تنور الطين… صناعة أيدي ختيارات أيام زمان – بقلم : نايف عبوش

فن وثقافة ….
بقلم : نايف عبوش – العراق ….
لا زلنا نتذكر بإعجاب، كيف كانت أمهاتنا، وجداتنا، يصنعن تنور الطين أيام زمان، بما تراكم لديهن من خبرة متوارثة. فقد كن يجلبن التراب من تربة طين حر، خالية من الاملاح . ثم يقمن بعجن التراب بالماء بأيديهن، بعد ان يضفن إليه شيئا من التبن الناعم،لكي يتماسك الطين مع التبن، بعد خلطه ، ويتجانس معه تماما، فيشد ازره عند الاستعمال. وبعد ان ينتهين من عملية جبل التراب بالماء ، يتركن الطين المخلوط بالتبن لبضع ساعات، تحت أشعة الشمس مباشرة ،لكي يتشرب بالماء جيداً، ويتجانس تماماً، بعد أن يختمر ،وذلك لتسهيل عملية بناء التنور.
وبعد ان يختمر الطين، تباشر العجوز بصنع التنور. اذ تقوم بتناول الطين المعجون بكفها، قطعة تلو الأخرى ، ثم تمطها بين يديها، بعد ان تبللها بقليل من الماء، ليسهل عليها عملية تشكيلها كما تشاء . ثم تشرع بعد ذلك بالبناء ، وذلك بإقامة أول ساف اساس من قاعدة التنور ، وبشكل دائري، قطعة تلو قطعة، حتى يكتمل بناء أول حلقة من هيكل التنور، بعد أن تكون قد عملت لها فتحة مدورة لدخول الهواء إلى داخل التنور من أسفله، لتسهيل اتقاد السجور، ودفع الدخان إلى أعلى فوهة التنور. ثم تترك هذا الجزء المنجز تحت أشعة الشمس، إلى أن يجف، ويتماسك بشكل جيد ، لتستأنف العمل، وتباشر ببناء ساف آخر، وهكذا .
وتحرص العجوز، وهي تبني التنور، على تضييق حجم كل ساف تال من الداخل، عن سابقه ، وذلك بتقليص قطره قليلاً، شيئا، فشيئاً،بإمالة البناء قليلاً إلى داخل التنور، كلما زاد الارتفاع،ليظهر بشكل مخروط منبعج إلى الخارج، عندما تصل فوهة االتنور، والتي تقوم بتحديد حجمها، بما يسهل إدخال رغيف الخبز، واخراجه منها، بعد أن تقوم ببرمها بشكل جيد، لكي لا تتهشم بسرعة، مع استخدام السفود، لتحريك السجور المتقد، داخل التنور عند الاستعمال .
وبذلك تكون العجوز  قد أنجزت العمل بالكامل، وأكملت صنع التنور ، حيث تقوم  بفحصه، والقاء نظرة شاملة عليه، لملاحظة أي عيوب قد طرأت عليه أثناء العمل، لمعالجتها، واجراء ما تراه من تحسينات عليه،وذلك بملئ أي انبعاجات تظهر لها ببدن التنور، وإزالة كل ما قد علق به من نتوءات عرضية أثناء العمل ، وتسوية السطح الداخلي للتنور بعناية فائقة، وجعله املسا، لتسيهيل عملية لصق، وقشط الرغيف منه عند الخبز . ومن ثم تقوم الختيارة عندئذ بترك التنور في العراء، تحت أشعة الشمس، لبضعة ايام، حتى يجف طينه تماماً، وتتصلب جدرانه.
وبعد ان يجف طين التنور، تقوم بعملية فخر التنور بالنار، حيث تضع الحطب في داخله للسجر، وتضرم النار فيه، وتقوم بتدوير النار بداخله بتحريك السفود من داخل فوهة التنور، ومن نافذة قاعدته، حتى يتجانس توزيع الحرارة بداخله، لكي لا يتفطر،او يتشقق من الداخل. وعندما يتالق باطن التنور، وتحمر جدرانه ، وتتأكد ان عملية الفخر قد تمت بشكل جيد ، تتركه برهة من الزمن، ليبرد قليلا، لتشرع بخبز  أول وجبة عجين جديدة لها، تدشن بها تنورها الجديد.
تلك هي باختصار، طريقة عمل صنع تنور الطين أيام زمان .. الذي أوشك على الانقراض اليوم، أو كاد ، مع زحف العصرنة إلينا بضجيجها الصناعي الجارف،التي حدت بنا لاستبدال تنور الطين، بالتنور المعدني، الذي يتم تشغيله الآن بالغاز.
هكذا كانت الختيارات ايام زمان، كتلة متوقدة من النشاط، والعطاء . فقذ كن يصنعن الخبز، وتنور الخبز، بايديهن. ولنا ان نتصور كم هو لذيذ، طعم خبز تنورهن، وكم هي فواحة، وزكية رائحته، التي افتقدناها، كما افتقدنا نكهة لبن الغنم، والسمن الحر، ودبس التمر الخالص، الذي كن يصنعنه بايديهن المباركة ، بعد أن غزت منتجات الغذاء الصناعي موائدنا، وأفسدت ذوقنا بمنكهاتها الفجة، وبكيمياوياتها الحافظة، وفساد بعضها بطول فترة الخزن . لا شك ان حياة أيام زمان على بساطتها، كانت حلوة حقاً.

أترك تعليق أو مشاركة

من الأرشيف

جديد صوت العروبة

أترك تعليق أو مشاركة