جولة قصيرة في نصوص سعيد نفاع – بقلم : رياض كامل

ابداعات عربية …
بقلم : رياض كامل …
مقدمة
بعد اطلاعنا على غالبية إنتاج سعيد نفاع الأدبي بدا لنا جليا أنه يدور في مجالين هامين وهما؛ مجال الأدب السياسي، ومجال الأدب الاجتماعي. لا نستطيع الفصل فصلا تاما بين هذين الجانبين لأنهما يرتبطان ببعضهما برباط عضوي وثيق بحيث نرى أن الواحد منهما يكمل الآخر، بل إننا نجد، على سبيل المثال، أن الشخصية السياسية، في الأدب وخارجه، لا يمكن مقاربتها وتحليلها بمعزل عن الجانب الاجتماعي، لكننا مع ذلك نستطيع أن نشير إلى قطع ونصوص يغلب عليها الهم السياسي، وقطع أخرى يغلب عليها الهم الاجتماعي.
ينشغل أدب سعيد نفاع بمقارعة السلطة، كمواطن يرى أن حقوقه مهضومة غير مكتملة، بدءا من مصادرة أراضي المواطنين عامة، وأراضي قريته خاصة، مرورا بالخدمة الإلزامية في الجيش، وقد فرضت على أبناء الطائفة العربية المعروفية، وانتهاء بالاحتلال الاسرائيلي لأراض عربية جعلت الجيش الإسرائيلي ينتهك حرمة الأهل هناك، صغارا وكبارا، (انظر خماسية من وحي أطفال غزة، من مجموعة “لفظ اللجام”، ص21) دون التغاضي عن أبعاد وحيثيات هذا الواقع الذي كان له انعكاسه على حالة الانقسام الفكري والرؤيوي بين أبناء الشعب الفلسطيني بمجمله سياسيا واجتماعيا.
وجدنا انعكاسا لافتا في مجموعات الكاتب سعيد نفاع لما يطلق عليه “أدب السجون”، كما لاحظنا تأثيرا واضحا لمهنة المحاماة التي يزاولها في بعض نصوصه، وانعكاسا ملموسا وصدى بارزا لما يدور في منطقتنا بسبب الصراع الدائم سياسيا وعسكريا. أما من ناحية اجتماعية فقد وجدنا لديه ميلا لرواية قصص وحكايات ونوادر فلاحية قروية شعبية، عايشها أو سمع بها. فكيف يعرض الكاتب لهذه القضايا وأين نراه أكثر توفيقا ونجاحا؟
بين السياسة والأدب
دخل سعيد نفاع عالم السياسة مبكرا، وتبوأ مناصب سياسية واجتماعية عدة منذ سن الشباب، حتى وصل إلى الكنيست الإسرائيلي. قام بزيارة إلى سوريا (2007) قُدِّم على إثرها للمحاكمة بتهمة زيارة بلد معاد. فكان لذلك كله أثره البالغ في مجمل ما يكتب من قصص وحكايات ونصوص، منذ بداية انتاجه حتى اليوم، وهو الكاتب الذي ما انفك ينشر المقالة السياسية بشكل مكثف. ليس بغريب أن نرى عبر التاريخ رجال سياسة يمتهنون الكتابة الأدبية، ولنا على ذلك أمثلة عديدة في بلادنا هنا مثل؛ إميل حبيبي ومحمد نفاع وتوفيق زياد وكل منهم شغل منصب عضو كنيست.
لكل أديب وجهة نظر في أمور عدة؛ سياسية واجتماعية وفكرية، وقد جُنِّد الأدب في خدمة رؤيا الكاتب الخاصة بعيدا عن المباشرة التي تميز المؤرخين أو السياسيين والصحفيين. فالأديب بمقدوره أن يعمل على تطعيم ما يكتب بآرائه السياسية، لتجنيد القراء على قبولها، فيعمد إلى وسائل فنية متعددة ليتخفى من خلالها عن عين القارئ الثاقبة. فإلى أي مدى نجح سعيد نفاع في توظيف الكتابة الفنية المحايدة؟
يُجنَّد هذا الأدب للتعبير عن الغبن والظلم اللاحق بأمة معينة، أو بشريحة اجتماعية تعيش في ظل ظروف مجحفة، فينبري الكاتب في الحالتين للدفاع عن الفئة المظلومة. ومن المعروف عن هذا الأدب أنه يوثِّق لحقبة زمنية معينة يمكن دراستها في الحاضر وفي المستقبل أيضا. هناك من كتب في هذه المواضيع في ظل وقوع بلاده تحت نير الاحتلال، أو في ظل أنظمة دكتاتورية قمعية مثل ناظم حكمت التركي وبابلو نيرودا التشيلي وآخرين. أما في الأدب الفلسطيني فلنا على ذلك أمثلة عدة منذ بداية القرن العشرين وحتى يومنا هذا، وهو أدب يتناول الجانب السياسي والاجتماعي والاقتصادي على حد سواء. بل يمكننا التأكيد على أن معظم الأدباء الفلسطينيين قد جنّدوا كتاباتهم لخدمة القضية السياسية، لكن يبقى أن نشير إلى أن لكل منهم قلمه وطريقة تعبيره التي تميزه عن غيره.
هذا النوع الأدبي له مميزاته الخاصة التي تداولتها أقلام الدارسين بشكل منهجي أحيانا، وبشكل عفوي أحيانا أخرى، بدافع الحماس والانتماء الفكري، ولقد بتنا نرى مؤخرا دراسات أكاديمية وأبحاثا رصينة حول هذا الموضوع ومنها دراسة للدكتور محمد هيبي بعنوان “الحرية والإبداع والرقابة” (2017)، ودراسة للدكتورة لينة الشيخ حشمة بعنوان “أدب السجون في مصر، سورية والعراق” (2017). فإن كانت هاتان الدراستان تتحدثان عن أدب السجون وعن الرقابة الظالمة في المحيط العربي الواسع فإنا بحاجة إلى دراسات أكاديمية مشابهة مدعمة بشهادات وأمثلة تكشف الحيز الضيق المتاح للكاتب الفلسطيني، والعثرات التي تواجهه في شتى أماكن تواجده.
يبدو أن تجربة سعيد نفاع في السجن قد وجدت طريقها إلى كتاباته، وهي بلا شك تجربة قاسية خاضها الكثير من الفلسطينيين في شتى أماكن تواجدهم كما جربها كثيرون من مشرق الأرض ومغربه. لكل نوع أدبي ميزاته التي تجعله متفردا عن غيره، ومن المعروف أن “أدب السجون” يلجأ إلى الوصف المفصل الدقيق لظروف السجن لأنه، في معظمه، يصدر عن سجناء خاضوا تجربة الوجع والألم النفسي والجسدي، فكان من الطبيعي أن تُوثَّق آلامهم من خلال الدخول في وصف الداخل والخارج بما يشبه الكتابة التوثيقية إلى حد كبير. لقد دخل سعيد نفاع عالم “أدب السجن” منذ بداية طريقه الأدبي، فضمّ كتابُه الأول قصة بعنوان “ثمن القبلة” التي أراها أكثر نضوجا من بعض كتاباته اللاحقة، إذ عُرضت بلغة تصويرية ناجحة، وبُنيت حبكتها بتأن وروية، فنرى الراوي يسهب في وصف تفاصيل المكان، خدمة للألم النفسي والجسدي الذي يواجه السجين، كما ينعكس في النص التالي: “كانت الريح تعوي في الخارج، وتضرب بشراسة الغرفة الضيقة المظلمة صاحبة الماضي العريق فهي إسطبل خان قديم، ما زالت مرابط الدواب في حيطانها، وقد اختنق جوها برائحة البراز والبول الكريهة المختلطة بدخان السجائر، فلم يكن في جدرانها سوى فتحة صغيرة ملاصقة للسقف، تظهر خلالها بعض النجوم. احتوت عشرة نزلاء وإياي…”. (نكبة الدوري، ص15)
هذا الوصف الذي يبدو خارجيا هو أشبه بالموسيقى التصويرية التي ترافق المشاهد السينمائية. فهي، هناك، تُدعّم بالصوت والصورة وهنا تُدعّم بالتلميح والإيحاء، فتتفاعل الكثير من أحاسيس القارئ وحواسه من نظر ولمس وشم: “يعلو شخير أحدهم وينخفض وينفض الآخر غطاءه متمتما لاعنا، وتعلو طقطقة الخشب تحت أضلع آخر فيقوم يسير متلمسا طريقه بمحاذاة الحائط ولا تلبث أن تعلو فرقعة السطل الموضوع في زاويتها”. (نكبة الدوري، ص16)
نلاحظ بوضوح توظيف الصورة والحركة والصوت والرائحة، مما يضفي على المكان صفة الواقعية، هذا التوظيف ضرورة لازمة للتواصل مع القارئ. فالنص ينزاح عن مجرد صورة ليتحول إلى فعل إيحاء وتلميح، وهو أمر كنا نتمنى على الكاتب أن يوظفه أكثر في قطع ونصوص أخرى.
يقترن أدب السجون بالمثقفين لأنهم القادرون على توظيف اللغة، آلتهم الوحيدة للتعبير عن التجربة المرة المؤلمة لنميز بين أكثر من مستوى لغوي، إذ حين يتحدث الراوي عن القرية، مكانه الآمن، فإن الوصف رومانسي رقيق: “كانت الشمس قد هوت مسبلة جفونها…”. (الدوري، ص16)، وعندما يتحدث عن السيارة العسكرية تتسرب لغة أخرى خشنة مقيتة: “خرجت سيارة الشرطة العسكرية تنهب الأرض، مصدرة جعيرا عاليا”، (الدوري، ص17) وعندما يتحدث عن علاقة المساجين مع بعضهم البعض تزول الحواجز وتتسرب كلمات من قاموس العامية: “شواربك خراطيز خراطيز أو شواربك كل شعرة وأخرى حدها!!”. (الدوري، ص21)
نخلص إلى القول إن سعيد نفاع رجل سياسة ورجل قانون ولذلك كان من الطبيعي أن نرى قصصا ونصوصا تعكس هذين الأمرين. ولقد دخل عالمَ الأدب كثيرٌ من الذين امتهنوا هذه المهنة، لعل أبرزهم الكاتب المصري توفيق الحكيم، كما خاض أطباء عديدون عالم الأدب، من أبرزهم يوسف إدريس. أما كاتبنا سعيد نفاع فإنه يدخل باب الأدب موظفا دور المحامي في بعض إنتاجه، سواء بشكل مباشر أو غير مباشر، كما يتجلى في الكثير من القصص والنصوص نذكر منها، على سبيل المثال، قصة “محكمة سيدي بوزيد سمائية البوعْزيزي” التي افتتح بها مجموعته الموسومة بنفس العنوان. وقصة بعنوان “التشذوب” يحدثنا فيها عن تجربته الذاتية حين قرر أن يدرس القانون في الجامعة وقد عاد إلى والده يعلمه بالقرار فروى له والده قصة البدوي “التشذوب”.
توظيف السرد الشعبي
يلاحظ الدارس أن للنثر الفلسطيني مميزاته الخاصة إثر ما مر به الإنسان الفلسطيني، خلال ما يعادل قرنا من الزمان، فقد كانت الأرض مصدر معيشته الأول، يأكل من خيراتها ويطعم منها أبناءه، ويبني بيته بفضل عطائها، بل ويبني بيته، في كثير من الحالات، داخل كرومه وحقوله، فارتبطت بفضل ذلك علاقة خاصة بين الأرض وساكنها. كما عرف عن شعبنا ميله إلى الحكايات الشفاهية التي تتمحور حول الفلاح والقرية والأرض، بفضل هذه العلاقة الخاصة.
رويت هذه النوادر والحكايات في النوادي والمجالس، لأن اعتماد الفلسطيني في مرحلة معينة كان، بالأساس، على الحكايات التي تروى شفويا نظرا لأن نسبة الأمية كانت عالية جدا. أما اليوم فإن الأدباء قد أخذوا يوظفون هذا الرصيد الشفاهي في كتاباتهم، وبات له حيز واسع يحتاج لدراسة عميقة.
خصص الكاتب سعيد نفاع حيزا لا بأس به لمثل هذه النوادر الفلاحية القروية في نصوصه، سواء كانت قصة، حكاية أو مقالة، وقد تكرر ذلك في كل مجموعة حديثة من مجموعاته. وإني لأرى أن هذه النصوص تتحلى بروح الفكاهة القروية القادرة على لفت نظر القارئ. ولنا على ذلك أمثلة عدة، منها قطعة “كيف ساهم العبد جراح في معركة خلة عليق” (مجموعة “الحائل”، ص9). تجتمع في هذه القطعة كل مقومات القصة العربية الفلسطينية الفلاحية، من حيث توظيف الوسائل والأساليب الفنية التي تعمل على بناء الشخصية المركزية بناء سليما. ولذلك كنت آمل أن يختصر عنوانها ليصبح “العبد جراح” أو “معركة خلة عليق”، منعا للمباشرة، فيصبح العنوان ذا دلالة أوسع. فهي قصة شعبية بطلها راعي القرية “راعي داشورة”، على حد قول الكاتب، تنعكس فيها رؤية الكاتب الاجتماعية إزاء ما تتعرض له بعض قطاعات مجتمعنا.
لقد لاحظنا بعد اطلاعنا على معظم إصدارات الكاتب سعيد نفاع أن أبطال قصصه من أبناء المجتمع المغمورين، وهم عادة يقارعون السلطة، ورجالها، أو شيخ البلدة ورئيسها. ونراه يميل إلى مساندة الضعيف ضد القوي اجتماعيا واقتصاديا وسلطويا. والأهم من هذا وذاك أن هذه النصوص مدعمة بنوادر قروية كانت بالأصل شفاهية ثم قام بنقلها من خلال الراوي إلى الورق.
يطعِّم سعيد نفاع، كغيره من كتاب القصة القصيرة والرواية الفلسطينية، كتاباته باللهجة المحلية، وبالحكايات ذات النكهة الفلسطينية وكأني أرى أن مثل هذه النوادر لا تدور أحداثها إلا في مجتمع عربي فلسطيني فلاحي. ولو قمنا بتسليم هذه الحكايات لمختص في علم الاجتماع لتمكن أن ينتج دراسات وأبحاثا عميقة تبين طبيعة هذا المجتمع؛ عاداته وتقاليده وأفكاره ومعتقداته وطريقة سرده. ولا أبالغ حين أقول إن لكل تجمع سكاني طرائق سردية تميزه عن تجمعات سكانية أخرى، ليس فقط في اللهجة المحلية بل في طريقة التعاطي مع الأحداث وطريقة تقبلنا لها، فنادرة مضحكة في بلد ما قد لا تضحك أهل بلدة أخرى كما يقول دارسو السخرية والإيرونيا.
لقد تأثر سعيد نفاع بنوادر قريته كما تأثر بنوادر مجتمعه فوظفها لتمرير فكرته، لذلك لا يتردد في توظيف اللغة العربية المحكية لأهل بيت جن: “يا عمي أنت آدمي وابن أوادوم ومش رايح ما توصلي حقي، القصة وما فيها إني امبارح حليت الجحش، انت كبير القدر، من مربطُه على عادتي عشان أروح أطل على الأرظات، لقيت الجحش على غير عادته حالته مش ولا بد. مع هذا صفّفْته وركبته، يعني لا تواخذني. الجحش يعرف الطريق لحاله لكن لاقيتلك اياه هالمرة ولا كأنه عارف، خزيت ابليس ولكشت الجحش ووجهته على الطريق وحسيت من الاول إنه في إشي. مشية هالجحش غير شكل، وبعدين مش حايلله جحش هو، انت كبير القدر، جحش اللي بدك اياه، وبلا طول سيرة، كنت اشتريته…..”.  (مجموعة لفظ اللجام، قصة الرئيس والحمار، ص47)
النص أعلاه مأخوذ من قصة فلاحية قروية تتحدث عن موت حمار أحد مواطني القرية، فادعى صاحبه الذي حضر لمقابلة رئيس المجلس أن السبب يعود لرش موظفي المجلس مبيدا للقارص، فاضطر الرئيس أن يستمع إلى تفاصيل الحكاية حتى كاد يفقد توازنه، فأصدر قرارا بدفع التعويض موثقا حتى اليوم في أرشيف محاسب المجلس. هذه حكاية شعبية قد تكون حدثت فعلا وقد تكون من صنع الخيال، ولنفرض جدلا أنها قد وقعت فعلا، فكيف يحولها الكاتب من مجرد حكاية تروى في الدواوين إلى حكاية تقرأ في كتاب؟
هناك فرق شاسع بين حكاية تروى شفويا وبين حكاية مكتوبة، فوسائل النقل مختلفة ومغايرة، ففي النقل الشفوي هناك نبرة الصوت وحركة اليدين ولغة الجسد، وكلها تساهم في إيصال الرسالة للمتلقي، أما نقلها إلى الورق فيستدعي وسائل أخرى منها القطع أو الاستشراف والتلميح أو الاستطراد والإطناب، وقد رأينا سعيد نفاع يطيل الحكاية ويمطها موظفا اللهجة المحكية المحلية فنجح في تصوير حالة الشخصيتين، بطريقة ساخرة من خلال التضخيم والتهويل.
إن توظيف هذه النوادر تبعث على الابتسامة وأكثر، لكنها من زاوية أخرى هي دليل على ما يعانيه المسؤولون في مجتمعنا من سذاجة أهلنا ومن سخفهم أحيانا أخرى. كان ممكنا أن تعرض النادرة بلغة أخرى موظفا كل الوسائل الفنية لتكون قصة حزينة، لكن الكاتب أصر على تطعيمها باللغة المحكية وبسرد شعبي يبعث على البسمة لا على الغصة والأسى.
يتكرر السرد الشعبي في مواقع عدة من مجموعات الكاتب فيوظفها لنقل صورة عن مجتمعنا العربي الفلاحي الشعبي كما نرى في قصة بعنوان “ابن راعي الداشورة (لفظ اللجام، ص53): “وبالنسبة لهم الأخت أخت الكل والبنت بنت الكل والأم أم الكل، عن هذه القاعدة لا تشذ إلا المرأة (يقصد الزوجة) رغم أن شيخ البلد أضحك الدنيا يوم وقف واعظا مضيفا أن المرأة امرأة الكل”. ( لفظ اللجام، ص57) هذه الدعابات وظفت في عدد كبير من نصوص سعيد نفاع فباتت، بعد تكرارها وتكثيفها، جزءا من هويته الأدبية التي أميل إلى تسميتها “نوادر الفلاحين”، تشبها  بنوادر البخلاء ونوادر الأغبياء وغيرها، وهو نوع أدبي انتشر واشتهر في رصيدنا العربي الكلاسيكي وبالذات في كتاب “المستطرف في كل فن مستظرف” للإبشيهي.
لذلك فإني أرى أن أدبنا الفلسطيني فيه الكثير من القصص الفلاحية والقروية التي تصلح لأن تجمع وتوثق في كتب حفاظا على روحها ونكهتها، فالدارس لمثل هذا النوع الأدبي سيجد مادة دسمة للاعتماد عليها، وقد وظفها نفاع مروية بأسلوب بسيط فيها نكهة الفلاح الجليلي الجبلي الذي عاش حياته في ظل أرضه وشجره.
خلاصة
لقد عمد الكاتب إلى توظيف السخرية بكل أنواعها بالذات أسلوب المفارقة القادر على توضيح حالة التناقض التي يسعى سعيد نفاع إلى إبرازها على المستوى السياسي والاجتماعي. فبرزت صورة واضحة لحالة الصراع الدائمة بين القوي والضعيف وبين الظالم والمظلوم وبين الحاكم والمحكوم وبين المحتلّ، اسم الفاعل بمعناه الحرفي وبين المحتلّ اسم المفعول بمعناه الواقعي. وهي مفارقة ساخرة حارقة وظفت في أكثر من موقع وفي أكثر من نص ولعل أبرزها قصة “الشظية الأولى” (نكبة الدوري، ص7) حيث تنفث الطائرات سمومها وتُبعثر دماءَ الأطفال، وفي اليوم التالي صبحا، ظهيرة ومساء تمتلئ صور الجنود وهم يلاطفون أطفال لبنان وأطفال المخيمات، يوزعون عليهم الماء والحلوى، فيما تنقل طائراتهم الجرحى إلى مستشفى شمالي البلاد. أما الجريح الإسرائيلي الوحيد فهو مقدم الإسعاف الذي كان منشغلا في إنقاذ طفلة لبنانية، وتستمر عملية التمويه لأيام. (الشظية العائدة من مجموعة نكبة الدوري، ص8-9).
تتفاوت مستويات العرض الفني بين قصة وأخرى وبين نص وآخر لدى العديد من الأدباء، شعراء كانوا أو قصاصين، وكان من الطبيعي أن نرى الأمر ذاته في كتابات سعيد نفاع. فقد وجدناه يوظف جميع الوسائل الفنية في قصة معينة مثل تعدد الأصوات وتعدد اللغات بما يتلاءم مع مستوى الشخصيات، واللغة التصويرية التي تعتمد الإيحاء والدلالة، فضلا عن المفارقات الزمنية والفلاش باك والمونولوج، والدخول في عمق الشخصية نفسيا، بينما نراه يتبع السرد المبسط المباشر الذي يميل إلى ما يشبه النادرة أو الخاطرة مثل “التشذوب” (مجموعة سمائية البوعزيزي، ص21) التي أراها نادرة قادرة على تحريك مشاعر القارئ وعواطفه، وفي مواقع أخرى يخف وهج النص وسرده.
لم يبذل سعيد نفاع جهدا كبيرا، في مواقع عدة من إبداعه، لخلع ثوب السياسة واستبداله كليا بثوب الكاتب، وكأني به يفصل ثوبه على مقاس أفكاره يسجل على واجهة الثوب كلمة كاتب وعلى الواجهة الخلفية كلمة سياسي. ولم يحافظ في كتابته على الحيادية التي يحاول أن يتستر به الأدباء حين يلبسون “طاقية الإخفاء” واستبدلها بطاقية المكاشفة المباشرة.
وجدت نفسي مشدودا إلى كتابات سعيد نفاع التي تدور أحداثها في قريته أو حين تدور في جو قروي، فهناك نلاحظ مدى انسجام نفاع مع الفلاح وأرضه وعالمه، ومع الطبيعة بكل مركباتها فيسبح في عالمها بمهارة العارف بكل أسرار هذا المحيط الفلاحي.
بعد هذه التجربة الطويلة التي خاضها سعيد نفاع في الكتابة فإني أجد أن الوقت قد حان لأن يفصل بين أنواع الكتابة التي يمارسها، وأن يصدر مستقبلا مجموعة قصصية خالصة لا تتشارك معها مقالة سياسية أو حكاية أو أي نص آخر.

رياض كامل

أترك تعليق أو مشاركة

من الأرشيف

أترك تعليق أو مشاركة