيرا وتعب  حتى يستطيع التعبير عن مشاعر شخصياته بدقة بالغة . قال لوالده ذات مرة كيف عبر  عن حب بلموند لكونستانز : ” …لقد أشرت إلى القلب الخافق باستخدام كمانين يعزفان بالتوافق والتناوب. إنك تشعر بالرجفة واللعثمة  ، وترى أيضا كيف يبدأ الثدي بالانتفاخ . لقد اشرت إلى هذا الموقف بواسطة الكمانين الأوليين الذين يصمتان ليبدأ  الفلوت بالعزف بالتوافق والتناوب …..”

الحب والزواج :
تعد مقطوعة ” الحريم ” سيرة ذاتية لموزارت . تقوم هذه الأوبرا على أساس التحرر من الظلم والدكتاتورية وتدور فكرتها حول الحب الرومانسي . فقد تحرر موزارت لتوه من سيطرة الكنيسة وظلمها البغيض ومن خادمها أركو ( ربما قصد به عثمان ) ثم تزوج موزارت كونستانز الأخت الصغرى لحبيبته السابقة ألويزا  بسرعة وسرية وضد رغبة والده . وقد تمرد على والده ورغباته وهذا التمرد شهد مرحلة هامة من تطور موزارت الذاتي والثقافي .
نرى أراء وأفكار موزارت حول الحب والزواج واضحة  في رسالة كتبها إلى صديقه الذي تزوج امرأة ثرية حين يقول : ” أنا لا أحب هذه الطريقة في الزواج والناس والنبلاء بالميلاد لا يتزوجون للميل أو للحب ولكنهم يتزوجون من أجل المصلحة أو لاعتبارات ثانوية أخرى …..”
وقد وصف موزارت حبيبته بطريقة عادية جدا حيث يقول :” إنها ليست بشعة. يتألف جمالها إجمالا من عينين سوداوين وقدٍّ ممشوق . ليست ذكية ولكنها تمتلك المؤهلات التي تمكنها من أداء واجبها كزوجة وأم ..”
لقد كان زواجه سعيدا ومستقرا نوعا ما رغم وجود الغيرة من الطرفين . فقد كانت كونستانز تغازل الرجال وتطري عليهم وكان موزارت يحب مرافقة النساء المثقفات .  ثم انتشرت الصالونات الأدبية في مدينة فيينا في القرن الثامن عشر  بعد أن أخذت هذا التقليد من المجتمع الباريسي وكانت هذه الصالونات مراكز هامة للحياة الثقافية والاجتماعية . وعندما وصل موزارت إلى هناك في العام 1781 م كانت الموسيقى قد حلت محل ورق اللعب في أوقات التسلية وكانت النساء تحترم وتقدر محبي الموسيقا .
وقد كان من بين هذه السيدات الكونتيسة ذان التي كان موزارت يتردد على منزلها بشكل دائم وقد وصفها موزارت قائلا : ” إنها إحدى أكثر النساء التي عرفت جمالا وبهجة ومحبة ….”
الأصدقاء في فيينا:
كان لموزارت الكثير من الأصدقاء والأعداء وخاصة أولئك الذين يدعمون العصبة الإيطالية  في البلاط الإمبراطوري . كان المؤلف الموسيقي أنطون ساليري يتزعم العصبة الإيطالية وقد حاول أن يقتل موزارت بالسم لأنه كان يغار من هذا الفتى المتمرد القادم من مدينة سالزبرغ  والذي عُرف كعبقري موسيقي رائع فاعتبره ساليري تهديدا قويا له ولمركزه في البلاط . وفي عام 1785م صار للعصبة الايطالية حظوة في البلاط فأغلق المسرح الألماني وفي هذه الأثناء كان موزارت يبحث عن نص أوبرا مناسب في الأوبرا الهزلية الإيطالية  لبعض الوقت  فاقترب من أحد شعراء البلاط لوزرنزو دي بونت واقترح عليه أن يتشاركا في اعداد أوبرا زواج فيغارو لبيوماخياس .
حصلت هذه المعزوفة على نوع من الاستحسان في باريس لكنها منعت في فيينا بسبب محتواها الثوري  فقد أظهرت فساد الطبقة النبيلة  وقد حاول دي بونت أن يقنع الامبراطور بأن يقدمها كأوبرا باللغة الإيطالية نظرا لأن الكثير من سكان فيينا لن يفهموا محتواها أو الرسالة التي تقدمها  . ورغم ذلك فقد وجدت الكثير من العراقيل من جهة الرقابة. لقد قامت العصبة الإيطالية بقيادة ساليري بتنظيم عصابات سرية ضدها ولهذا السبب لم تقدم سوى تسع مرات  ذلك الصيف. وفي الشتاء التالي تم تقديمها في مدينة براغ حيث حصلت على نجاح عاصف. كتب موزارت إلى جاكوين قائلا : ” الناس هنا لا يتحدثون إلا عن فيغارو  ولا يلفت نظرهم إلا أوبرا زواج فيغارو .” مدينة براغ على الرغم من كونها عاصمة موسيقية بحتة  إلا أنها كانت مركزا للأفكار المعادية للإقطاع وقد استمتع الناس بأوبرا زواج فيغارو لأنها كانت تنتقد فساد الطبقة الأرستقراطية. يومها علق موزارت قائلا : ” إن أهالي وسكان براغ يفهمونني ” .
في السنة التالية ، عاد موزارت إلى براغ لتقديم دون جيوفاني التي كتبت خصيصا من أجل هذه المدينة ، وقد أقام موزارت مع المؤلف الموسيقي فرانز داسك وزوجته جوزيفا المغنية الموهوبة في فيلا جميلة بالقرب من المدينة وقد ذكرت زوجة موزارت كونستانز كم بقي موزارت من الساعات متيقظا بسبب الشرب والقصص الخرافية حتى استطاع انهاء المقطوعة الموسيقية أوفرتشر في موعدها لتقدم لأول مرة . هناك قصة أخرى عن جوزيفا داسك التي أقفلت الباب عليه في الحديقة حتى انتهى من تأليف المقطوعة الموسيقية التي وعدها بها والطريف في الأمر أنه أقسم أنه سيدمر تلك المقطوعة إن لم تقرأها بشكل صحيح في حضوره .
لم تلاقِ معزوفة دون جيوفاني في فيينا الترحيب الذي لاقته في براغ وقد علق عليها هايدن قائلا : ” إن دون جيوفاني ليست مخصصة لمواطني فيينا وإنما هي مخصصة لمواطني براغ .” ومرة أخرى انتقد موزارت ودي بونت أخلاق الطبقة الأرستقراطية الفاسدة لذلك لم تشعر الطبقة النبيلة نحوها بالارتياح.
لقد كان عام 1787م حزينا بالنسبة لموزارت  فقد شهد وفاة والده ليوبولد في مدينة سالزبرغ عن عمر يناهز 68 عاما كما شهد وفاة صديقين لموزارت هما الكونت فون هاتزفيلد عازف الكمان الماهر الذي شارك في رباعية موزارت ( الكوارتيت) وسيغموند برازاني الطبيب الذي عالج موزارت خلال فترات مرضه. لقد حزن موزارت حزنا شديدا على الثلاثي الذي رافقه فترة طويلة في حياته رغم أن معتقداته الماسونية تقول أن الموت هو هدف الوجود وأن كل ولادة جديدة تعني موتا جديدا وقد أدى ذلك إلى هبوط في معنوياته .
كانت سنوات موزارت الأخيرة حافلة بالمرض والبؤس والحظ العاثر فقد واجه مصاعب مالية عديدة بسبب سوء إدارته وتطلعاته الماسونية . ثم مرضت كونستانز ، وبدأ مزاج جمهور فيينا بالتغير وفشلت أوبراته الإيطالية في إدخال البهجة والسرور إلى نفوس الناس وقلّ عدد رواده وتلامذته ولم يبق بجواره إلا البارون فان سوتين . هذا الوضع البائس أدى إلى توقف التأليف الموسيقي الجديد.
بدأ الأصدقاء بالاختفاء من حوله ، وفي نهاية عام 1790 م وغادر جاكوين فيينا وسافر هايدن إلى إنكلترا وعاد أصدقاء موزارت الانكليزي ستيفن ونانسي إلى وطنهما . غنت نانسي ، المغنية الجميلة  التي تسحر العين والروح ، دور سوزانا  في فيغارو وقبل أن ترحل ألف لها موزارت  تحية الوداع وهي مقطوعة دافئة على البيانو عزفها بنفسه وأهداها إلى مولي ستورس وأنا . ربما كان مغرما بها حد الجنون . افتقد موزارت الصديقين الانكليزيين كثيرا، وأعرب في غير مرة عن رغبته الجامحة  في السفر إلى إنكلترا للفرار من فيينا وجحيمها فقد كان الجو هناك مشحونا بأجواء الثورة الفرنسية وساد الصمت حتى في المقاهي التي يكثر فيها الكلام . وبدأ الناس ينظرون للماسونية بعين الشك والريبة وعدم الارتياح لدرجة أن الكثيرين تخلوا عن المعتقد بمن فيهم  صديق موزارت فون بورون .
بقي موزرات وحيدا في فيينا وحوله عدد قليل من الأصدقاء مثل فون سوتين ومايكل بوشبرغ التاجر والصراف الذي ساعده ماليا وحاول دعمه بشتى الطرق كونه يحب الموسيقا. لقد أهداه موزارت العديد من الأعمال الموسيقية وفي إحدى المناسبات دعاه هايدن لحضور  معزوفة ” هكذا يفعلن جميعهن ” التي حضرها الامبراطور بنفسه وهذا الأمر ساعد موزارت في اعادة التحسن لوضعه الفكري والمالي لكن الإمبراطور الذي يحب الموسيقا توفي بعد تقديمها للمرة الأولى بفترة قصيرة في عام 1790م وبوفاة الإمبراطور أغلقت المسارح وتوقفت الموسيقا .

موقفه من النساء:
تجلى موقفه من النساء في معزوفة ” هكذا يفعلن جميعهن ” التي كانت عابثة و هجمومية على المرأة وعالم النساء وربما كان ذلك هو سبب نجاحها أكثر من بقية الأوبرات الإيطالية. على سبيل المثال ، وجد الكونت زنزندروف ” زواج فيغارو” مملة وغير جذابه لكنه دوّن في مذكراته أن موسيقا أوبرا ” هكذا يفعلن جميعهن ” ساحرة ومسلية ، وأضاف أن موسيقا موزارت تنقل الأفكار بطلاقة وسحر جميل وتحولها إلى بيان ورسالة  عن العلاقات الإنسانية والحالات التي يتعرض بها الرجال والنساء على حد سواء للانتقاد .
تعد أوبرا ” هكذا يفعلن جميعهن ”  نقدا للمواقف التقليدية تجاه النساء والزواج . فنساء الطبقات العليا في المجتمع تعد دائما أدوات لهو هدفها الوحيد إسعاد الرجال وإدخال السرور والمرح والتسلية إلى قلوبهم أما نساء الطبقات الدنيا فكن مجبرات على القيام بالخدمات والأعمال المنزلية  وكن يُقدن رغما عنهن إلى سلوك طريق الرزيلة ويتعرضن في نفس الوقت للعقاب والنبذ والتشرد . لقد استثنى التفكير الماسوني العتيد  رغم قيمه المثالية المطروحة في المجتمع ” العبيد والنساء والمنحرفين والمارقين وأصحاب الفضائح” من دخول النظام الكوني للماسونية .
لكن النساء بدأن يؤكدن أنفسهن  في الحياة العامة والمجتمع ففي فرنسا لعبت المرأة دورا هاما في الثورة الفرنسية عام 1789م وبعد عدة سنوات تم تأسيس دستور جديد وضع المرأة على قدم المساواة  مع الرجل ( على الأقل على الورق). كانت أفكار المساواة تنتشر في فرنسا . وفي مدينة هامبورغ الألمانية دافع التاجر زينجنهاغن ، الذي أهداه موزارت معزوفة راقية سماها كونتاتا  في العام 1791م ، عن تدريب الرجال والنساء على الأعمال على حد سواء لتتم المساوة الفعلية بين الجنسين .
ونجد في معظم أوبرات موزارت أن النساء تساوي الرجال بالشجاعة والحساسية والذكاء وهذا لا ينطبق فقط على نساء الطبقات العليا مثل كونستانز والكونته الحساسة وإنما ينطبق على باقي النساء مثل الخدم. نجد بلوند تدافع عن عثمان وتعلن أنها امرأة انكليزية ولدت لتكون حرة  ونجد سوزانا تهزم الكونت المتهتك في كل جولة .
ونجد بامينا في أوبرا ” الفلوت السحري ” تقود تامينو في تقليد وعرف ماسوني رهيب عبر الماء والنار وتثبت للجميع أن المرأة  التي لا تهاب الموت يمكن أن تقود الرجل ويمكن أن تكون قدوة في المجتمع وأن الحب الحقيقي يتغلب على الخوف من الموت والأهوال. وفي النهاية نصادف زوجين  رجل وامرأة يسيران في الطريق نحو المعرفة والتنوير ونحو سعادة الجنس البشري في تقليد يمثل الرؤى الفلسفية الماسونية .
في نهاية حياته ، ورغم الفقر والفاقة والمرض أكد موزارت نظرته ورؤيته المتفائلة بالمجتمع المستقبلي الذي يقوم على أساس قيم العدالة والمساواة والحب الإنساني التي كرستها قيمه الماسونية  ، وفي الأغنية الأخيرة من ” أوبرا الفلوت السحري ” نجد بامينا وباباجينو يمثلان نوعين مختلفين في المجتمع ويعبران عن فكرة واحدة مفادها أن:
” الرجل والمرأة  والمرأة والرجل
يمكن أن يصلا في التفكير والعلاقة إلى مستوى الحلولية ..”

أترك تعليق أو مشاركة

من الأرشيف

جديد صوت العروبة

أترك تعليق أو مشاركة