قد نشكر ترامب مستقبلاً – بقلم : حيان جابر

أراء حرة ….
بقلم : حيان جابر ….
لقد شكل القرار الأمريكي الأخير المتعلق بالاعتراف بالقدس عاصمة لدولة الاحتلال الصهيوني منطلقا لموجات السخط والغضب الشعبية عربياً ونسبياً عالمياً، و لم تتجه هذه الموجات صوب الدولة أو صوب الشخص صاحب القرار الأخير فقط، بل تعدتهما لتطال مجمل البنية الرسمية العربية والفلسطينية ضمناً، بوصفها بنية ضحلة ساهمت بصورة مباشرة في تمادي مختلف قوى الاحتلال والاستبداد والاستغلال، لتستباح الحقوق العربية عموماً من سوريا إلى ليبيا مروراً بجميع الدول العربية، وفي مقدمتهم فلسطين المحتلة التي لطالما كانت ومازالت تعتبر قضية العرب- أي الشعب العربي- المركزية.
غير أننا مطالبون بالكثير من التروي والحذر قبل أي موقف أو تعويل على جذرية الحركة الثورية، أولاً من باب عدم تحميل الحركة الجماهرية أعباء والتزامات إضافية قد تؤدي إلى كسر أفق تطورها ونضوجها وحسمها، وثانياً لوجوب تمتع أي تحليل بالعلمية والواقعية في تعاطيه مع الشأن العام، حيث يستحيل توقع أي إنجاز جذري سريع أو قريب نظراً لحاجة الحركة الشعبية لمزيد من الممارسة والنضج السياسي والفكري والتنظيمي خصوصاً إذا ما أخذنا بعين الاعتبار حجم قوة وتنظيم القوى المحلية والعالمية المقابلة لها، إذ إن هذه القوى هي صاحبة المصلحة الوحيدة في الحفاظ على مسلسل الانهيار العربي ومسلسل سرقة واستلاب الحقوق والثروات العربية الطبيعية والسياسية والقانونية. مع الإشارة إلى كوننا لا نقصد استحالة نجاح الحركة الجماهيرية الراهنة في انتزاع أي مكسب في الوقت الحالي، إلا أننا مطالبون بتنبيه وتحذير الحركة والوطنيين العرب من خطورة الاستكانة لأي إنجاز محتمل سريعاً، فكما جرت العادة قد يتم امتصاص الغضب الشعبي العربي وأحياناً العالمي من خلال بعض التنازلات والمناورات السياسية التي تمثل في الواقع مجرد التفاف على الواقع السياسي والميداني بحيث يتيح لقوى الظلام والاستغلال والاحتلال الانحناء قليلاً أمام العاصفة الجماهرية العفوية واللحظية، لمعاودة محاصرتها مستقبلاً والعودة إلى ذات السياسات التي اندفعت الجماهير لرفضها قبل برهة، ليتحول النجاح السريع اللحظي إلى فشل على المدى الطويل، وهو ما عانت منه الحركة الجماهرية طويلاً في الكثير من الحالات والذي نأمل تجنبه مستقبلاً نظرا لوضوح عري النظام العربي حالياً و تراكم بعض الخبرات السياسية والتنظيمية جماهيرياً في سنوات الربيع العربي الماضية. و مما يمكن أن يساعد على تجنب تلك المشكلة أيضا هو تضافر عمل الجماهير والوطنيين والمثقفين العرب ميدانياً وفكرياً وثقافياً بهدف تفعيل النقاش والحوار في العديد من القضايا الظرفية المرتبطة بالأحداث اليومية كما في القضايا الجوهرية والمركزية المرتبطة بمصالح الشعب العربي عموماً.
إذا ليس المطلوب الآن التغني بحركة الاحتجاج والغضب الشعبي، ولا وصمها بالنجاح أو الفشل وفقاً لنتائجها في الأيام القليلة القادمة، بل ينبغي على العكس تماماً التشديد على ثانوية أي إنجاز محقق اليوم مهما كان حجمه، فالإنجاز الحقيقي لحركة الاحتجاج والغضب الشعبي هو في إعادة الأمور إلى نصابها، والذي يمكننا التعبير عنه بمصطلح تغليب مصالح الأمة ومصالح الشعب العربي على أي مكاسب فئوية أو جهوية أو دولية، مما يتطلب التأسيس لبنى سياسية شعبية قادرة على فرز واختيار ومحاسبة قياداتها المحلية والوطنية عند أي خطأ أو خلل في مسار الأمور، وهو ما يجب ان يشكل مقدمة لاستعادة حركة التحرر العربية وبرنامجها الشامل والتقدمي الذي لا يساوم على أي بقعة أرض عربية محتلة سواء أكانت القوى المحتلة إيرانية، أمريكية، روسية، إسرائيلية أو تركية….الخ، كما لا يساوم على تشييد دولة العدالة والرفاه والتقدم والمساواة بين جميع مواطنيها في الحقوق والواجبات وبغض النظر عن أي انتماء عرقي أو إثني.
عند بلوغنا لهذه المرحلة أو اقترابنا منها نكون قد نجحنا في تحويل الصفعة الأمريكية إلى ضربة قوية تسددها الجماهير العربية إلى مجمل قوى الاستعمار والاستغلال العربية منها والغربية، وعندها فقط نكون قد انتقلنا من رد الفعل على مسار التهاون والاستسلام والتطبيع العربي إلى الفعل الواعي والهادف والجاد، وبذلك نكون قد أنهينا دور القرار الأمريكي القذر الذي سيشكل مدخلا دوليا وعلنيا لمسارعة النظام العربي الرسمي في الإعلان عن انهزامه واستسلامه وفي تجسيده الفعلي لتشابك مصالحه مع مصالح الاحتلال ومصالح القوى الدولية الراعية له. إذ بدأنا نشهد هرولة النظام العربي للانخراط بفاعلية في مسار التطبيع الثقافي والسياسي والأمني والاقتصادي بذرائع وحجج واهية لا تنطلي على أي إنسان عاقل، كتبرير التطبيع بالدواعي الأمنية مع العلم أن مصدر الخطر الأكبر والأكثر تكراراً على أمننا الوطني والفردي هو العدو الصهيوني، أو التذرع بالحاجة للتعاون والتنسيق مع المحتل الإسرائيلي لمواجهة أعداء الأمة- كتبرير التحالف السعودي الإسرائيلي بمواجهة قوى الفاشية والإجرام والاحتلال الإيرانية-، أو التخفي خلف بعض الشعارات ذات المظهر البراق كحوار الأديان والتسامح فيما بينها الذي استخدمه الوفد البحريني الأخير أثناء زيارته العلنية للاحتلال ولمؤسساته ولأحد أكثر أحزابه السياسية عنصرية وكرها وبغضاً تجاهنا كعرب.
لذا وعلى الرغم من ردات الفعل الشعبية الراهنة إلا أن تقديرنا للموقف الرسمي العربي يشير إلى كون القرار الأمريكي مقدمة لمرحلة أكثر انحطاطا وانهزاماً، فالمظاهرات والاشتباكات الراهنة هي تعبير عن حالة الغضب والسخط الشعبي فقط، بينما التعبير عن النية والقدرة على تغيير الواقع العربي والفلسطيني تحتاج للمزيد من الجهد والوقت والعمل بعيداً عن الأعين، وهو ما لن نلمس نتائجه إلا بعد مضي بضعة أشهر وربما بضعة سنوات، و عندها يمكننا أن نشكر التعنت والعنجهية الترامبية كونها القشة التي قصمت ظهر الجموع الشعبية ودفعتها للعمل سراً وجهراً على قلب المعادلة. لكن ومنذ يوم الإعلان عن القرار الأمريكي وحتى يوم نجاح الجموع الشعبية العربية في تجسيد خيارها السياسي والواقعي الوطني والمستقل فإننا بحاجة لتناسي أحلامنا الثورية والالتفات إلى الواقع السياسي واليومي، هذا الواقع الذي يحتاج لنا جميعا من أجل تحويله لصورة مطابقة عن حلمنا الثوري.

أترك تعليق أو مشاركة

من الأرشيف

أترك تعليق أو مشاركة