(جزيرة الذرة) وحصاد الدهشة في تحفة سينمائية لا تجعلك تنام – بقلم : بكر السباتين

فن وثقافة ….
بقلم : بكر السباتين ….
نعم لا تجعلك تنام، وهذا حقيقي وليس لجلب القارئ المهتم بالسينما من باب المتعة البصرية والتقاط  الدهشة حيث تختبئ الأسئلة المبهمة في حياة صاخبة تتناوب عليها الأزمات.
ففي فلم (جزيرة الذرة) للمخرج الأبخيزي (غيورغي أوفاشفيلي) ستجد مساحة الدهشة وهي تأخذ المتلقي إلى الأسئلة الصعبة التي ستبذر المعرفة في حرثها ومن ثم زرعها وبالتالي التمتع بظلالها الوارفة.
وهو جدير بالمشاهدة والتمتع بتفاصيله الجميلة والتقاط رؤية مخرجه الثرية بقيم الجمال المتمثلة باللغة البصرية الطاغية في الفلم وتفاعل الإنسان معها بعيداً عن صخب الذاكرة، فقد أتيح لي مشاهدة فلم (جزيرة الذرة) في مؤسسة عبد الحميد شومان في صيف عام 2014 إلى أن جاء موسم شتاء 2017 حيث شاهدته عبر موقع يوتيوب عدة مرات، كان آخرها يوم أمس الأول أثناء تساقط الأمطار التي عمَّت العاصمة عمان، فكانت أجواء حميمية أخذت تضفي على مزاجي طابعاً وجدانياً بدا لي أكثر انسجاماً مع أجواء هذا الفلم المتفرد الآسر.
وبحد ذاته فإن هذا الفلم قد يدرج في قائمة الأفلام الصامتة لقلة الحوار فيه تقريباً والاتكاء على السيناريو في توضيب المشاهد وفق الرؤية المتماسكة للمخرج، إذْ قابل الصّمت غنى لافت على مستوى الصورة وجمالياتها بما وفّر للفلم المناخ الملائم الذي سعى من داخله أوفاشفيلي إلى عرض التفاعل الناشئ بين العلاقات الآدمية على تلك البقعة الضيقة من خلال رجل عجوز وحفيدته جاءا اليها من مكان ما! شيدا لهما في أرضها كوخاً خشبياً مليئاً بالشقوق التي من خلالها كانت تتسلل إليهما أشعة شمس النهار أو تباغتهما قطرات الماء في الأجواء الممطرة، فيتلحفان في تلك الأجواء بالصبر ومتعة التحدي التي لا تلين، فزرعا الذُرة في الموسم الذي يسبق فيضان نهر إنغوري الجارف.
والجزيرة تقع في منطقة محايدة تعصف بها المتغيرات الطبيعية دون إذن من السلطات التي بدت وكأنها دخيلة على المشهد، والنهر باعتباره المنطقة الطبيعية الفاصلة بين إقليم أبخازيا وجمهورية جورجيا، كان يجري على سطحه المتوتر حراك غامض لدوريات نهرية وجنود، يشي بوجود صراع سياسي وعسكري بين الضفتين، فقد تعمّد أوفاشفيلي إبقاءه ثانوياً، وترك بحثه والسؤال عنه للمشاهد المتلقي كي يلتقط ما يشاء من مفاهيم وفق رؤية المخرج الحصيف ليسقطها على همومه ويشكلها وفق معطيات قضاياه الصغيرة والكبيرة، وهنا يكمن سر نجاح الفلم المتفرد. فحدود الجزيرة الصغيرة أٌريدَ لها على يد مخرج بارع أن تمتد الى أبعد من مساحة الشاشة المعروض فوقها، وأن تظل الأسئلة حول ما يجري فوقها وبجوارها عالقة في ذهن الجمهور حتى بعد نهاية شريطه. أرادها أوفاشفيلي أن تكون أسئلة مكملة لما اعتبره رئيسيّاً:
العلاقة الوجودية بين الإنسان وطاقاته في العقل الباطني مع غياب الذاكرة المكانية والإنسانية، وبين الوسط الذي يريد إخضاعه لشروط إرادته المفضية إلى أهدافه في صراع البقاء، رغم عناد الطرف الثاني المتمثل بقوى الطبيعة ذات العزيمة الشديدة.
يضم فلم (جزيرة الذرة) في طياته عناصر متفردة تجعل منه فيلماً متميزاً، أهمها توظيف الصمت كقوة تعبيرية سينمائية شديدة التأثير، قادرة على توصيل هواجس الكائن البشري ومخاوفه من كل ما يحيط به من طبيعة قاسية وأطماع بشرية من بين تجلياتها صراعات عرقية وسياسية.
حينما يصادفك فلم سينمائي مثير على نحو (جزيرة الذرة) لا يتجاوز الساعتين دون أن يكون فيه حوار خارجي أو ثرثرة بشرية تتداخل مع صدى أصوات الطبيعة، أو داخلية في أعماق أبطال الفلم، سوف تصاب بالدهشة، ورغم ذلك فإن الانقطاع عن الثرثرة وغلق الذاكرة الشخصية التي يكون من شأنها رسم البعد الإنساني لأبطال الفلم وعلاقتهم الوجدانية بالمكان، وتكوين رؤية سياسية مباشرة؛ سيفسح المجال الخصب لتأمل المشهد والغوص في أعماقه  لرسم خطوط تكويناته الإيمائية المتداخلة والتكوينات البصرية المتغيرة في تشكيلاتها المستقرة، لالتقاط علاقة الإنسان بالطبيعة وانعكاس ذلك على تفاصيل حياته الصغيرة، باعتباره جزءاً حيوي من طاقات الطبيعة، يتأثر بها الإنسان ويؤثر عليها.. لتعبر تلك الطبيعة عن نفسها فيحتدم في الفلم صراع الإرادات بين أبطال الفلم وتفاصيل الطبيعة، وفق رؤية المخرج الممتلك لأدواته الفنية باقتدار مشهود، ذاتها التي تركت الأسئلة تعوم في عقل المتلقي المتأمل لمجريات أحداث هذا الفلم.. بالإضافة إلى مهارة حامل عدسة التصوير الذي كما يبدو قد ربطها بجهازه الدماغي المركزي؛ كي يحمل فيه السيال العصبي ما يطرق رأسه من أسئلة مبهمة إلى دماغه المستنفر، حتى تتفاعل مع عقله دون قيود، فتعود الأجوبة وردود الأفعال محملة بأسئلة أشد إبهاماً.. لترافق رحلة المتلقي الغامضة عبر سحر الطبيعة في كل مكامنها البصرية، وما يحفها من عنفوان وتوتر مشهدي وصوتي، فإما أنها تستلب وجدانه المأخوذ إلى صدى الحوار المهموس في عمق الطبيعة، أو تفرض مهابة غضبها في القلوب الواجفة إذا توترت في حواراتها؛ حين يستيقظ في النهر الغضب، وتعصف الرياح المدوية في سكون الماء، وتتحفز إرادة الإنسان كي يحقق ذاته من خلال أهدافه التي يسعى إليها حتى لو كانت بسيطة.
فالإنسان في هذا الفلم يتعملق دون ضجيج، يقارع قوى الطبيعة فلا ينبس خلال الفلم ببنت شفه، يسير إلى هدفه بقوة الإرادة التي حيدت مخاوفه، وتركته مسلوباً إلى هدفه في تحقيق ذاته أمام تحديات الطبيعة، فلا يصرخ في وجهها بل يخترقها بنظراته العميقة وكأنه يلجمها بصمت، حتى في خاتمة الفلم لم يغرق الفيضان تلك النظرات القوية التي التهمتها الأسئلة داخل حطام الكوخ، دون أن يتحدد مصير العجوز الذي توارى خلف الحطام، ولم تفصح العدسة عن مشاعر الحفيدة التي ساقها المركب بصمت إلى وجهة ما، لتترك من أثرها على الجزيرة الغارقة لعبتها التي انتهت في آخر الفلم إلى يد مغامر جديد اكتشف المكان، مستعداً ليبدأ صراعه مع الطبيعة، في متوالية سوف يختبر من خلالها الإنسان إرادته بتجرد على اعتباره جزء من طبيعة لا يمتلك فيها إلا ما تتيحه له قدرته على الصمود. وهي إسقاطة مدهشة يمكن القياس عليها في التعبير عن مواجهة الإنسان للتحديات الحياتية في المجتمع الذي يشبه في تقلباته الطبيعة القاسية.
أما على المستوى التقني، فينبغي الانتباه إلى المستوى الرفيع الذي خرج عليه العمل، وهذا لم يكن سهلاً من حيث الأدوات والأجهزة الفنية اللازمة، وتوافر الخبرات لدى كل المشاركين في العمل، ناهيك عن العمل الدؤوب في الظروف القاسية التي استلزمت من كادر العمل بناء جزيرة كاملة، ومن ثم هدمها بفعل الفيضان، فقد تضافرت عناصر كثيرة ساهمت في إنجاح هذه التحفة الفنية الرائعة التي استحقت كل التكريمات والجوائز التي نالتها باقتدار، من بين تلك العناصر الأهم:
المصور إلِمِر راغاليي وطريقة شغله المنتمي الى مدرسة التصوير الروسية العريقة التي تمكن من خلالها ترجمة رؤية المخرج، وتحريك عدسة التصوير في كل اتجاه، والدخول إلى المشهد بالأسئلة والانفتاح بها على المساحات الواسعة وكأنها عين المشاهد المتلقي الباحثة عن المجهول دون ملل، فراعى أثناء التصوير استنطاق عيون أبطال الفلم بما فيها من قوة وغموض وصدق في التعبير.
أيضاً لا ننسى في سياق تلك العناصر قوة تمثيل الفنان التركي المدهش  الياس سامان بنظراته المليئة بالتحدي، وهي تخبئ في أعماقها ذاكرة هاجعة في جوف السؤال، وجموح لا تضاهيه إلا عربدة الرياح وصخب الموج الهادر من حوله، وكان يتصرف دون عاطفة توحي بأنه ينتمي لفصيلة البشر لولا نظراته التي كانت تفتضح إنسانيته الصامتة، فبدا وأن همومه الملجمة قد أخرست صدى صوته الداخلي المقموع، فيشعر به المشاهد وهو يستعد لمقارعة الفيضان كأنه مجرد حاجز يرد عن الجزيرة أخطار الطبيعة، ورغم ذلك كان بوسعه تحمل تبعات الجندي الجورجي الجريح الذي لجأ إلى الجزيرة فعالجه العجوز دون تذمر؛ ولكن دون أن يتفاعل معه إنسانياً، فقد تم ذلك بصمت.. وعلى ما كان يبديه من صلابة ورباطة جأش وهو يواجه الصعاب، إلا أنه كان يتجلى في نظرات عينيه خوف من المجهول أثناء مداهمات الدوريات العسكرية التي كانت تباغته من طرفي النزاع.
وأخيراً ذلك العنصر المتمثل بتلك الفنانة الصاعدة مريام بوتورشفيلي التي أتقنت دورها الإيمائي وتماهت معه إلى درجة ستشعرك من خلاله بأنها كائن غامض قذفه المجهول إلى مشاهد الفلم، وذلك من خلال نظراتها العميقة وحركاتها المتماشية مع الطبيعة وقد أغلقت على ذاكرتها المتاريس، حتى الأسئلة القليلة التي طرحها جدها عليها لم تفضي سوى إلى كونها طالبة جامعية.. ولولا تفاعلها عاطفياً مع الجندي الجريح الذي لجأ إلى تلك الجزيرة النائية، في مشهد واحد قبل أن يغادر الجزيرة؛ لافترضت بأن هذه الحفيدة ما هي إلا كائن غير بشري، فقط مسكون بالتحدي المفرط والصلابة القاسية، وكما يبدو فهي طبيعة موروثة من جدها القوي. هؤلاء جميعاً مكنوا المخرج أوفاشفيلي من وضع فلمه (جزيرة الذرة) بين أحد أهم الأفلام الذي انتجته السينما العالمية الجادة.

أترك تعليق أو مشاركة

من الأرشيف

جديد صوت العروبة

أترك تعليق أو مشاركة