جدلية (ضول الرفاكة مع الدار) في التراث الشعبي – بقلم : نايف عبوش

فن وثقافة ….
بقلم : نايف عبوش – العراق …
لعل من أبرز تقاليد موروثنا الشعبي، التعاليل، ومجالس السمر، والتي كان يقال عنها في الامثال الشعبية، المجالس مدارس، بما هي مصدر لألهام الحكمة، وقيم الرجولة، والمثل الاجتماعية. ولذلك كان الحفاظ على عمارة المجالس بالحرص على حضورها، وتبادل الحديث مع الربع الذين هم جلاسها، تقليدا متينا يحرص عليه الجميع، حتى الأمس القريب. وقد كانت جدلية السمر التي تعرف بالهرج، واكتضاض المجلس في الديوان الذي يعرف بضول الرفاكة ،من محفزات مخيال الثقافة الشعبية المرهفة الحس، للتغني بتلك السمات النبيلة للتراث. لذلك تغنى الأدباء والشعراء بتلك السمات، واحتلت مساحة واسعة من توجداتهم المرهفة. فهذا الأديب والشاعر المتميز، الأستاذ سهيل الجغيفي، إبن ريف البادية، يقول في توجده عن الدار، والضول:
وجدي على ضول الرفاكة مع الدار…… يوم الأعذيبي بالمرابع هفاهيف
الا ان من الجدير بالذكر أن العصرنة، وفي سياق حركة التطور  الحضاري، والتقدم الإنساني الراهنة، اتت على الكثير من معالم موروثنا الشعبي، ومنها بالطبع، التعاليل، ومجالس السمر، حيث يُلاحَظ انها اخذت بالانحسار، والتراجع، مع زحف العصرنة الصاخب، بوسائلها المختلفة، كالفضائيات، والإنترنت، حتى اختفت من الوجود، هذه الأيام ، أو كادت، وما يعنيه ذلك الانحسار، من انفصال عملي عن بيئتنا الاجتماعية، وتفكك في أواصر التواصل الحي المباشر، حيث بدأنا نفقد دفء العلاقة الروحية مع العائلة، والأقارب، والأصدقاء، والمجتمع .. ونعدم التواصل مع ذاكرة الماضي، وجدا، وعتابة، وقصيدا، ومرويات تراثية .. بفعل اتساع فجوة الانفصال بمرور الزمن مع عناصر التراث.
لذلك بات الأمر يتطلب تشجيع ظاهرة التعاليل، في الريف من جديد.. وتنشيط مجالس السمر.. وتفعيل تقاليد الحكايات، والمطارحات الشعرية، بالعتابة والزهيري، كلما كان ذلك ممكناً، ليس بمعنى هدر الوقت بالبطالة، وإنما الحرص على انعاشها برؤية هادفة، في مواكبة موازية، واعية لحركة تيار العصرنة،تؤمن الانخراط فيها بثقة عالية، دون التفريط بالموروث الاجتماعي، ومن دون السماح لها بخلخلة القيم النبيلة للمجتمع، وذلك بقصد الحفاظ على هوية التراث، والتقاليد الاجتماعية.. قبل ان تأتي على ما تبقى منها رياح العصرنة العاصفة .

أترك تعليق أو مشاركة

من الأرشيف

أترك تعليق أو مشاركة