المدرسة اليابانية .. عزيمة قوية نحو الارتقاء — بقلم : عزيز فاتح الوصيف

دراسات ….
بقلم الأستاذ عزيز بن فاتح الوصيف  – إجازة في التاريخ والحضارة *
حققت اليابان خطوات كبيرة نحو التقدم والازدهار في مجال التربية والتعليم. أولا لمحافظتها على تراثها وتقاليدها. وثانيا لرعايتها لمؤسساتها واهتمامها بالتعليم بشكل كبير حتى تمكنت من البروز في مجالات علمية متنوعة.
اعتمدت اليابان في مسلسل تقدمها على خطة الامبراطور ” مايجي” سنة 1868م الذي نهج سياسة متنورة انطلقت من الاستفادة من ثمرات العلم والتكنولوجيا التي كانت متاحة للدول المتطورة دون المس بالهوية اليابانية وقد ساهمت الخطوة في فك العزلة الطويلة التي عاشتها الدولة اليابانية.
لم تتوقف اليابان هنا ولكن لجأت الى تأسيس وزارة المعارف  عام 1876م. عازمة من خلال هذه المؤسسة الى قطع الطريق عن الامية بشكل نهائي بل جعلت لهذا الامر عيدا وطنيا مخلدا للهدف المايجي بعد مرور 28 سنة من مرطون الإصلاحات التعليمية.
وحسمت مسألة اللغة فهي لم تذهب الى اعتماد اللغة الأجنبية لغة أم للبلاد ولكن سعت الى الاهتمام باللغة اليابانية باعتبارها اللغة الام، واضعة نصب أعينها أن الامة اليابانية لا يمكن أن تبدع علميا أو تكنولوجيا الا باللغة التي يتقنها الشعب ورغبة منها أيضا أن تلفت نظر العالم برمته الى لغتها. وأنها قادرة على التقدم علميا من دون أن تستعمل لغة غربية.
نعم لقد أبدعت اليابان واستطاعت أن تأخذ كل ما هو إيجابي في العالم وبموازاة مع ذلك قامت بحماية نفسها من الاستعمار الثقافي، وكأنها تريد أن تقول للعالم بأعلى صوتها نعم للتطور بالاستفادة من العلم في مختلف أرجاء العالم لكن لا للاستعمار الثقافي واللغوي نريد أن تكون لدينا طريقتنا وميزتنا وأن نحظى بالتميز في العالم.
لن تستمر المحاولات طويلا فبعد الحرب العالمية الثانية لم تعد هذه الرغبات مجرد كلام وخطاب. لكن تطور الامر ليصبح منهج تعليمي مطبق في مدارس اليابان، حيث تم تطوير التعليم من منهج يقوم على التفكير والاعتماد بشكل كبير على الحفظ عن ظهر قلب الى أسلوب منظم يقوم على التدريب غايته تمليك المعلومة للطالب بدل ان يبقى مجرد متلقي يتلقى المعارف وينساها مع مرور السنوات.
ان هذا الأسلوب في العمل سيجعل كل من يمارس التعليم ويهتم به في دول اليابان يشعرون بأهمية صنع قرار النهضة بالتعليم وتطويره.
وبذلك فالمعلمون اليابانيون لا يشعرون بأنهم موظفون تابعون لوزارة تضغط عليهم، ولكن تجدهم قد خلقوا بيئة لا ضغط فيها. فهم من يديرون المدارس التي ينتمون اليها ، أان المعلم في اليابان لا يشعر أثناء ممارسة مهامه أنه ملزم بتطبيق فحوى العقدة المبرمة مع الهيئة المسؤولة عنه ولكنه يؤدي دوره انطلاقا من قناعته بضرورة تكريس ثقافة الجد والاجتهاد وتحمل المسؤولية والاعتماد على النفس وروح الجماعة ، ومحو الامية في صفوف الشعب الياباني وإظهار عظمة البلد الذي ينتمي اليه الى العالم.
ان المعلم الياباني يحب وطنه ويسعى لخدمته دون انهاك العقل بالتفكير في الأجرة الشهرية. لقد انتصر المعلم الياباني على معلمي المجتمعات العربية التي جعلت من تواجدها في باحة المدارس وحجرات الأقسام حلبة مصارعة مع بعضهم البعض أو مع التلاميذ أو المشرفين والقائمين على التدبير العام لشؤون المدرسة.
سعيا نحو تكريس مجموعة من المبادئ في المدرسة اليابانية: الجد والاجتهاد وترسيخ ثقافة المثابرة والاعتماد على النفس…. من أجل تخريج المواطن الصالح المتعلم فالحياة اليومية المدرسية باليابان لا تعرف معنى الكسل والخمول ولا تعرف معنى أن الآخر يخدمني فأنا أتعلم. وليست مجرد سطور تم خطها بمراجع رسمية في المدارس المغربية، لا نجد تطبيق مضامينها وروحها الا في مؤسسة اجتمع فيها فعلا من له غيرة على وطنه وأبنائها وقال كفى من الانتظار وحان وقت العمل والتشمير على ساعد الجد.
ان ما يثير الانسان عند تتبعه للحياة اليومية بمدارس دولة اليابان العظيمة أن مسؤولية نظافة المؤسسة تقع على كاهل التلاميذ. ولهذا فان التلاميذ عند التحاقهم بالمدرسة عليهم أن يزيلوا أحذيتهم الخاصة وأن يرتدوا أحذية مخصصة للمدرسة نظيفة وخفيفة قد وضعت برفوف خاصة وكتب عليها اسم صاحبها. فالمدرسة اليابانية لا تريد لأبنائها أن يعتادوا التفكير في أن هناك من سينظف مدرستهم، ولكن تريدهم أن يتملكوا ثقافة أن مسؤولية الفضاء الذي يدرسون به من مسؤولياتهم، وبهذا ينجح الامر مع هذا التلميذ عندما يتخرج فيخدم بلده على درجة كبيرة من المسؤولية.
ومن البارز أيضا ان مسؤولية تنظيف الأقسام يكلف بها التلاميذ في إطار جدولة واضحة للمجموعات توزع بشكل دوري ومن مهامهم أيضا تنظيف الممرات وغسل دورات المياه وجمع أوراق الشجر التي توجد بساحة المدرسة والقمامة التي قد تتواجد بين الفينة والأخرى. وهذا ما يجعلنا فعلا نتأكد من أن الانسان الياباني لا ينزع الى الانانية ولكن يمكن له أن يتحمل المسؤولية في أي ظرف من الظروف.
وتجد التلاميذ اليابانيين أثناء حلول موعد تناول الوجبة الغذائية يعملون في إطار مجموعات. الأولى: تعمل على تهيئة فضاء تناول الوجبة، والثانية: تحضر الطعام من المكان المخصص لإعداده، والثالثة تقوم بالتوزيع وهكذا… وكل ذلك يمر في نظام وانتظام وقد خصص لهذه العمليات أزياء وقبعات خاصة.
بعد أن يستكمل تلاميذ المدارس اليابانية حصصهم الدراسية يجتمعون جميعا في جلسة واحدة، ويسألون عن مستوى استفادة بعضهم البعض من الدروس الملقاة خلال اليوم. فهذا ينبه الآخر للخطأ والآخر يعمل على التصحيح واضافة معلومات …
ان الحياة اليومية المدرسية باليابان لا تسعى الى تخريج شباب فاشلين نفسيا وتابعين ولكن تبذل قصارى جهدها في إعداد جيل صالح ومتخلق. يحترم غيره ويتبنى روح الجماعة متحمل للمسؤولية وملتزم وقائد. لان المعرفة والتربية بالمدرسة ليس هدفها تخريج انسان لا خطة أو منهج له في الحياة ولكن تسعى لتمكين المتعلم من أدوات النجاة في المجتمع الذي سيجده بعيد كثيرا عن القيم التي درست له، فيعمل على المساهمة بدوره في تقويم مجتمعه وخدمته والنضال من أجل ترسيخ القيم التي تعلمها وآمن بها.
أخيرا فما يمكن أن نستفيد من المدرسة اليابانية في مجال التعليم بمجتمعنا المغربي أن على القائمين في تدبير العملية التربوية بالمدارس سواء منها العمومية أو الخصوصية ضرورة التعجيل بإجراءات عملية تهتم بالجانب التربوي وإعادة تكوين شخصية المواطن المغربي ليصير مؤمن بالقيم التي درسها وعاملا على ترسيخها في مجتمع دون تراجع عن هذا الدور تحت أي ظرف من الظروف.
ومن جانب آخر وجب العناية بتأهيل وتكوين الإطار البشري الذي يسهر على ممارسة العملية التعليمية والتربوية. وذلك من خلال التركيز على القيم وتمليكه لأساليب التأثير في الناشئة وأساليب المواكبة والتتبع، فمن غير المعقول أن تقتصر المصوغات التكوينية والتأهيلية على الجانب الأكاديمي الصرف فيصير الأستاذ آلة لتمرير الدروس في غياب تام للقيام بالدور التربوي المؤثر في التلميذ. والنزوع نحو الصراع معه.
ان ضرورة توفير البيئة التعليمية والتربوية لتتناسب مع المتطلبات المرجوة أمر مهم وذلك رغبة في تحقيق نهضة تربوية في صفوف تلاميذ مدارسنا. فالاهتمام بهذه البيئة ومواصلة تطويرها يتيح فرص كثيرة ليبدع الأستاذ في ممارسة مهامه وأدواره وبالتالي اتقان عملية تمليك القيم للمتعلمين.
الاستفادة من منهج الحركة الكشفية في ميدان التعليم على اعتبار أن الطريقة الكشفية تساهم بشكل كبير في بناء شخصية متوازنة روحيا وذاتي وأيضا في علاقتها مع الآخر، بالإضافة الى حضور مبدا الاعتماد على النفس وثقافة خدمة الآخر والتطوع والقدرة على التخطيط وتحمل المسؤولية حتى في الأوقات الصعبة.
بالإضافة لكل هذا وجب مراجعة ميزانية قطاع التعليم، والاعتناء بأجور القائمين على العملية التعليمية التعلمية لما للتحفيز من دور مهم في تحقيق النتائج الإيجابية. ليس من باب ربط العمل بالأجرة ولكن من باب احترام المجهود الغير مقدر بثمن الذي يقوم به الأستاذ
أستاذ لمادة الاجتماعيات والتربية الإسلامية بالسلك الثانوي الاعدادي

أترك تعليق أو مشاركة

من الأرشيف

جديد صوت العروبة

أترك تعليق أو مشاركة