تحليل ثقافي “راجعين بقوة السلاح” بقلم : بكر السباتين

سخرية كالبكاء …
بقلم : بكر السباتين …
فزاعة تخيف موقع “إسرائيل بالعربي” فيستنجد بأغنية “أنت عمري””
قمة الاستخفاف بالعقل العربي حينما يسمي الكيان الإسرائيلي أحد شوارع القدس المحتلة باسم صاحبة أغنية “راجعين بقوة السلاح” المناهضة للصهيونية، كوكب الشرق السيدة أم كلثوم، التي دعت في أغانيها إلى تحرير فلسطين والأراضي المصرية المحتلة من نير الاحتلال الصهيوني وعلى رأسها مدينة القدس القابعة ذليلة تحت أقدام الاحتلال! على نحو: “نشيد الجلاء “، “انا فدائيون”، “ثوار ثوار”، “قم واسمعها من أعماقي”، “أنشودة الجيش”، “الفجر الجديد”، “والله زمان يا سلاحي”، “مصر تتحدث عن نفسها”.. والمنطق يقضي بأن المحتل لا يمنح الأسماء جزافاً إلا لغاية في قلب يعقوب، فأم كلثوم بحد ذاتها ومنذ نشأة الكيان الإسرائيلي  كانت تعتبر بقرة حلوباً للإعلام الصهيوني منذ سبعينات القرن المنصرم حينما كانت الإذاعة الإسرائيلية تبث ساعة كاملة من أغانيها يومياً لتعويد الأذن العربية على الاستماع إلى اسم “إسرائيل” بقلب مفتوح من خلال إذاعتهم الموجهة لصالح الرؤية الصهيونية الاحتلالية، فالتكرار من أسس البرمجة اللغوية والعصبية المعتمدة تقنياً في سياسة الاستحواذ على العقل الباطني وتسويق الأكاذيب وقلب الحقائق، وبالتالي احتلال الذاكرة العميقة والسيطرة على شكل وجوهر المدخلات، هذه حقيقة يتعرض لها عقلنا العربي الجمعي، وأم كلثوم من وسائله الأهم لدى الصهاينة بحيث منحوا أحد شوارع القدس الملطخة بدماء الفلسطينيين البريئة اسمَ من كانت تعتبر كيانهم اللقيط عدواً مبيناً، هذا لعب مكشوف على وتر العواطف.
إنها كوكب الشرق كما كانت تلقب دائماً، ذات الصوت المشبع بروح النقاء الديني الصوفي بوتيرة قومية عربية، وعبق إنساني باعث على الأمل الجميل ومنفتح على الحلم العربي المشرق حتى أدمن عليه الناس بكل مشاربهم واطيافهم وطبقاتهم ومراكزهم. وكانت أغانيها تمثل بالنسبة لكل العرب من الخليج إلى المحيط، مزودة الأمل إبان حرب الاستنزاف، فكانت صاحبة الرصيد الغنائي المؤجج للمشاعر القومية في زمنٍ نكست فيه الأعلام العربية، وخرج صوتها يعلو بالهمم خارج السياق المصري ليحلق عالياً في السماء العربية فغنت أيضاً لأجل العراق “بغداد يا قلعة الأسود”، و”شعب العراق”، ولدمشق غردت :”يا ربى الفيحاء”.
هذه المطربة المتفردة التي كانت تستحوذ على محبة كل عربي يعتد بثقافته العربية حتى من قادة الثورات العربية الخالدة وعلى رأسهم الجزائر بلد المليون شهيد، الخصم اللدود للمحتل الصهيوني الذي بث أغنية “أنت عمري” بمناسبة ذكراها السنوية، من باب الاستدرار  للعواطف العربية المغبونة، عبر موقع “إسرائيل بالعربي” احتفالاً بالمطربة التي أحبت وهي في قمة مجدها كل المدن الفلسطينية التي غنت على مسارحها قبل الاحتلال.. ربما لأن ملحن هذه الأغنية المدهشة هو محمد عبد الوهاب الذي رافق السادات إلى القدس في إطار معاهدة كامب ديفيد المشؤومة، ليمنح في سياق ذلك رتبة لواء في الجيش المصري.. طبعاً الأغنية بحد ذاتها تم تسويقها من خلال صوت أم كلثوم المتفرد الذي بدونه لغمرها النسيان، وكانت لهذه الأغنية قصة طريفة مع بطل الثورة الجزائرية والعدو اللدود للصهيونية هواري بومدين الذي وصل إعجابه بأم كلثوم كما جاء في(بوابة الشروق) إلى حد تدخله شخصياً لحل الخلاف الثنائي الذي نشب بينها وبين الموسيقار محمد عبد الوهاب حول أغنية “أنت عمري ” قبل سقوطه في هاوية التطبيع المهين الأمر الذي  يثبت مدى تعلق العرب بهذه الجوهرة الغنائية التي مثلت صيداً ثمينا أحسن الإعلام الصهيوني استغلاله في زمن السقوط العربي المهين.
من هنا ينبغي علينا أن ندرك ما كانت تتمتع به أم كلثوم من سطوة على الوجدان العربي لامتلاكها ذلك الصوت المتفرد الذي تمكنت بواسطته الارتقاء بالذائقة الفنية العربية إلى مستويات عالية منذ بدايات القرن المنصرم حتى الآن، واستطاعت عبره نشر أجمل القصائد العربية وإخراجها من صناديق التراث العربي بكل أبعاده الفكرية مثل قصيدة “أراك عصي الدمع” التي كتبها في حبسه الانفرادي أبو فراس الحمداني ولحنها القصبجي، وكانت أم كلثوم تتدخل في النصوص لتطوعها فنياً باقتدار، وتغنيها بلغة ميسرة بالتعاون مع عمالقة الموسيقى العربية كالسنباطي وزكريا أحمد، وعبد الوهاب، والقصبجي وبليغ حمدي والموجي وغيرهم، فأصبحت وباقتدار باعثة للطاقة الإيجابية، والمبرمجة العصبية التي أيقظت روح القومية في العقل العربي المنهزم عقب نكسة عام 1967، وقد وصفها الكبار بما يليق بها سواء كانوا زعماء أو كتاب أو خبراء في الموسيقى والغناء، وسأكتفي في سياق هذا المقال بما قالته عنها بعض النخب التي كانت مقربة منها، كما جاء في موقع جريدة الوفد المصرية ، فهذا هو الموسيقار محمد عبد الوهاب يقول:
“أم كلثوم المغنية الوحيدة التي جمعت بين القوة والعاطفة والحساسية في صوتها إنها الصوت الوحيد الذي تمرد على ذلك الميكروفون”.
أما المفكر العربي الكبير د. طه حسين- عميد الأدب العربي فقال:
“إن أم كلثوم بصوتها النادر في امتيازه سواء في الجمال أو في سلامة نطق اللغة العربية ساهمت عندما غنت القصيدة في إثبات جمال اللغة وطواعية موسيقاها حتي في أصعب الكلمات لموسيقي الغناء، وكان لصوتها فضل في انتشار الشعر العربي علي ألسنة العامة والخاصة”.
وأيده الأديب الكبير عباس محمود العقاد في ذلك منوهاً إلى أن:
“مزية أم كلثوم بعد كل ما سمعته من أغانيها هي أنها المطربة الموهوبة التي أثبتت ان الغناء هو فن عقول وقلوب، وليس فن حناجر وأفواه فحسب. فهي تفهم ما تغنيه، وتشعر بما تؤديه وتعطي من عندها نصيبا وافيا إلي جانب نصيب المؤلف والملحن فيقول السامع بحق.. آه”.
ولعل المثير في الأمر هو أن بعض أهم الشخصيات الدينية الإسلامية من أمثال د. مصطفى محمود دافعت عن أم كلثوم وأشادت بأهميتها الثقافية حين قال:
“أم كلثوم في الغناء مثل طه حسين في الأدب.. تمثل العربية في الفصحي.. في الأداء.. والإعراب السليم في الحروف الغنائية.. والجزالة في الصوت والنغم.. وصوتها يشبه في نقائه وشرقيته سلالة الخيول العربية الأصيلة، وهو يتختر في اختيال مثل الخيول في رقصها في أبهة وجلالة وفخامة”.
حتى أنها نالت إعجاب أعظم الرؤساء الفرنسيين حيث قال فيها الجنرال ديجول (رئيس فرنسا السابق) والذي استجاب إبان الثورة الجزائرية لمطالب الجزائريين بمنحهم الاستقلال:
“لقد لمست بصوتك العظيم قلبي وقلوب الفرنسيين جميعاً”.
أم كلثوم بفنها الجميل كانت توحد القلوب على جمال الشعر العربي ولغته الآسرة فتؤجج الروح العربية المقموعة، لتحلق من خلال أغانيها الوطنية الصدّاحة في سماء الحلم العربي الكبير ببناء الإنسان العربي وتحرير فلسطين.
ليغافل هذا العدو المارق الأرعن ذاكرتنا المتعبة باحتفاله المشبوه بسنويتها وذلك بإطلاق اسم شارع مقدسي باسمها وببث أغنيتها الأشهر “أنت عمري ” التي لحنها محمد عبد الوهاب عبر صفحتها “إسرائيل بالعربي”، إنه استغلال بشع ووقح لشعبية أم كلثوم؛ من أجل الاعتياد على وجود “الملاك” الصهيوني في الوعي العربي المضطرب والمعصوف بالأزمات الفكرية والطائفية والسياسية والمعيشية.
ولكن نكبة فلسطين لم تكون في قلب أم كلثوم إلا جمرة ألهبت حنجرتها بالغناء العاصف لأجل فلسطين وما تم احتلاله من مصر حتى قناة السويس.. حيث غنت أم كلثوم بعد النكسة وأثناء حرب الاستنزاف نشيد «الله معك»، وهو من كلمات صلاح جاهين وألحان رياض السنباطي، وتقول فيه:
“راجعين بقوة السلاح..
راجعين نحرر الحمى..
راجعين كما رجع الصباح..
من بعد ليلة مظلمة”.
توفيت أم كلثوم يوم 3 فبراير عام 1975 وكانت عقب انتصارات أكتوبر تبحث عن كلمات تغنيها لنصر أكتوبر ولكنها اشتد عليها المرض وسافرت خارج مصر لتلقى العلاج وقبل سفرها طلبت من الشاعر صالح جودت أن يكتب لها أغنية تحيي بها صناع النصر ويلحنها رياض السنباطى وكتب جودت بالفعل كلمات الأغنية تحت عنوان “قيدوا الشموع ” ولكن المرض لم يمهل كوكب الشرق طويلا فلم تتمكن من الغناء ورحلت قبل تحقيق حلمها بالغناء لنصر أكتوبر.
وهي مناسبة كي أهدي كلمات هذه الأغنية لموقع “إسرائيل بالعربي” كي يتيقن العاملين عليه من أن المشهد الثقافي العربي ما زال حصناً منيعاً في وجه الصهيونية العمياء، وتقول كلمات الأغنية التي حرمت أم كلثوم من غنائها:
قيدوا شموع العيد وغنوا لمصر
وادعوا لها دايما بالعلا والنصر
الله يزيدك منزلة يا مصر
ياللى شبابك من جنود الله
والحرب فى قلوبهم صيام وصلاة
ودمهم عند الشهادة زكاة
زى اللى عزوا الدين فى غزوة بدر
طول عمرهم أحرار ولاد أحرار
متسلحين بالعزم والإصرار
ساعة ما ناداهم منادى التار
قاموا فى شهر الصوم وعدوا البحر
وقالوا دا إحنا نموت وتحيا مصر
يااللى نصرتونا وكسرتو لنا السور
ياله اعبروا بنا للحياة والنور
خلوا العدل يطرح أمل وزهور
والعلم ينقلنا لأجمل عصر
وتبقى رايتنا أعلى من الأهرام
ونعيش حياتنا فى أمان وسلام.
“عجبي”

أترك تعليق أو مشاركة

من الأرشيف

أترك تعليق أو مشاركة