رجل لا تداويه كل نساء الدنيا – قصة : د . منى حلمي

القصة ….
قصة بقلم د . منى حلمى – مصر ….
ليلة الأمس حلمت بك. كيف عرفت عنوان مخدعي؟ كيف اقتحمت خلوة نومى ؟ كيف أقنعت هواجس الليل ، بالتخلى عن مطاردتى ؟ كيف قفزت فوق الأسلاك الشائكة ، التى تحاصر غرفتى ؟
غفوت ليلة الأمس ، بعد أن قرأت آخر الأخبار . لاشئ جديد تحت الشمس ، الا ظلام الأفق، و الدم ، وانحسار الأحلام . لا شئ جديد تحت الشمس ، الا أننا نحيا ، ليس كما يليق بالبشر . ونموت ، بالصدفة . نموت ، قبل أن ينتهى العمر . نموت ، دون أمنية أخيرة .
وفجأة ، تظهر “أنت” ، ضوءاً، مبهراً، يشق عتمة الليل . منْ أنت ؟
سافرنا . عند ” البحر ” ، توقفنا . سبحنا معا ، حتى بلاد ، لا تسأل عن الاسم ، والديانة ،
و فصيلة الدم ، والحالة الاجتماعية . عيناك ، والبحر ، والسماء ، حصار أزرق ، يفك
قيودى . مشينا فوق سحابات بيضاء ، تمطر بالبهجة ، وأسرار الغِناء .
أودعت بين يديك ، قصائدى . أهديتنى أحزانك . أخبرتك ، أن هذا العالم ،
ليس بيتى . لكننى أواصل الحياة ، لأننى لا أقبل الهزيمة . قلت لى : ” تعاقب الليل والنهار ، يدفعنى الى الجنون … تكرار المواسم ، والفصول ، يفزعنى .. كل الأشياء غريبة عنى ،
اسمى ، وملامحى ، ودمى … لا أحتمل وجود الناس حولى .. ” .
فى الصباح ، كنت على موعد ، مع صديقتي ، لتناول الغداء، في المطعم ، المطل على النيل ، وعلى كل أسرارنا .
المفاجأة ، تجمدنى فى مكانى . أهمس ” هذا غير معقول .. غير ممكن .. مستحيل . ؟
” أنت ” تدخل المكان . تختار مائدة ، فى الركن البعيد .
سألتني صديقتي: “ماذا بك . ؟ ” قلت: ” ليلة الأمس ، جاءني رجل لا أعرفه ، في المنام… وها هو ، اليوم، وهنا والآن ، أمامى .
أتأملك وأنت تتناول غذاءك .
بك شيء ، من النبل المتوحش، لا تدركه إلا امرأة ، تهوى الخطر. رجولتك لها مذاق الشجن، تأسر دون جهد، تغازل في صمت ، بالغ الأدب. لك جاذبية ، تناجي شيئاً طال غيابه. من عينيك ، يطل حزن ، لا تداويه نساء الدنيا. يشع من روحك قلق، لا يسكن ، الا قلب فنان ، مبدع . ألهذا ترتدي نظارتك الشمسية، حتى في الحجرات المغلقة . ؟
اخلع عنك نظارتك، وأطلق حزنك في وجه العالم. لا تخفي خطوط الزمن ، المرتسمة على ملامحك . إن لم تنل استحسان العالم، فهذه مشكلته، لا مشكلتك أنت. “أنت” رائع هكذا . بأحزانك، ومتاعبك . تصور ، أنت فى هذه اللحظة ، تخلع النظارة السوداء ، كأنك تقرأ خواطرى . لم أنشغل بتخيل لون عينيك . فقد عرفته ، فى الحلم ، ليلة أمس .
فرغت من طعامك ، ثم اختفيت .
ترمقني صديقتي ، بنظرات شفقة : ” حياتك كلها أوهام في أوهام. تصنعين من الخيال حقيقة، ومن الحلم واقعاً، ومن نسمة هواء عاصفة، ومن قطرة ماء ، بحراً تغرقين فيه وحدك”. أقول ” ما الحياة الا ، وهم كبير ” .
قلت : ” قصة جديدة فى الأفق . ”
تهمس صديقتي “دائماً الكتابة ولا شيء غيرها”.
نعم ، دائماً وأبداً الكتابة . ولا شيء ، غيرها . أهناك شىء ، يستحق ، الا الكتابة ” . ؟
لولا الكتابة ، ما كنت هزمت الأوهام .
فى الصباح التالى ، استيقظت فى منتهى الارهاق . كان نومى مؤرقا ، متقطعا . لايهم ، ” فالقهوة ” دائما ، تصلح ما أفسده الليل . القهوة دائما ، عزائى ، حين أشتاق الى العزاء .
سقط قلبى … توقفت أنفاسى .. تجمدت عيونى ..
فى الجريدة ، أرى صورتك ، وقد كُتب فوقها ، بخط أسود .. ” يفجر رأسه ب طلقة رصاص .. ترك رسالة تقول : الى كل منْ يهمه أمرى … لا تحزن .. الآن ، ولأول مرة ، أنا بألف
خير “.
أبدأ فى ارتشاف القهوة ، شاردة ، نحو أفق لانهائى . ترى هل أنا التى يقصدها
فى الرسالة ؟ غير معقول . نحن لم نلتق الا فوق سحابات المنام .
لم أعد أدرى ، ما الحلم ؟ وما الحقيقة ؟ كل ما أدريه ، أن ” القهوة ” ، هذا الصباح ،
لن تصلح ما أفسده الليل ، ولن تطفئ اشتياقى الى العزاء .

أترك تعليق أو مشاركة

من الأرشيف

أترك تعليق أو مشاركة