الدين والإيمان.. مفاهيم ومواقف – بقلم : جيمس زغبي

آراء حرة ….
بقلم : جيمس زغبي – واشنطن …
قبل بضعة أسابيع، كنت مدعواً للتحدث في «منتدى السلام العالمي» لعام 2017 بدعوة من الشيخ عبد الله بن بيّه رئيس «منتدى تعزيز السلم في المجتمعات المسلمة» في أبوظبي. ولقد دأب «بن بيّه» كل عام على دعوة علماء وقادة المسلمين والمسؤولين الحكوميين المهتمين بالقضايا الدينية للاجتماع بشخصيات بارزة للبحث والتحاور حول قضايا تتعلق بالسلام والتسامح والاعتدال، فضلاً عن مناقشة الأسس التي تقوم عليها الأديان في العالم.
وطُلب مني أن أحضّر خطاباً للمنتدى حول نظرة المسلمين العرب لإيمانهم، وكيف يوفقون بين تعريفهم لإيمانهم وبين مواقفهم من الحياة الاجتماعية والسياسية. وفضلاً عن أنني أحمل شهادة الدكتوراه في علم الأديان المقارن، فإنني أهتم بسبر الآراء وإجراء الاستطلاعات الميدانية، وسبق لي أن قمت باستطلاعات رأي في منطقة الشرق الأوسط كلها خلال عقد ونصف، ولهذا السبب قررت أن أستطلع مواقف العرب حول طريقة فهمهم لما يعنيه أن يكون الإنسان متديّناً، لأنني فكرت في أن من الأفضل طرح هذا السؤال عبر استطلاعات الرأي واستشفاف التعريف الشخصي للتديّن من خلال الإجابات المباشرة والصريحة.
وخلال العامين الماضيين، كنا نهتم بإجراء بحث استقصائي شامل يتعلق بمواقف المسلمين العرب من الدين، وكنا نركّز على أسلوب فهمهم لإيمانهم، وكيف يمارسونه، وكيف ينظرون إلى دوره في إقامة العلاقة السليمة مع الدولة والمجتمع.
وفي تقريري الذي طرحته على المنتدى، ركزت اهتمامي على دراستين استطلعت من خلالهما آراء 35 ألف مسلم ينتمون لعشرة بلدان عربية، ولكنني أوليت اهتماماً خاصاً على النتائج التي استقيتها من خمسة بلدان هي: مصر والمملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة وتونس والمغرب.
والشيء الذي أظهره الاستطلاع هو أن المسلمين متشابهون في الرؤى بشكل عام. ولكنني لاحظت وجود اختلافات من بلد إلى آخر حول طريقة فهم الإيمان والنظرة إلى دوره في الحياة والمجتمع، وكان الأمر المثير للانتباه هو عدم وجود أي اختلافات جوهرية في المواقف بشكل عام بين المجموعات السكانية (كالعمر والجنس والثقافة ومستوى الدخل)، وكانت الاختلافات الأساسية التي لمسناها هي التي تقوم بين من يطلقون على أنفسهم صفة «المتعصبين في الإيمان»، وبين «المعتدلين» أو الأقل اعتدالاً، ولاحظنا أن طريقة التفكير بين هاتين المجموعتين مختلفة بشكل كبير.
وكان من الواضح أن «المتعصبين» في التدين هم الأكثر تشبثاً بنظرتهم للإيمان وأكثر تشدداً بممارسة شعائر دينهم، فهم يقضون وقتاً طويلاً في إقامة شعائر الصلاة، ويكثرون من التردد على المساجد، ويخصصون أوقاتاً طويلة للاستماع إلى البرامج الدينية والاهتمام بالفتاوى، وهم يعترفون بأنهم أقل ميلاً للتسامح وتقبل الأديان والشيع الأخرى، ولهم نظرة سلبية على الاعتدال.
وتختلف نسبة المتعصبين من بلد إلى آخر، فهم يشكلون خمسي المجتمع التونسي وربع المجتمع في المغرب ومصر.
ومن الجدير الإشارة إلى أن المسلمين المتعصبين يحملون الاعتقاد الراسخ من أن بلدانهم تسير في الاتجاه الخاطئ، ويرون أن الجماعات الدينية يجب أن تهتم بالسياسة وإعادة عهود الخلافة الإسلامية، وفي المقابل يحمل المسلمون المعتدلون الاعتقاد القوي بأن الجماعات المتطرفة مثل تنظيم «داعش» و«القاعدة» إما أنهم «غير مسلمين على الإطلاق»، أو أنهم «انحرفوا عن تعاليم الإسلام».
ولقد آثرت أثناء طرح تقريري في المنتدى أن أشير إلى أننا كمستطلعي رأي، لم نتدخل في شرح ما تعنيه مصطلحات مثل «متدينون متعصبون»، بل ركزنا اهتمامنا على إبراز الأفكار المشتركة للمسلمين الذين يطلقون على أنفسهم هذه الصفة، وإذا ما شعر أولئك الذين استمعوا أو قرؤوا تقريرنا بأن للبعض ممن استطلعنا آراءهم فهماً منحرفاً عن مفهوم الدين القويم، فإن معالجة هذا الأمر تقع على عاتق علماء الدين من أجل تصحيح هذا الانحراف وحتى يستعيد المؤمنون المفهوم الحقيقي لدينهم وإيمانهم.

أترك تعليق أو مشاركة

من الأرشيف

أترك تعليق أو مشاركة