البعنة والتمسك بالمبادئ! – بقلم : فؤاد عبد النور ( الصورة للشهداء الثلاثة ) فؤاد حجازي , عطا الزير , محمد جمجوم

فلسطين ….
بقلم : فؤاد عبد النور – المانيا ….
وقعتُ على مقابلةٍ جميلةٍ  للشاعرة آمال عواد رمضان منشورةٍ  في موقع ” صوت العروبة ” في الولايات المتحدة الأمريكية،  بتاريخ 28 \ 7 \ 2013، والمقابلة بعنوان:
” حيفا والتهجير.. بعين المسُنّة حلوة إلياس،” اخترت منها التالي:
” .. وهي والدة البروفسور الموسيقار الفنان تيسير إلياس، من المغار،  ومن مواليد المغار، التقيتها أشهرَاً قليلةً  قبل وفاتها،  وقد تعدت التسعين من عمرها،  ولا زالت بكامل أناقتها وهيبتها، وذاكرتها المتيقظة..
”   .. تحدثت أم راسم عن الانتداب البريطاني،  وعن ثورة البراق في أوائل الثلاثينات، حين أُعدم ثلاثة مناضلين فلسطينيين في سجن القلعة،  وحكم بالسجن المؤبد على ثلاثة عشر سجيناً آخرين.  وكان القادمون على الإعدام  ينشدون بفرحٍ ودون  خوفٍ قصيدة الشاعر السوري نجيب الريس،  وانتشرت في سجن عكا،  ووصلتنا، وصرنا ننشدها ونُـغنيها،  وكقائدة محاربة،   أنشدتها بمناسبة،   وبإلقاءٍ خطابيٍّ قوي،   بثّ العزم في سامعيها:
” يا ظلام السجن خيّم/ إننا نهوى الظلاما / ليس بعد الليل إلا / فجر مجدٍ يتسامى / إيه يا دار الفخار / يا مقر المخلصينا / قد هبطناك شباباً / لا يهابون المنونا / وتعاهدنا جميعاً / يوم أقسمنا اليمينا / لن نخون العهد يوماً / واتخذنا الصدق دينا / أيها الحراس رِفقاً / واسمعوا منا الكلام / متّعونا بهواءٍ / كان منعه حراما /  لست والله نسياً / ما تقاسيه بلادي / فاشهدنّ يا نجمُ أنّي / ذو وفاء ووداد / يا رنين القيد زدِني / نغمةً تُشجي فؤادي / إن في صوتك معنىً / للأسى والاضطهاد / لم أكن يوماً أثيما / لم أخن يوماً نظاما / إنما حب بلادي / في فؤادي قد أقاما.
وتستأنف حديثها:
„ ولدت ابني البكر وبنتي في عكا زمن الانتداب البريطاني في فلسطين،  ثم احتل الجيش اليهودي بلادنا، فهربنا إلى البعنة،  قرية جوزي.  ولما وصل الجيش إلى البعنة،  أرسل المختار الناطور يطلب من الأهالي أن يعلّقوا ملاحف وشراشف بيضاء على سطوح المنازل،  كإشارة  وعلامة إنا مسالمون، وأن البلد مسالمة لا تريد الدم !
„ حين دخل الجيش اليهودي البلد طلب المختار من قطروزه أن يخرج الأهالي أطفالا ونساء وكبارا وصغارا وشبابا وشيوخا من بيوتهم، فتجمع الأهل بين البعنة ودير الأسد، واختار الضابط رجلين،  واحد مسلم وواحد مسيحي،  يلبسان حطة ( كوفية ) ورموهما بالرصاص على مرأى من الأطفال،  أهل البلدين،  ودحدلوهما من أعلى الشارع إلى أسفله للترهيب وتخويف، وترويع الأهل.  ثم قام الجيش يلموا الرجال والشباب  للسجون،  وليخدموا في الجيش وفي الأعمال الشاقة،  بالسخرة،  وصرخوا في الشيوخ والنساء كي نغادر البلد.  فأخذت دابتي الحمارة،  وأطفالي،  وقليلاً من الطحين والسكر والحبوب،  ولكن دون ثياب.  ومضيت مع النازحين في البرد، نهرول،  ونولول،  ونبكي . مضينا صوب لبنان،  وتحت المطر.
” مررنا بنحف، وإذا بالقتلى محملين على البقر،  يسوقهم الجيش في اتجاه واحد، فخفنا،  وصرنا نسرع الخطى للهروب،  قبل ما يصيبنا ما أصاب قتلانا.  ولكن دابتي المنهكة ما كانت تعينني،  فأنزلت ابنتي عن ظهرها وحملتها،  وبقي طفلان على ظهر الدابة.  وحين مر بي رجل على فرس،  طلبت منه أن يساعدني،  ويأخذ ابنتي معه. فأخذها،  ومشينا،  ومشينا.  وطالت المسافات بيننا،  وغطّى عتم الليل المسارب والدروب،  ولم أعد أرى أحداً.  فخفت وصرت أبكي وأصرخ  وأنادي:  ياللي أخذت بنتي عالفرس،  دخيلك رجّع لي بنتي!  وعاد لي صوته من بعيد : يا أختي لا تخافي.. بنتك في أمان!  وظل ينتظرني إلى أن سلمني اياها.
” حين مررنا بقرية ساجور الجليلية، لحقنا بمجموعتنا اللي لجأوا إليها،  إذ كان الوضع هادئ فيها، لأنهم أصدقاء لليهود،  وظللت وحيدة،  بعيدة عن المجموعة،  أضم أطفالي إلي. وحين جلست أرتاح،  راحت السكرة،  وأجت الفكرة.  فأخذت ابكي،  وأضم أطفالي.  حضر رجل البيت، وطلب مني الانضمام لمجموعة بلدي. أخبرته إني لا أعرف أحدا منهم، وأني غريبة عن البلد،  ومقطوعة، وأني من قرية المغار. فعرف أهلي،  وعائلتي،  ونده زوجته كي تفتح المضافة إلنا قائلا:  هؤلاء أهلها ياما أكلت من خيرهم  وخبزهم،  وبرمشة عين دشعت النساء  وأطفالهن للمضافة، وأكل الجميع. وأكلت مع أطفالي و بعدما استشعرت شيئا من الأمان،  وبعدما أطعموا دابتي،  واطمأن قلبي.
“في الصباح، قررنا أن نغادر ونتابع السير، ولكن أحد الرجال، طلب منا ( كان من المجموعة المغادرة من البعنة ) طلب  التمهل والتصويت.  هل نشمّل إلى لبنان،  أو نعود لبلدنا نختار الموت فيه.  كان الصوت الأرجح  ينادي بالعودة والموت.  فعدنا للبلد على وجه الله وبركاته!
„ ولكن بعد يومين عاد 130 جندي من الجيش اليهودي للبلد،  حين رأوا القناديل المضاءة في البيوت في الليل،  وطلبوا من المختار تفريغ البلد من أهاليها في نفس الليلة.  فوعدهم المختار أن يكون لهم في الغد ما يريدونه،  وبسرعة أرسل الناطور إلى البيوت،  ليجمع من كل بيت ليرتين،  ليحضّر وليمة للجيش اليهودي،  وأحضر المشروبات الروحية لهم، وعشّاهم. وحين سكر الضابط وجنوده،  طلب منه المختار أن يوقع على وثيقة إبقاء الأهل في البلد. وهكذا نجا الأهل من التشريد والتغريب، وبقوا في بلدهم.
”   بعد خمسة اشهر ، أخرجوا الرجال العرب من السجون، ولكن أعادوا للبلد فقط من بقيت زوجته وأطفاله في البلد، ومن رحلت نساؤهم إلى لبنان، أخذوهم بسيارات الجيش، والحقوهم بنسوانهم في لبنان، وكبّوهم على الحدود.
” بعد الاحتلال صار في دكاكين إعاشة في كل بلد، توزع مؤنا أساسية على أهل البلد، وبكميات محددة، بحسب عدد أنفار الأسرة.  وكان الناس يقفوا في صف طويل، وينتظروا دورهم،  ليأخذوا نصيبهم من سكر وزيت وطحين وقهوة.  بمشوار حياتنا يا ما عانينا،  وشفنا، وذقنا.  لما كنا في البعنة،  كانت الحياة مـُرة،  وبدون ماي.  زوجي كان يعمل خارج البعنة،  ويعود بالليل.  فكنت أنتظر حتى الظهر، بعد  ما ينام  اولادي،  وأمضي من البعنة لدير الأسد،  وأمشي مسافة طويلة حتى أأمن الماي للبيت،  للشرب والغسيل. وبسبب الظروف الصعبة،  انتقلنا عام 1962 للسكن في شفا عمرو، ومكثنا في بيتنا المستأجر بدون ماي،  ولكن كان إلنا جيران طيبين،  أخذنا من عندهم الماي،  إلى أن تمّمنا معاملة البلدية،  وصار في بيتنا خط ماي.”
————————
تحدث محمود علي بكري  إلى د. عراف ، عما حصل في البعنة عندما احتلت:
” كنت ابن عشر سنوات عندما احتلت قوات الهاجاناه قرى البعنة، ودير الأسد ومجد الكروم.
” في مجد الكروم تزكزت  كتيبة من جيش الإنقاذ بقيادة الضابط الأردني ضيف الله الروسان،  وكان صديقاً لعدد غير قليل من سكان القرى العربية، وقد نصح أعمامي بالرحيل، قائلاً لهم:  دبروا حالكم.
” … دخل الجيش الإسرائيلي مركز الشرطة في مجد الكروم،  حيث كان جيش الإنقاذ مرابطاً . ونزل وفدٌ من كل قرية مجاورة إلى قائد الهاجاناه هناك، بعد أن رفعت هذه القرى أعلاماً بيضاء على بيوتها. طمأنهم الضابط المسؤول وقال لهم:  ليبق كل في بيته، وسنخبركم بما يجري بعد ذلك.
” بعد ثلاثة أيام طلب الجيش الإسرائيلي من ناطور القرية أن ينادي السكان للاجتماع. ( التفاصيل مذكورة في موضوع دير الأسد. )
” وصلت مجموعة من الرجال تحمل مناشير تحث على عدم ترك البلد، والبقاء رغم أنف الاحتلال. وهؤلاء الرجال رمزي خوري،  حنا إبراهيم،  جمال موسى،  ونديم موسى،  وكانوا ينتمون إلى عصبة التحرر الوطني التي تحولت فيما بعد إلى الحزب الشيوعي الإسرائيلي.
كان لهذا المنشور كبير الأثر على بقاء أكثر من 95 % من سكان البعنة  قريبين من القرية، ثم عادوا إليها في الليل، ولم يتوجهوا إلى لبنان.
المنشور
جرى توزيع هذا البيان سراً في أماكن عديدة، ليلة 30 أيلول 1948
بيان إلى الشعوب العربية
من الحزب الشيوعي العراقي
والحزب الشيوعي السوري
والحزب الشيوعي اللبناني
وعصبة التحرر الوطني في فلسطين
عن القضية الفلسطينية وعن المشاريع الاستعمارية الحربية الإنكليزية  والأمريكية
في الشرق العربي.
يشدد المستعمرون الإنكليز والأمريكيين هجومهم على الشرق العربي.  وهم إن تزاحموا وتكالبوا على النفط  والأسواق والقواعد العسكرية،  فإنهم متضامنون ومتكاتفون على دعم النظام الاستعماري وتوطيد النير في أعناق الشعوب العربية، وخنق نضالها في سبيل التحرر الوطني والديمقراطية. أما الفئات الرجعية الخائنة، فتزحف على الأربع أمام المستعمرين.
الأسباب الحقيقية للحرب الفلسطينية:
خيانة الرجعية العربية في قضية فلسطين
نكبة عرب فلسطين وجميع الشعوب العربية في الحرب الفلسطينية.
الجامعة العربية أداة  في يد الاستعمار.
مشاريع الإنكليز والأمريكيين الحربية في الشرق العربي
الاستعمار الأجنبي  وحليفته  الإقطاعية هما سبب تأخر الأقطار العربية وبؤس شعوبها. معسكر الاستعمار العالمي  يتقهقر بينما معسكر الحرية والديمقراطية في العالم يتقدم.
إلى الاتحاد الوطني، إلى التضامن العربي.
—————–
كتب سهيل كيوان،  بتاريخ 8 \ 6 \ 2013مقالاً في صحيفة ” فصل المقال ” بعنوان ” مسطح  قرية البعنة  لم يتسع سوى عشرة  دونمات خلال أربعين سنة!
” يحتاج المرء إلى عدة دقائق حتى يستوعب العنوان، ودلالاته. هل هذا معقول ؟ أن لا يُسمح لقريةٍ  مبنيةٍ  على سفح  جبلٍ،  أن تتوسع لتأوي سكانها،  بينما من الطبيعي أن تتوسع المستوطنات على أراضينا،  بحجة الزيادة السكانية!”
يقول سهيل:
” البعنة قريةٌ جليليةٌ عريقة، أنجبت فنانين وشعراء وأجيالاً من الوطنيين. يبلغ عدد سكانها حوالي 8000 نسمة،  وهي شقيقة  دير الأسد التوأم،  وجارة مجد الكروم. لا تقلُّ معاناتها عن شقيقاتها الأخريات  في مجال السكن  في الشاغور.
” وجدنا ستة إخوة، كلهم متزوجين، ومع أولادهم،  يسكنون  في بيتٍ من طابقين، وفوقهما إضافات عشوائية،  حيث يعيش في غرفة واحدة ومخزن سبعة أنفار. في الغرفة ترى التلفزيون فوق الثلاجة،  ومكان الجلوس إلى جانب بالونات الغاز، ولا نعرف أين يستحم أولئك الناس.
„ أسرة أحمد رجب بكري هي نموذج للبؤس الذي تعيشه عائلات كثيرة في البعنة. أحمد ابن خمسة عقود، متزوج منذ خمسة وعشرين عاماً،  له أربعة أبناء كبيرهم في الواحدة والعشرين،  وأصغرهم في الرابعة عشرة،  يعيشون كلهم في غرفةٍ واحدةٍ،  مساحتها لا تتعدى الثلاثين متراً،  وإلى جانبها مخزنٌ لا باب له.  لا تستطيع أن تتفهم كيف يعيش هذا العدد من الأنفار في هذا المكان الذي لا يتسع لسبع قطط ؟!
وعلى هذا المنوال يمضي سهيل في سرد ما رآه في  جولته هذه في البعنة. نخشى أن نثقل عليك بسرد المزيد !
———–
يذكر ناجي مخول في كتابه ” عكا وقضاها ” أن البعنة حسب رأي ” د. حِتّي ” بلدة كنعانية،  اشتهر بها معبد كنعانيٌّ  للإلهة ” هنات “، وتحرف مع الزمن إلى البعنة. وتشهد الآثار الكثيرة على قدمها، ولكنها غير محفوظة، ولعدم منح إسرائيل القرية إمكانية توسيع مسطح البناء، يضطر السكان إلى البناء فوق المباني الأثرية، وإخفاء البناء عن سلطة الآثار لئلا توقف البناء.
وقد زرت أثناء بحثي الميداني قبل أكثر من ربع قرنٍ  بيت سهيل بشارة الخوري، ووجدته يسكن فوق قلعةٍ رومانية، ولا يزال قسمٌ من القلعة ظاهراً ، ويُستخدم كمخزنٍ مهجور. وقد قست سمك الحائط ووجدته يبلغ الثلاثة أمتار.
وقد زرت علي إبراهيم حصارمة، الوكيل الرسمي لمقام الخضر، الموجود على سفح الجبل، بين البعنة ودير الأسد، توجد فيه مغارةٌ للخضر.  ولا بأس في نقل تجربتي هذه من الطبعة الثانية لهذا الكتاب، فإنها تكمل الصورة عن الواقع الديني، الذي لا يزال سائداً في الجليل.
يوجد قيمٌ من العائلة يحافظ على المقام،  ويعتاش نوعاً ما منه، من الذبائح التي يقدمها بشكلٍ خاصٍ  الدروز. والذبيحة لا تعني بالضرورة الذبح عند المقام، ولكن قيمة الذبيحة يُـتبرع بها؛ الثلث للقيم، والثلثان الآخران لصندوقٍ خاصٍ يتبع الرئاسة الروحية للطائفة الدرزية.
يكن الدروز احتراما خاصاً للمقام، وقد حاولوا الاستيلاء عليه في العهد البريطاني، فرفعت القضية في المحاكم، وقضت أن يبقى في عهدة السنة. والشيخ أمين  يعتبر المقام هذا من أقدس مقاماتهم، ولا تزال” نفسه فيه “. وقد اتفق الدروز مع رئيس مجلس دير الأسد السابق على شقٍ طريق للسيارات، لتسهيل الزيارة، فلم يقبل القيمون عليه.
زرت القيم الشيخ كامل حصارمة،  كان عمره 104 سنوات، نحيف الجسم،  قوي البنية، ولكنه أصبح يعاني من ضعف النظر، فسلم العهد لأخيه الأصغر، الذي يضيء سراج زيتٍ  في ليالي الخميس والجمعة. وقد عبر لي عن ولعه بالمقام، وقد بلغ الستين من العمر، وقال: ” أنا بنظّف حوله، وبدير بالي عليه. أنا بعبده عبادة الخضر! بَركِّب عليه قفل، ولكن أولاد الدير بخربوا القفل كل مرة. ما بحترموا. ”
وقُصّ علي قصة استلام العائلة للمقام:
“أجا الخضر عليه السلام وأخذ رجال من البعنة، ونحف، والدير، ومجد الكروم، وأوقفهم عند الصخرات. وكان على مغارة الخضر صخرة كبيرة.  قالهم الخضر: اللي بقدر يقيم الصخرة عن مقامي بكون هو المسؤول عنه!  البعاينة، والنحافنة، والديارنة، والمجادلة كلهم حاولوا يزيحوا الصخرة ما قدروش، إلا جدنا حصيرمة، حط إيده على الصخرة، قال: يا الله.. يا خضر .. با أبو العباس! الصخرة  فتحت، والمقام انكشف،  قام الناس عملوا له باب، ومن هداك الوقت إحنا مسؤولين عنه. يا سبحان الله!
” بني معروف أجوا يعمروا الطريق. أجا لي الشيخ أمين بنفسه وقال لي: يا شيخ مشان الله، ومشان ها المقام، خلينا نفتح له طريق ونعمره . قلتله أنا واحد من كثيرين من الحصارمة،  كلهم أفهم مني وأكبر. أستشيرهم. ما قبلوا.
” العمار والسقف إحنا عملناه. الإنكليز ضربوه في ال 38،  فكروا فيه ثوار. بعدين عوضونا وصلحناه. على حكي الناس المغارة جوا  كبيرة  بِـتودّي  لكسرى! ( القرية القريبة)
وهنا تدخل ابن الشيخ كامل، محمد، وقال:
” روح أو شوف الطاقة الصغيرة عند المقام. الواحد لو كان طاهر، ووزنه 100 كيلو بفوت منها. إما إذا كان مش طاهر، بتسكر الطاقة على خصره. واحد حبسته الطاقة، ما حدا قدر يفكّه  إلا لما أجت بنت من العيلة، وقالت: يا جدي.. يا خضر، فِكّه! قام فَكّه.”
هز الحاضرون رؤوسهم موافقين.
في زيارة أخرى أوقفت شاباً عند أول الطريق الداخلة إلى البعنة، وسألته إن كان يستطيع إرشادي إلى طريق المقام، فتردد قليلاً، وقال إنه مشغولٌ. ثم غير رأيه، وقال: ” مش معقول ما آخذك.. الخضر جدنا! ” وركب معي في السيارة. وإذا به من عائلة الحصارمة. والقيّم زوج عمته. أكملنا الطريق صعوداً إلى البعنة، إلى أن وصلنا إلى لافتة على يسار الشارع بارزة،  بحرف ” ت ” بالإنكليزية،  أي أن الطريق دون مخرجٍ. دخلنا فيها.  وصلنا إلى طريق غير معبدةٍ. دعاني إلى الدخول فيها. ازدادت الوعورة، وهو يحثُّني، وازددت ضيقاً.  إلى حافة السيارة  اليسرى الجبل، وإلى الحافة اليمني المنحدر الشديد. وأنا أفكر كيف سأرجع. توقفت وقلت له نترك السيارة هنا ونسير، فقال سر عشرين ثلاثين متراً أخرى،  وتصل إلى مدور. وصلنا المدور، مدور بالكلام فقط،  يتسع قليلا عن الطريق. عانيت كثيرا لتحويل السيارة،  “بيجو ستيشن “،  ليست  سيارةً قصيرة،  وهو مستغرب عدم مهارتي! أكد أنه كثيراً ما يأتي إلى هنا، بتراكتور، مع عربةٍ مجرورةٍ  وراءه،  ويدور في نفس البقعة، ويعود.  كيف، لا أدري. التفسير الوحيد لذلك أنه من الحصارمة.
سرنا على الأقدام نحو المغارة، على طريقٍ للماعز. وجدت المقام  فعلا كما يقول الشيخ أمين في حالة سيئة.  قذارةٌ وإهمال. زجاجات بلاستيكية فارغة، وأوراق، وقاذورات مختلفة. وعندما تصل الباب الحديدي الخارجي، تزعجك رائحة النجاسة. لعلها من الدم، أو بقايا الذبائح. هيكل البناء مهملٌ. قطعةٌ من أطراف السقف هابطةٌ. والمقام عبارةٌ عن مغارةٍ  صغيرةٍ، إلى جانب مغارةٍ أخرى، أكبر قليلاً.  وأُقيم خارج المغارتين، دون اتصالٍ بهما، بناءٌ  حجريٌّ  بثلاثة أقواسٍ، يراها المسافر على الشارع الرئيس بين عكا وصفد.
وحكى لي رفيقي أن أحد الأشخاص، أوحى لي  أنه من نحف، طمع في بعض خلايا النحل التي اتخذت من المغارة مسكناً. فنذر للخضر أنه إن سلم من النحل، ومكّنه الخضر من جني العسل، سيعطيه حصةً من النحل. فكان أنه نجح في مسعاه، والمحصول كان وافراً.  فغير رأيه، وحمّل العسل على حماره،  وقال بصوتٍ عالٍ : هو الخضر بوكل عسل؟ وركب حماره ونزل من الجبل. لما وصل أول السهل، وجد الشقيف الكبير قد انفصل عن الأرض، ووقف في مواجهته.  إن حاول الجاني ( قاطف العسل ) التحرك يميناً، وقف الشقيف قبالته، يساراً كذلك. أخذ يصرخ ويتوسل. عرض أن يتخلى عن العسل كله،  والقناعة بالإياب سالما. ولكن الشقيف لم يسمع. استمر في محاصرته إلى أن أغلق عليه في الجبل، وعادت الصخرة إلى مكانها،  ولا تزال هناك.  للذي قد يداخله الشك، أقول، أنها هناك، لقد رأيتها!.. الصخرة.
——————————————
الكاتب والشاعر والشيوعي السابق حنا إبراهيم
بعد أن انتهيت من نقل قصة  عائلة الحصارمة  من البعنة،  وصلت إلى حديث حنا إبراهيم، في الطبعة الثانية.
أعدتُ  قراءته  مرةً  أُخرى،  ومرةً  ثالثة. وبعد  ترددٍ  قررت أن أُعيد نشره في هذه الطبعة، ليس فقط لأنه حديثٌ  قيمٌ مركزٌ، ولكن لكونه يغطي تجربةً  حيةً  لشيوعيٍّ  في الجليل، ناضجٍ، غير طائفيٍّ، ملتزمٍ  بعقيدته،  ليس على الورق فقط،  وتاريخه هو في الواقع  تاريخ  الجليليين،  ويُـفسر لماذا لم ينجح الفلسطينيون بتحويل وجودهم – 20 % من السكان – إلى قوةٍ  أكثر فعاليةٍ،  تُغيّر مسار إسرائيل.
كانت  لهذا الحزب  أمكانيةٌ  أن يكون قوةً  جديةً  متحديةً  الصهيونية، مثل تحديه القوي للحكم العسكري. من الممكن أن يكون التأييد الشعبي الذي كان يتمتع به في تلك الأيام، قد أسكره، ودفعه إلى محاولة لجم القوى التقدمية القومية الصاعدة بين عرب إسرائيل، وما لحقها من نمو الإسلام السياسي، فاختلّت بوصلته، ووصل إلى ما وصل إليه الآن.
أغلب أفراد جيلي ممن  برزوا  وكانوا  مُنظّرين  في صفوف الشيوعيين  قد طُردوا، أو فصلوا أنفسهم. القائمة طويلة: بولص فرح، صليبا خميس، حنا أبو حنا، حتى الستاليني إميل حبيبي، ونسيبه سميح غنادري، وغيرهم. وبالطبع حنا إبراهيم.
وهذا نص المقابلة:
عرض علي محمد، ابن القيم على مقام الخضر في البعنة، أن يعرفني على ” بلدياته ” حنا إبراهيم، رئيس المجلس المحلي السابق في البعنة. وقال:
” ممكن هوّ ما بعرف الكثير عن الخضر والصارمة، ولكنه عن البعنة، بعرف كثير، والكل بحبه هون. ”
بالطبع رحبت بهذه الفرصة، وقلت هيا بنا. وصلنا إلى البيت حوالي السابعة مساء، على نية البقاء نصف ساعةٍ فقط.  تبين لي بسرعة أني  جاهلٌ في التقاليد المسيحية. إذ وجدنا في البيت أكثر من عشرين شخصٍ؛  حنا نفسه، والده، أخاه، الأبناء والبنات،  والأحفاد، كانت سهرة عيد الفصح للروم الأرثوذكس، فدخلنا من حيث لا ندري على مناسبةٍ عائليةٍ  ودينية خاصة. حاولنا الاعتذار والخروج بكل جديةٍ،  فلم يسمح صاحب البيت، وأصر علينا بالبقاء، فبقينا، وشاركناهم الاحتفال والعشاء، وما تبعه من سمرٍ، استمر لساعة متأخرة، بِتّ بعدها في نفس البيت.
رجعت أكثر من مرةٍ  للزيارة،  ولإكمال الحديث.  في جعبة حنا إبراهيم الكثير من القصص التي تثير شهية أيّ صحفي،  فكيف إذا  كانت مع رئيسٍ سابقٍ للمجلس المحلي، وكاتبٍ  بارزٍ وشاعر، وشخصيةٍ  شيوعية. وأنا  أُشاركه  تجربته في النضال، وفي الحزب: هو طرد، وأنا انسحبت، وكنت شبه مطرودٍ في أيام سجني معهم!
وبالإضافة إلى هذا كله، فهو شخصٌ بارزٌ في عائلةٍ مسيحيةٍ، أعطى ابنته لشابٍ مسلمٍ. ولا غرابة في ذلك، وإن كانت في ذلك الوقت سابقةً، غير مألوفة. ونجح في كسب التأييد لخطوته تلك، من العائلة – وإن أتت الموافقة في وقتٍ متأخر –  ومن بقية  المسيحيين في القرية.
تعرفت على بعض الأمور الخاصة عند الأستاذ  حنا. وبعد أن أهداني كتابه  الأخير ” ذكريات شابٍ لم يتغرب ” وجدت  أموراً  كثيرة  يذكرها بكل صراحةٍ،  مثل نشأته المتواضعة، وعمله في المحجر لمدة 21  سنة، ولكنه ثقّـف نفسه، وأفادها بما نفعه عندما عجز عن العمل  في المحاجر لانزلاقٍ غضروفي.
يذكر في كتابه الكثير عن الحياة في الأيام الأولى للحكم الإسرائيلي، وتصريح رئيس الدولة آنذاك ” موشه شاريت ”  أن الجليل العربي أمانةٌ  في العنق،  إلى صيرورته ” جزءاً لا يتجزأ من الدولة الجديدة “. وأصبح واضحاً نية الدولة الإسرائيلية على ضم الجليل، وهو لم يكن من ضمن الدولة اليهودية حسب التقسيم. ولكن لم يكن هناك وجودٌ لمن بإمكانه أن يعترض ( ص 94 و 112 ). ولكن الكاتب لا يذكر لماذا لم يقم الشيوعيون  أنفسهم  بالاعتراض، ولا على تسجيلٍ لذلك الاعتراض. كانوا القوة الوحيدة التي تستطيع ذلك، وأن تجمع حولها تأييداً جماهيرياً بدلاً  من الاتحاد مع الحزب الشيوعي الصهيوني،  بزعامة ميكونس.
تكلم عن تعليم ابنيه في الدول الاشتراكية: الأول تخرج طبيباً، والثاني استدعاه، ولم يعطه الفرصة لإكمال دراسته كاحتجاجٍ  مبدئيٍّ:
” التعليم في الدول الاشتراكية، مثله مثل أية قضيةٍ أخرى، فيه المفيد وفيه غير المفيد. لقد فتح الحزب الشيوعي مجال التعليم أمام المئات من أبنائنا ، الذين ما كان بإمكانهم أن يتعلموا بطريقةٍ أخرى. وكانت المنح الدراسية أفضل تعويضٍ لمئات من النشيطين سياسياً ، لهم  ولعائلاتهم.  ولكنها تطورت لتصبح تجارةً  كبيرة.  أصبح الكثيرون يدخلون الحزب بهدف الحصول على منحةٍ تعليمية. فينشطون سنتين بتوزيع صحيفة الاتحاد، أو الحصول على اشتراكات فيها.  فنمت الانتهازية في صفوف الحزب. بدلاً من أن يكون انضمام الشخص للحزب رغبةٌ  منه  في العطاء،  فإن دافعه يكون الكسب. مما أثر بشكلٍ سيءٍ  على تركيبة الحزب.  صار بأكثره أكاديميين.. نفعيين. بورجوازيين صغار. وكنت أُثير هذا الرأي باستمرار، رغم أني اـنـتـفعت منه. لقد دفعت 1500 شيكل  للحزب مقابل بعثة  ابني – ما يساوي 4 ألاف دولار اليوم. اضطر والدي يْبيع  قطعة أرض حتى ندفع المبلغ مرة واحدة، رفضوا التقسيط. ”
عندما استمر احتجاجه على طريقة إرسال البعثات إلى الدول الاشتراكية، قالوا له: ما إنت أرسلت ولدين للدراسة هناك !
فاستدعى ابنه الثاني سنة 1986، ولم يعطه الفرصة لإكمال دراسته.
كان حنا يقرض الشعر، ويكتب قصصاً قصيرة. ولما  أصيب بالانزلاق الغضروفي، ولم يعد يستطيع العمل، رغب في العمل في صحيفة الاتحاد، فأُسندت له  وظيفة  مدير المطبعة، رغم عدم الخبرة في الطباعة. فعمل فيها أربعة سنوات. ثم نقل إلى وظيفة محرر في الاتحاد إلى سنة 78، حيث رُشح للانتخابات المحلية لمجلس البعنة،  ونجح فيها، رغم أن المسيحيين يشكلون فقط  نسبة 20% من السكان.
نجح،  وتفرغ  للكتابة بعد انتهاء دورة المجلس، وكانت 5 سنوات. وأصبح يأخذ معاشاً تقاعدياً، يبلغ ثلث ما يأخذه الرئيس، ولكنه كافٍ. ولا يأسف على عدم الترشح ثانية، إذ تحرر من ميدان الخدمة العامة، فالرئيس في القرى العربية ليست له خصوصيّات. عليه أن يتواجد في الأتراح والأفراح،  وفي جاهات الصلح،  لحل المشاكل، وغير ذلك، مما يحرمه من الاهتمام بشؤونه الخاصة، خاصةً التأليف والكتابة.
لقد كان المعاش التقاعدي مساعداً له ليس فقط للتحرر الاقتصادي، ولكن كذلك للتحرر من الحزب. أخذ يبحث عن مصادر للرزق بعيداً عن الحزب.  ونمى استقلاله الفكري مع الأيام، كلما تعرض لخيبات أملٍ لم يكن يتوقعها من مسؤولين حزبيين. وذكر حادثةً حين وافق مسئولو الحزب في منطقة عكا أن يلقي قصيدةً  في مهرجانٍ شعبيٍّ  لافتتاح فرع الحزب في البعنة. وكانت أول قصيدةٍ يلقيها في مهرجانٍ عام. وابتهج عندما أُعجب بها ” إميل حبيبي ” فنشر معظمها في الاتحاد. ولكن تلك البهجة تبخّرت عندما وجهت له سكرتارية الحزب في المنطقة  توبيخاً لأنه لم يقدم القصيدة مسبقاً  للرقابة الحزبية! واستمر هذا الموقف من نشاطه الأدبي ، ومن طموحاته للبروز إلى ما هو أبعد من حدود البعنة. حتى  خلال الحملات الانتخابية والاجتماعات الشعبية كان باستمرار  ترتيبه للخطابة يأتي متأخراً، بحيث تضيع عليه فرصة الكلام، عندما يأخذ الخطباء وقتاً أطول من المخصص لهم. فاستمر خلافه مع قيادة الحزب في المنطقة يتطور، خاصة مع القادة المحترفين:
” القائد المحترف ببقى  بمركزه، مثل الخوري، حتى يموت. إيش هادا ؟ بيروقراطية حزبية .. تسلط.. دكتاتورية في الرأي. لازم يكون في مجال لرأي الأقـلية. الرأي المخالف ممنوع. إذا كان عندك رأي مخالف، لازم إنت تغيره. مستحيل التخلّي عن الرأي. معقول إنك ما تقدر تغير رأي غيرك، ولكن من العدل إنك تتمسك برأيك إذا آمنت إنه صح. ممكن الأيام تثبت إنك كنت على حق. كثير حصل في الأحزاب الشيوعية إنه أُعيد الاعتبار لناس في الحزب ظُلموا لسنين طويلة. إذا تخليت عن رأي أنت مقتنع  فيه، معنى ذلك إنك بطّلت مفكر، صرت بصّيم!”
فتدخّلت وقلت:
” سمعت الناس بتقول عنك في البعنة والجوار إنك مش ملتزم حزبياً “.
فثار وعلا صوته قليلا:
” كيف مش ملتزم حزبياً ؟ شو كنت أعمل إلي أربعين سنة؟! المسألة مش مسالة التزام. بالزمان حملت على بريجينيف. السادات طرد الخبراء الروس، قام بريجينيف رجع للسادات ومعاه معاهدة صداقة. إنتقدت  بريجينيف. قلت هذا مش قائد. ما عنده كرامة. خضع للسادات. واللي بقولوا في الحزب إنه السادات ماشي على خط  عبد الناصر، بقول مظبوط – ماشي وبإيده محّاية. محى كل اللي عمله عبد الناصر! هذا رأيي ولا يزال. اعتبروني مش ماشي على خط الحزب. لما كنت رئيس مجلس البعنة، رفضوا يحطوني في سكرتارية المنطقة، مع إنه مركزي بحتّم أكون. حاول طوبي يرضيني، رفضت. القضية كانت قضية حق ومبدأ. دائما كنت أشعر أني مُستثنى. مهما اجتهدت، كنت أشعر في إيد بتنزّلني. حتى بمهرجانات أول ايار  نادراً ما كانوا يعطوني فرصة ألقي كلمة، أو ألقي قصيدة!
” وأخيرا ، القشة اللي قسمت ظهر البعير. كتبت مقالين. طلبت في واحد إنا نعمل هدنة مع الحركة التقدمية ( القومية الاتجاه – الشرح مني ) ، ومقالٍ أخر بصدد دمج مجلس محلي البعنة بدير الأسد. مقال طلب الهدنة، بعتمد على الرأي إنه مش ممكن نعتبر كل واحد بخالفنا في الرأي خاين، أو عميل للسلطة؛ والثاني بالنسبة للدمج،  قلت إنه وزير الداخلية معه صلاحية الدمج. لا نستطيع تحدي القانون، لأنه إذا  فشلنا، بتكون مش مليحة إلنا. نصحت إنّا نروح للمحكمة العليا ضد التعيين – تعيين الأعضاء والرئيس – مش ضد الدمج. أرسلت المقالين للإتحاد، ما نشروهم. أرسلتهم ” لصدى الجليل ” ، جريدة إعلامية ، صاحبها من سكرتارية الجبهة ( التي تضم الشيوعيين وحلفاءهم ) في عكا، نشرتهم الصحيفة. قالوا خلّي الاحتجاج والرأي المخالف داخل الحزب. داخل الحزب ما في حدا بسمع لك. بدهم يحصروك بفرع البعنة. طيب إلى آراء في الوطن تتجاوز البعنة. إيش هاذا، كاتب وشاعر إله 40 سنة في الحزب، بدك تفرض عليه إيش يكتب، وإيش ما يكتب ؟! حتى ابنك بتضربه عشان يبطل التدخين، ببقى  يْدخن.
” لما اعترضت على دخول الاتحاد السوفييتي أفغانستان زعلوا. هذي أكبر غلطة عملها الاتحاد السوفييتي في حياته. شو ما عمل الاتحاد السوفييتي من أخطاء لازم تصفق له ! هو اعترف بالغلطة، وإحنا لسه بنأيِّدها!
” بقيت أقول لحنا أبو حنا، وصليبا خميس (كاتبان رياديان من الشيوعيين الأوائل )، بقيت أقول إلهم “مرحبا، ” اعتبروها مأخذ علي. صحبة عمر، بدهم أقلب ظهري إلها، واعتبرهم خون! شو أولاد إحنا؟ بعد أربعين سنة  بيجي مين يقول لك مع  مين تقعد، ومع مين لا تقعد؟ ما بتقدر تقول كلمتك. إحنا زلام ولاّ أولاد؟
” هذا مش حزب جماهيري. هذا حزب آل طوبي. بعد ما زاحوا إميل حبيبي، اللي استأثر بالسلطة آل طوبي. لما انقسم الحزب أيام ميكونس ( عندما كان مندمجاً مع ميكونس الصهيوني – الشرح مني )  ، ما عرفنا شو صار. أعضاء لجان ومناطق، ما عرّفنا أحد،  ولا حدا شرح إلنا. طول الوقت بعاملونا مثل أطفال.
” بدي أحكي لك هالحكاية: سمعت من رفيق بالناصرة إنه في خلاف كبير في اللجنة المركزية للحزب أيام سنيه. قلت هذا لرفيق من الرامة. قال مش معقول، خلاف بالحزب ؟! هيك كنا بنقدسهم. قام وقال لنديم موسى، أخ جمال موسى. قام نديم أو وقف في اجتماع قطري وطلب يعرف شو بصير في الحزب؟ عملوا محاسبة لجمال. اتهموه إنه سرّب  معلومات  وأسرار مش مخوّل يعرّف فيها أخوه. استجوبوا نديم، قال عرفت من كمال غطاس من الرامة. غطاس قال عرفت من حنا  إبراهيم. عملوا لي عزارة. طلع الحكي مظبوط. سنيه راح ! وإحنا مغفلين. مِنقدّم حياتنا للحزب، وبنبقى أطفال، ممنوع نعرف شي!  بندعو  لاجتماع لمصلحة البلد،  ما بعطوني إلا خمس دقائق، ممكن أكثر شوي حتى  أحكي عن مشاكل البلد،  اللي هي بالأساس  سبب الاجتماع. بقية الوقت تستمع لمحاضرة حزبية مقررة سلفاً!
” اشتغلت مُتطوع في مجلة ” الجديد ” 9 اشهر، ما أعطوني كرسي أقعد عليه! ما حطوا إسمي في هيئة التحرير. أُجرة طريق ما أعطوني. قلتلهم صحيح اللي بدلل على بضاعته بترخص. كل اللي كتبته للحزب، أربعين سنة،  كان بالمجان! ما أعطوني قرش. طريقنا طريق فاشلة، مش رايحة تبني اشتراكية. دخلنا الحزب حتى نبني الاشتراكية، مش حتى نعلم أولادنا بالدول الاشتراكية.
” وهاي النتيجة. كنت حاسس علاقتي بجماعتنا قاعدة  بتسوء. قلتلهم نفترق أصحاب، قالوا أبداّ، مش معقول! معقول واحد يترك الحزب؟ معقول الحزب يطرد واحد!  ممكن تِنطرد من الحزب بدون محاكمة. بدون اتّـباع أبسط القواعد الحزبية. حتى في النظام النازي، أسوأ الأنظمة الدكتاتورية، كانت المحاكمة واردة، والمتهم لازم يحضر. ما حضرت محكمة. ما حدا قال لي  إيش التهمة؟ إشي ما بركب العقل! واحد قال لإبن خالتي إنه قرار الفصل وصل فرع البعنة، بس مش رايحين يعلنوه إلا بعد الانتخابات، حتى لا يْأثّر على الحزب. سألتهم، أنكروا. قالوا معناش خبر. بعد الانتخابات طلع مظبوط! ”
طال الحديث، أو لنقل جلسات الحديث هذه. قد أكون خصصت لحنا إبراهيم حيزاً كبيرا. ولكن قضيته قضية تصب في المصلحة العامة لشعبنا. قد أكون تعاطفت معه نتيجة لتعاطفي المبدئي مع تمرد الفرد على السلطة الحزبية، أو غيرها، خاصة عندما تزيح تلك السلطة الآلهة التقليدية، وتجلس مكانها. حنا إبراهيم ليس الكاتب والمفكر الأول الذي يجتاز  مثل هذه الأزمة. ولن يكون الأخير. ولكني كنت متشوقاً لأعرف تفاصيل زواج ابنته من شابٍ مسلم. ليس لأني أعتبره حدثاً نادراً. إنه يحصل كثيراً في هذه الأيام. ولكنه يتم  عادة ” على الساكت “. دون ضجة. وتكون أغلب العائلة معارضة. ورغم أنها قضيةٌ شخصية، إلا أن حنا إبراهيم  لم  يمانع من سرد تفاصيلها، خدمةً للمصلحة العامة:
” إسمع،  أنا إنسان مبدئي، غير ملتزم بالطائفية. لما حصل لي امتحان شخصي، كان علي أن أُقرر أتمسك بمبادئي، أو أتنازل عنها مثل ما بعمل كتيرين.  فضّلت أتمسك. بنتي بتشتغل ممرضة، وعملت في عدة مستشفيات، في صفد، وحيفا، والناصرة. لما  راحت تشتغل، أوصيتها وصية واحدة:  قلتلها إحنا ما جمعنا ثروة بحياتنا. ما عندناش إشي نفتخر فيه إلا شرفنا. أنا مش متعصب، بعطيكي الحرية ضمن تقاليد بلادنا. وبنتي بتعرف موقفي من الطائقية. وبتعرف إنه أكثر أصحابي مسلمين. وإحنا كحزب ما بنعترف بالفوارق  الطائفية.
” تعرفت بنتي على شاب من عرابة ( كلهم مسلمون. فؤاد).  لما أجا أبوه ” متهيب ” يطلب  إيد البنت، اتفاجأ لما شاف جوابي مش مخيف، مش ما كان يتوقّع.  قلتِلله  اللي بقرر عندي مش دين الشاب، ولكن شو هو من الناس. إذا كان محترم بين الناس، وبنتي بتريده، ما في مانع. سألت البنت، قالت إنها موافقة. قبل ما أرد إلهم جواب، استشرت العائلة. عيلتنا كبيرة، أكتر من 180 صوت. غير الأقارب اللي خارج البعنة. بعتوا لي وفد حتى أرفض. قلت برفض لأي سبب غير الدين! قلتلهم  إنتوا بتعرفوا إني شيوعي، وأنا بتصرف حسب عقيدتي. قاطعتني العيلة كلها، ما عدا أخوي. الخوري وقف معي، أو هوِّ من عيلتنا. موقفه كان أحسن منهم. قالهم  إتركوه. الولد حط نفسه تحت تصرفي. ما اشترطت عليه يغيّر دينه. لو طلبت منه، كان هذا بعني إني متعصب لديني إلّي ورثته.
” عملت عرس كبير بثلاث حدّاية. عزمت البلد كلها. بعد فترة قصيرة ترشحت  لرئاسة المجلس. بالقرى مش هين تترشح إذا ما كانت عيلتك معك. بالأساس إحنا أقلية في البلد. كثار توقعوا إني أسقط. ولكن خطوتي هذي زادت من احترام  الناس إلي. عرفوا إني صاحب مبدأ. كانت نتيجة فاجأت أقاربي. بعد الانتخابات، أجا لي ابن عمي اللي رفض يعزمني على عرس إخوته الاثنين،  قال إنه عامل حفلة صلح  للعيلة  كلها. جمع العيلة، وذبح ذبايح. واصطلحنا مع الجميع. رجعنا أحباب. ومع نسايبنا في عرابة أحباب. ومع البلد أحباب. بس مع الحزب مش أحباب! ”
———————————————
مجدل يابا ونهر العوجا
كيف يثبت الكاتب أنه  كاتبٌ محترمٌ فعلاً؟
( من كتاب ” المثلث.. الأرض والإنسان ” )
سألت عن أحد من السكان السابقين للمجدل في جلجولية، وفي كفر برا، وفي الطيبة، فقيل لي إني  سأجد إمرأة من المجدل متزوجة في كفر قاسم. سألت هناك، وأخبرني الصديق والزميل إبراهيم بدر في كفر قاسم، المحرر لصحيفة ” النقاء ” الثقافية التقدمية أنه مع الأسف لم يبق أحدٌ من سكان المجدل في المثلث. واقترح علي أن أزور أنسباءهم في مخيم بلاطة للاجئين ، فهم من المجدل. وذكر لي اسم ” أحمد خليل حمدان ” بقال وملاك ويسكن في جنوب المخيم. فزرته ذات عصرٍ وأخبرته أن إبراهيم قد أرشدني إليه، فانفرجت أساريره، وقال: ” إبراهيم محترم، لا يرسل إلينا إلا أناساً محترمين مثله.”
شكرته على المجاملة، وعلى الثقة، وأجبت بأني آمل فعلاً أن يكون كتابي القادم عن المثلث كتاباً محترماً فعلاً. أخبرته أني قد زرت أطلال القرية مرتين، وتجولت حولها، وهي تستخدم حاليا في تصوير الكثير من الأفلام. وأني أرغب في التعرف على سكانها السابقين، وعلى طبيعة حياتهم بعد أن اضطروا للهجرة منها.
عُمْر أحمد – أبو سمير – اثنتان وخمسون سنة، إذا كان عمره سنة النكبة والهجرة تسع سنوات فقط.لا يذكر الكثير عن المجدل، وتقديره لعدد السكان غير دقيق. ولكن ذكرياته عن الهجرة، وقسوة الحياة بعيداً عن قرية مولده لا تزال حية في ذاكرته،  يمتزج فيها الألم والشقاء، وأوضاعه المحسنة الآن في المخيم لا تخفف من شجن تلك الأيام المؤلمة. وقال:
” قعدنا أسبوعين أو ثلاثة في شرق المجدل. وقلنا في أنفسنا لعل الجيش العراقي يتقدم فنستطيع الرجوع إلى قريتنا. ولما يئسنا، ووجدنا أنه لا فائدة ترجى من الانتظار، طلعنا إلى ” دير بلوط “. بيننا وبينهم نسب. استقبلونا في دير بلوط حسناً. وسمحوا لنا أن نستقر في خربة ” دير المير ” و ” دير القلعة”. قعدنا أربع سنوات في دير المير. حتى نأمن معيشتنا، كنا ناخذ جبال ونعشّبها، نفلحها ونجدرها ( ندعمها بسلاسل وجدران ) ونزرع في بعض القطع المستصلحة حبوب نعيش منها. أنتجنا أول سنة قنطارين قمح ستروا علينا.
” وجدنا في الخربة عقداً قديماً مهجوراً مثل براكسات الجيش الانكليزي، أصلحناه وسكنا فيه، سبع أو تمان عائلات. عملنا قواطع من الخشب أو القماش بين العائلة والتانية.  واالشباب اللي احتاجوا يؤسسوا عائلات جديدة أخذوا يبنوا سقايف يغطوها بخشب أو لواح زينكو.”
وسألت : والمدارس، ماذا فعلتم بالتدريس؟ وأجاب:
” المدرسة راحت على جيلنا كله تقريباً. الكل فينا كان مضطر للعمل عشان يساعد العيلة. ساعدنا في تصليح الأرض. ذهب أخ لي للعمل في طوباس. وآخر التحق بكراج حتي يتعلم مهنة الميكانيكي.  وبدأت وكالة الغوث تقدم مساعدات للاجئين. الله ستر علينا.
” ولما رأى نسيبنا أنه إقامتنا في أرضه طالت، أخذ يـتنكّد منا. ربما خشي أن تطول إقامتنا في الأرض أو نتملكها. وفي نفس الوقت لا يدري كيف يطردنا منها. فابتكر طريقة جديدة – ولكنها قديمة في الواقع – جاب كيس روث حيوانات ورماه في البير اللي نشرب منه كلنا. صرنا نضطر نجيب الماي من بعد عشرة  كيلومترات. ما عدنا نرغب نبقى في الأرض غصب عنه. أخذ كل رب عيلة يفكر في الانتقال. لحقنا بأخي إللي عمل في مطحنة قمح في طوباس. ينزل الحمل من السيارة أو الدابة. ويرجع يحمله بعد ما ينطحن مقابل ما يتبرع به أصحاب الحمل. عادة كان التبرع ملء الكفين طحين. سعر رطل الطحين كان 35 قرش. هذا يعني إنه كان يحصّل سبعين قرش في اليوم.” فسألت:
– كانوا بكفوكم. لو قارنا قيمتهم باليوم شو بكونوا؟  فأـجاب:
– ” كان  العامل يحصل بين خمسة لعشر قروش. هذا بعني أنه يوميته كانت كويسة كثير. مكنتنا من المعيشة في طوباس أربع سنين. إما اللي تعلم ميكانيكي سيارات فهذا راح للكويت. وسحب لهناك اتنين من إخوته. وطلبوا إخوتنا إنه نسكن نابلس. سكنا في مخيم ” بيت امنا ” من سنة 56 حتى 63. بعدين أرسلولنا مصاري اشترينا بيت جنوب مخيم بلاطة للاجئين.. وبنينا هذا البيت اللي إنت قاعد فيه هلّأ.”
– ——
تعاهد على قتل الوصي على العرش العراقي!
أدرك أبو سمير أنه لن يستطيع إفادتي كما يجب بسبب صغر سنه قبل الهجرة، فأرسل أحد أبنائه ليستدعي قريباً له أكبر منه سناً، السيد إبراهيم عوض حميدان ( أبو صلاح )، من مواليد 1922، وهو متحدثٌ لبقٌ، صاحب ذاكرةٍ دقيقة التفاصيل، وأهم من هذا يحب قريته، ويحب التحدث عنها.
ذكر أنه كان يعمل في بيارات اليهود، ثم في المحاجر التي أقيمت على أرض القرية، ثم انتهى به الأمر إلى أن أصبح شريكاً في محجرٍ مع صاحب المحجر ( شريك مضارب ) . ولما كان الصخر جيداً لقطع الحجارة، ولإنتاج الحصى، ولصناعة الكلس، سعى اليهود في الثلاثينات إلى شراء أربعين دونماً من أحد سكان القرية، وأقاموا هناك محجراً ضخماً لشركة ” سلوليم “، وأسرع  سكان المجدل لتقليد هذه الشركة، وتلبية الطلب المتزايد على الحجر، وأغلب تلك الطلبات كانت للمستوطنات الجديدة اليهودية عند الساحل الفلسطيني. فازدهرت المجدل، وفقست الأرض محاجر ومصانع لإنتاج الكلس، ويقدِّر أن المجدل كانت تنتج مئة وأربعين قنطاراً من الكلس يومياً.
وتحدث عن ازدواجية تسمية القرية، فهي مجدل يابا، ولما قدم إليها الصادق الجماعيني ، وهو من عائلة الريان، وكان جامع ضرائب من العهد العثماني، غلب على القرية اسم الصادق الجماعيني. وكانت عائلته تحتل القلعة التاريخية فيها، وتسكن بقية الحمولة حوالي القرية. وكانت هي العائلة السائدة، وإن لم تكن الأكثر عدداً.
لم تصل المجدل في تاريخها الحديث تحت الحكم العثماني والبريطاني واليهودي إلى مجدها السابق وأهميتها السابقة، حين كانت نقطة حراسة هامة على طريق القوافل ” فيا مارس”. قربها نبع راس العين الغزير المياه، وتقابلها النقطة والقلعة الإهم” أنيتا بتروس ” الواقعة عند منبع نهر العوجا، والتي سماها العرب ” أبو فطرس ” . وكانت القوافل ملتزمة بالمرور فيما بين هاتين القلعتين في طريقهما للشمال، إذ كانت المستنقعات والأحراج الكثيفة تغطي الساحل الفلسطيني، مما يشكل عائقاً طبيعياً أمام الجيوش والقوافل، وهي حقائق كان سكان القرية يجهلونها عن تاريخ القرية. واستغرب المتحدثان عندما أخبرتهما عن وجود كنيسة بيزنطية في القلعة، يؤكدها شاهد الكنيسة الذي لا يزال موجوداً على إحدى البوابات الداخلية للقلعة.
أكد أبو صلاح أن عدد السكان كان 1600 نسمة.  ويعتقد أنهم جاءوا أساساً من اليمن، ولا أدري على ماذا يعتمد حين يقول : ” عندما انهار سد مأرب، وتشتت العرب، قدم أجدادنا إلى المجدل !”  ولكنه فيما يتعلق بتاريخ المجدل الحديث يكون أكثر تحديداً:
” كان معسكر العين من أكبر معسكرات الإنكليز في الشرق الأوسط.  .. كنت تجد فيه من إبرة الخيط حتى الدبابات والمدافع. لما طلع الانكيز منه بعد انتهاء الانتداب احتله اليهود. مين بِتفتكر كان راصد للمعسكر؟ ما كان إلا جماعة مثقال الفايز من العربان اللي كانوا منتشرين في المنطقة، أو ما أجو إلا للنهب والسلب. في ساعة واحدة هجموا على المعسكر، اقتحموه ونهبوا كل اللي  ما قدروا اليهود ينقلوه. كانوا يصرخوا ويولولوا أثناء الهجوم ” لي.. لي.. لي “. تفاجأوا اليهود بها الهجوم الغير منظم وهربوا. بتذكّر أنه قدام عيني إني شفت تنين من اليهود بطلقوا النار من البرج على البدو، أصابوا واحد. تطلع زميله إلى مصدر دخان الطلقة، وأطلق رصاصة واحدة، وراح يركض مثل كلب الصيد، لقى اليهودي فعلاً مقتول. شلحه ثيابه ورجع بالثياب والأغراض اللي لقاها معه. كان دايماً يصرخ على جماعته: لا تضربوا الكتف، أضربوا الراس.. ترى ثيابه لي!”
وكان لا بد من التساؤل: ما دامت المجدل كانت غنية وقوية، والسلاح متوفر فيها، والنجدات والفزيع ما بتنقطع، وصعب إنها تقتحم من الغرب بسبب المحاجر، كيف لكان سقطت”
زفر أبو صلاح وأجاب:
” كانت حراستنا قوية. المناضل كان يدافع عن بيته وعن أرضه. كان اقتحام القرية من الغرب صعب فعلاً. ارتفاع أرض المحاجر من 10 -20 متر.  كان عندنا خط أسلاك ألغام ضد الدبابات. ولكن في الحقيقة كنا نعتمد على الجيش العراقي في حمايتنا. سقطت اللد والرملة. وأخذ الخط الجنوبي يتساقط قرية ورا أخرى. حاول عبد الكريم قاسم إنه ينجد المزيرعة بنفسه، وحمل إلها 2500 طلقة على بغل، وجدها سقطت. شفناه راجع يبكي. وانسحب قائد القوة العراقية لبلدنا لكفر قاسم هو التاني، كان يبكي برضه. هيك هي الأوامر! بدي أقول لك ها الإشي. أنا سمعته شخصيا من الدكتور رفعت عودة ، بتعرفه؟ : هززت له رأسي بالإيجاب . فاستأنف:  “حلف لي الدكتور أنه ضباط عراقيين اجتمعوا شي يوم في بيته في بيديا، وكان هو موجود شخصياً معهم، وكان بيناتهم عبد الكريم قاسم، وضعوا مسدساتهم على الطاولة، وأيديهم فوق المسدسات، وأقسموا على قتل الوصي عبد الإله. اتفقوا أي واحد يقوم بها المهمة لما تسنح الفرصة. فعلاً قتلوه بخطيتنا!
” لما شفنا القرى إلى الجنوب منا سقطت، والجيش العراقي بنسحب لكفر قاسم، أخرجنا النسوان والأولاد بعيد عن القرية. تسللت القوة اليهودية من الشرق. قاومنا. الخِّلة كانت مولعة كلها. بس ما قدرنا نقاوم الدبابات. انسحبنا |إلى الشرق، وهجرنا المجدل”.
—–
أصررنا نتسجل إنا من المجدل!
لا يزال يوجد عند المحاجر بناء مقام عثماني، على بعد بضعة أمتار من حافة المحاجر. سألت أبو صلاح عنه، ولكن معلوماته قليلة: ” إنه مقام براز الدين. كان للمدعو براز الدين إخوين إثنين: عماد الدين ومجير الدين. الثلاثة كانوا من جنود صلاح الدين. وكان المقام يخدم كزاوية للصوفية من دار ضمرة، على الطريقة القادرية. كانوا يلعبوا الكاس. عرب الجرامنة اللي كانوا يسكنوا جوارنا كانوا يدفنوا أمواتهم عندنا. ولكن المحاجر كانت توكل من المقبرة بالتدريج. كثير ما كانت الألغام تسقط الصخور والتراب وعظام الموتى!
” القبر الموجود في المقام مش قبر المجاهد. في الحقيقة هو قبر شخص من دار الريان بعرفه، اسمه يوسف الريان. كان مكتوب على شاهد القبر بيت الشعر التالي ” قبرٌ سقاه الله الغيث كرامة    لساكنه رضى لا يوصف “. ولكن النسوان كانوا يعتبروا المقام للمجاهد. كانوا يجلسوا في ذياله. ويعلقوا الرايات البيض على الشجرة. خروبة برية. حاول اليهود يهدوا المقام  حتى يوسعوا المحجر، وياكلوا المقبرة. زرعوا تحته بارود لنسفه. ولكن البارود ما انفجر. جابوا جرافة  تا تهدمه، فسقطت الجرافة من فوق وقتلت ثلاث عمال. قرروا ترك الولي لحاله على التلة.
“——-
كنت قد قرأت في كتاب ” أـبنر كوهن – القرى الحدودية ” أن نساء المجدل كن فائقات الغنى لدرجة أن أساور الذهب كانت تصل إلى الركبة. فنفى أبو صلاح ذلك وقال: ” مش نسوانا. ولكن صحيح هذا كان عند نسوان الخونة والسماسرة اللي كانوا يبيعوا  أرضهم لليهود. من القرية بس ” محمد العابد”  باع أربعين دونم لشركة سلوليم. أسست في الأرض أكبر محجر، بعده شغال للآن. إما نسوانا فكانوا ثلاث فئات:
الفئة الأولى: ترتدي الكاب، إزار وبرقع على الوجه. بلوزة قطن وتنورة كتان.
الفئة الثانية: عباية تغطي الجسم كله، دار حمزة.
الفئة الثالثة: تلبس رداء فلاحي- توب أبيض، ومنديل يغطي شعر الراس، مثل نسوان كفر قاسم.
ولكن هذا ما بعني إنه القرية ما كانت غنية. قبل النكبة ساد القول إنه بدل ما تروح لأمريكا تعال للمجدل! كان عندنا أربعين نقطة عمل نشطة. الحقيقة أنه اليهود نشطوا عندنا. ونشطنا إحنا معهم”. وسألت: كيف كانت العلاقة معهم؟ فأجاب:
” الحقيقة كانت جيدة. كان عندهم حراسة قوية  في المحجر. كان في بيننا مصالح قوية. بعتوا لنا أنا ما نسمح للدول العربية بالدخول إلينا ونبقى على علاقة جيدة. لا كان هذا ممكن، ولا ذاك!” وسألت: سؤال أخير أبو صلاح: بعد ما خرجتم من دير بلوط، شو عملتوا؟
” طلعنا لنابلس. أحصتنا الوكالة. حددت مخاسرنا في القرية. ولما سجل الموظفين أنا من نابلس، أحتجينا وعملنا هوزعة كبيرة. أصرينا إنا نتسجل من مجدل الصادق. وفعلا تسجلنا إنّا من مجدل الصادق.”
——
من عندنا القماش.. أُو من عندهم الروح !
اقترح علي أبو صلاح أن أتوجه إلى السيد سليمان ضمرة، صاحب دكان أقمشة في السوق التجاري الجديد في نابلس. وهي دكان واسعة عامرة، وزيارتي  كانت في وقفة العيد، والزبائن كثر. قلت للسيد سليمان أنها زيارة تعريف بجهدي، وسأرجع للبحث بعد العيد. ولكنه أصر على التخفيف عني، وأمر أبناءه أن ينتبهوا للمحل، وأدخلني إلى القسم الخلفي، حيث قدم لي مقعدا وجلس على آخر. وقبل أن تُـقدم الضيافة المعتادة، وقبل أن نبدأ الحديث، دخل حدثان، أحدهما في الخامسة عشرة  تقريباً، والثاني يظهر عليه بوضوح أنه أصغر سناً. وطلبا بعض الأمتار من القماش الأبيض، والأحمر، والأخضر والأسود. وفسـّرا:” إنه العيد.” كان هذا كافياً. لم يعرضا الدفع، ولم يُطلب منهما الدفع. فسألت متعجباً: أهكذا؟
فأجاب:
” نعم.. هكذا. لا يستأهل الطلب . ثم إنها ضريبة الوطن. من عندنا القماش، ومن عندهم الروح! ”
أيد السيد سليمان أن عدد السكان مرتفع، وليس 600 شخص، كما قال المتحدث الأول. وعدّد أفراد الحمائل قبل الهجرة: ضمرة 300. الشامية 350. حميدان 400. ريان 400. عايد 200. وأخرون 300. يكون المجموع 1850. وكان عدد العمال 150. وكان في القرية باستمرار 50 عاملاً من حوران سورية. وكانوا يدعون : الحوارنة. وتحدث عن الظروف التي واكبتهم منذ أن اضطروا للتخلي عن القرية:
” عندما انسحب العراقيون من عندنا ومن راس العين عرفنا إنا مش رايح نقدر نصمد لوحدنا. طلعنا عند اخوالنا في ” الزاوية.” كان إلنا دكان سمانة في المجدل. فتحنا دكان أخرى في الزاوية. ومثل ما لازم تعرف، دكان القرية بتبيع كل شي. أخذنا في التوسع في تجارة الأقمشة. كنا نحمّل حمار أقمشة، وندور على القرى نْبيع النسوان. كانت الحياة رخيصة، والفقر عام. كان العامل يعتبر حاله محظوظ إذا حصّل عشرة قروش يومياً. ولما ايئسنا من العودة، طلع أغلبنا للزرقاء وعمان. حاول البعض يتسلل للمجدل، يسترجع حاجة تركها، أو نقود وحلى خباها، كان ينقتل هناك، وما يرجع لأهله.
” ثم أصدرت الحكومة الأردنية أمر إنه ممنوع الباعة المتجولين يوصلوا للقرى الحدودية مع إسرائيل. والحجة إنهم بهربوا بضاعة لإسرائيل! ما عاد إلنا رزق في الزاوية. أرضها جبلية. الواحد يعزق الأرض بالفاس، ويحمل بذاره بقمبازه. لمين بكفي هذا؟  ومين بطعم؟ لجأنا لنابلس. كانت المحلات تِتأجّر بدون خلو. أخذنا هالمحل هذا. واستقرينا هون” واستفهمت:
” لما انفتحت البلاد على بعضها، وصرت تقدر تروح للمجدل وسكان المثلث وغيرهم، مين شفت وضعه أحسن؟  فأجاب بدون تردد:
” لقينا وضعنا أحسن بكثير. بكفي كانت البلاد مفتوحة بوجوهنا. تقدر تسافر للدول العربية، ولأي بلد. ما في بلد مغلقة بوجوهنا”. وعدت للسؤال:
وهل زرت المجدل؟
” زرتها مرة واحدة، ما كررتها!”
——
قلعة ميرابيل
شرح ميرون بنفستي شيئاً عن قلعة مجدل يابا، ودعاها بالإسم الصليبي ” ميرابيل”. كتب أنها كانت مركزاً إدارياً مهماً أيام الصليبيين، وانتشرت حولها البساتين والدور. ذُكرت لأول مرة في وثيقة تاريخية سنة 1158، بأنها قد وُهبت من ” لور ميرابيل ” إلى النظام الهوسبيتالي. وورد في وثيقة ثانية سنة 1241 أنه قد بني ثلاثة جسور فوق النهر، الذي لم يكن عريضاً، إلا أنه كان يعتبر عائقاً مانعاً بسبب النباتات الشائكة والمستنقعات. فكان القادم من جنوب البلاد والمتجه لشمالها يضطر للاتجاه غرباً ليافا، حتى يتمكن من المرور في الممر الضيق الواقع بين منابع نهر العوجا – حيث قلعة أبي فطرس – وقلعة المجدل، أو ميرابيل. وقد حدثت الكثير من المعارك الحربية عند هذا الممر التاريخي، من أيام الرومان إلى أيام العرب، إلى الصليبيين، إلى الحرب العالمية الأولى، وأخيراً إلى اضطرابات 1948.
وذكر بنفستي أن حصن ميرابيل وقع في يد صلاح الدين سنة 1187، وسمح صلاح الدين للحامية بالتوجه للقدس، واستخدم الحصن منذ ذلك الحين كقاعدة لمهاجمة القوات الصليبية في الساحل.
وعندما هزم المسلمون في معركة أرسوف 1192، خيم صلاح الدين في هذا الحصن. ولكن عندما سقطت يافا في يد ريتشارد قلب الأسد لم تعد هناك أهمية لهذا الحصن، فهجره الجنود المسلمين واتجهوا إلى عسقلان. إلا أن المسلمين أعادوا احتلال يافا، واسترجعوا القلعة وهدموها. وفي الاتفاقية بين صلاح الدين وريتشارد قلب الأسد لم يُحسب الحصن ضمن الأملاك الصليبية، ولم يعد إلى أياديهم منذ ذلك الحين.
اهتم المماليك به، وبالحصن الثاني المجاور عند مصب النهر، وعززوا الحصنين، وبقايا ترميماتهم لا تزال ظاهرة للآن.
—————————————-
نهر العوجا
( زودني راضي إعمر من المرجة بهذه الدراسة عن نهر العوجا وينابيع راس العين.)
يسمى النهر بالعوجا لأنه متعرج،  فطوله بخط جوي من منابعه برأس العين حتى مصبه في البحر المتوسط يبلغ 14،5 كم. في حين أن طوله الحقيقي بتعرجاته 27،5 كم. أطلق الأموين على النهر اسم ” أبو فطرس “، وعلى ما يبدو الإسم مشتق من  أنيتا بتروس ، القلعة القريبة منه، واللتي بناها هيرودوس. أما الصليبون فقد أطلقوا عليه اسم ” نهر يافا ” لأنه يصب شمال يافا. وبالعبرية يسمى نهر اليركون، وهذا الاسم مأخوذ من التوراة.
في منطقة ينابيع اليركون توجد صخور رسوبية عمقها 20 متراً تقريباً، وهذه الصخور مغطاة بتربة جرفية من الجبال، وفي هذه الصخور يوجد كسر جيولوجي تتدفق من خلاله ألفي عين ماء، وعلى مساحة 250 دونم. وتعطي هذي العيون 200 مليون مترمكعب في السنة.
منابع اليركون مرتفعة عن سطح البحر 16 متر تقريباً، ولهذا السبب ترى الماء يجري في النهر ببطء. وانحداره البسيط أدى لانتشار المستنقعات حوله.حوض تجمع المياه تحت الأرض تبلغ مساحته 1800 كلم مربع، ومعظم هذه المساحة تقع تحت جبال السامرة، وقسم قليل منها في منطقة الساحل، وللنهر أربعة روافد: واد الأشقر، واد رباح، واد دير بلوط، وواد المصرارة.
وبما أن النهر دائم الجريان، وحوله أراضٍ خصبه، فقد استغله الإنسان منذ أقدم العصور. وعلى طول النهر توجد 16 تلة أثرية مثل تل جريشة، تل الفصل، تل رفيق، وتل المقدادي. وتعود فترة سكن الإنسان على ضفاف النهر إلى 7000 سنة قبل الميلاد. والإنسان الذي سكن المنطقة استغل مياه النهر للشرب، ومن نباتاته الكثيفة بنى أكواخه، واصطاد أسماكه والحيوانات التي عاشت في غاباته، ومن مياهه سقى مزروعاته، واستغل النهر لتسيير السفن الصغيرة في مياهه.
ومع مرور الوقت زادت حاجات الإنسان، فأخذ يستغل النهر لحاجات أخرى، فاستغل قوة المياه لطحن القمح، ولليوم نجد على طول النهر آثار خمس مطاحن وهي:
1 – مطحنة مير، وهي أقدم مطحنة، حيث وجد عندها آثار ثلاث فترات بناء، مما يدل أنها استخدمت في فترات زمنية مختلفة، الرومانية والبيزنطية والصليبية والعثمانية. وعدد مطاحن هذه الفترة 13، وبقيت شغالة حتى السنة 1882.
2 – مطحنة أبو رباح، وقد سميت بهذا الاسم نسبة لبانيها الشيخ إبراهيم أبو رباح، الذي بناها في الثمانينات من القرن التاسع عشر. وبقيت تعمل حتي سنة 1948.
3 – مطحنة فروحية، وخدمت هذه المطحنة سكان الساحل وقرى السامرة المجاورة، ومدينة بيتاح تكفا.
4 – العشر مطاحن، وهي في الواقع ستة، ولكن من ضخامة العمل قُدرت بأنها عشرة. وقد حفرت قناة خصيصاً لجلب المياه، وعملت هذه المطاحن حتى السنة 1917.
5 – السبع مطاحن، وقد سميت هكذا فعلا لعدد المطاحن في هذه المحطة، ومنطقتها في منتزه اليركون، مقابل تل جريشة.
في السنة 1935 أقامت سلطات الانتداب مشروع ضخ الماء للقدس، وبلغ طول الأنابيب 60 كلم. وبما أن القدس مرتفعة 800 متر تقريباً، فقد أنشأت أربع محطات ضخ لرفع الماء للقدس، في راس العين، وفي اللطرون، وفي باب الواد، ، والرابعة في جبال القدس.
سحبت مياه اليركون للنقب. وفي عام 1964 دمج مشروع اليركون مع المشروع القطري لسحب مياه طبريا. ومنذ ذلك الحين تغير وضع النهر، بسبب سحب مياهه، وبسبب تدفق مياه المجاري من المناطق الصناعية والسكنية المحاذية للنهر، ولهذا فإن مياه النهر الآن ملوثة، وخاصة في الجزء الأسفل منه، والحياة معدومة فيه. وهكذا لا يمكن اليوم مشاهدة ما كانت هذه المنطقة مشهورة به، من حياة برية ومائية، وطيور، وطبيعة خلابة، ومياه عذبة.

أترك تعليق أو مشاركة

من الأرشيف

أترك تعليق أو مشاركة