جاءت متأخرة.. جداً.! قصة : هدير يوسف

القصة …
قصة : هدير يوسف (قاصة مصرية) …
كلما حزنت يضيق صدري أبكى وأتألم ولا أجد أحداً بجانبى يخفف عنى ما أشعر به من تعب نفسى وفقدان حنان أبى وأمى نتيجة انفصالهما لخلافهما المتكررعلى أتفه الأسباب، فانفصالهما كان أول مشكلة تقتحم حياتى، لا أجد غير قلمى أمسك به وأكتب كل ما بداخلي.
كانت حياتى تسير مثل أي أسرة سعيدة، أبى يعمل سائقاً وأمى ربة منزل وأنا ابنتهم الوحيدة، صديقة أمى الوحيدة “سحر” تعتبرها مكمن أسرارها، تعرفها على كل صغيرة وكبيرة فى حياتها، حتى كانت تحرص على معرفة رأيها  فى مشاكلها مع أبي لترشدها الى ماينبغي عليها فعله، لم أحبها اطلاقا، كنت أراها شيطانة، حتى كانت تأتى الينا باستمرار وعندما تذهب لابد أن تحدث مشكلة بين أبواي، أصبحت أمى تنظر للحياة من وجهة نظر سحر، بدأت تتغير تدريجيا من إرضائها بظروف أبي المادية المتوسطة و قناعتها بالحياة معه إلى تمردها، وطلباتها التعجيزية، وبسبب أنانيتها أصبحت تختلق المشاكل، لتتحول حياتي للجحيم.
توقعت أن يوماً سيأتي، وتعود أمي عن تصرفاتها الطائشة، ولكنها تمادت في اختلاق المشاكل  بكثرة، أصبحت سحر تتحكم في أمي وتفكيرها وتصرفاتها وجعلتها أنانية لا تفكر إلا فىي نفسها دون مراعاة شعور أبي أو شعوري بإهاناتها وتقليلها منه. حتى جاء يوم ولم يتمالك أبي نفسه فيه، فخرجت منه كلمة طلاق دفعت أنا ثمنها الفادح، ومع ذلك لم تبال أمي بخطورة انفصالها على ابنتها الوحيدة، وبدت سعيدة للغاية، كانت هناك صديقتها سحر التي أقنعتها أن تتزوج من رجل غني وميسور.!
أصابتني الصدمة في مقتل، وتساءلت: هل هنت على أمي لدرجة أنها لم تودعني أو حتى تضمني إلى صدرها.؟ ولماذا فعلت كل ذلك.؟
انقلبت كل حياتى، فى لحظة فقدت العيش فى أسرة سعيدة نتيجة أنانية أمي التي تزوجت بعد خمسة أشهر، ليضربني الإحباط بعد شهر لا أكثر، فقد أخبرني أبي أنه هو الآخر سيتزوج، وما بين “العروسين” كنت أنا عند عمي كي أمكث معه أسبوعاً وبعدها يفرجها الله.!
كان أسبوعاً مليئاً بالإهانات من عمي عن أمي، لكن زوجته، كانت أكثر طيبة، وعاملتني بشكل حسن، وبعدها، جاء أبى ليأخذني ففرحت كثيراً لأنني سأرتاح من كلمات عمي من جهة، وحزنت لأني سأبتعد عن زوجته التي أحبتنى كابنتها.
وعند اقترابنا من البيت بدت على وجه أبى علامات والحيرة وقال لي: مريم.. أنت تعرفين زوجتى وهى تحبك كثيرا وأتمنى منك أن تعامليها معاملة حسنة.. صمتُّ قليلا، ثم قلت والدموع محتبسة فى عيني: بالتأكيد يا أبي.
لم أهتم وقتها بقوله أنتى تعرفين زوجتى، لكن تفاجأت عندما وصلت المنزل بزوجته كانت صدمة لى عند رؤيتها.. كانت صديقة أمي.. سحر.!
فى البداية عاملتني جيداً وأمام أبي، أما عندما يذهب للعمل كانت تتبدل تماماً، ولعدة أشهر استمرت هكذا، إلى أن أصبحت حاملا، فانقلبت الحياة وبدأت تظهر على حقيقتها وخصوصا بعد انجابها ذكراً، أصبح أبى مثل الخاتم فى أصبعها.. تتحكم به، وتفرض قوانينها في البيت، لدرجة أنها أقنعت أبي بعدم ذهابى للمدرسة ومحاولة تزويجي.
تحولت لخادمة لها، علمتنى كيف أغير لأخي الرضيع وأعمال المطبخ، وذات يوم شردت فحرقت الطعام، ضربتني رغم اعتذاري، ولكنها قصت شعر رأسي وحرمتني من الطعام ليوم كامل، ومنعتني من الخروج من غرفتي حتى للحمام، وزادت من أعباء تنظيف المنزل.
كنت في دهشة من أبي الذي لم يحرك ساكناً، وحتى عندما يرجوها بصوت مرتعش أن تسمح لي ببعض الطعام، كانت تنهره وبشدة. حتى عندما هجم البرد وطلبت بعض الملابس ضربتني بقوة وهو كالعادة لا يتحرك.!
يا إلهي.. إلى متى العذاب.؟
جاء الحل الشيطاني في لحظة ضعف لم أتحملها كثيراً، فانسقت وراءها.. زجاجة كيروسين، وعود ثقاب.. هذا كل ما أحتاجه الآن على الأقل.
مع بريق النار وازدياد الدخان، كانت أصوات الاستغاثة تأتي إليَّ داخل الغرفة التي تحولت لجهنم، تتباعد الأصوات والصرخات في محاولة لإنقاذي، لم أميّز منها سوى صوت أمي وهو يرتد صدى خافتاً في أذني.. يحاولون كسر الباب لإنقاذي، وهستيريا أمي تتصاعد كثيراً وهي تطرق الباب بشدة..
للأسف.. لقد جاءت متأخرة.. متأخرة جداً.!

أترك تعليق أو مشاركة

من الأرشيف

أترك تعليق أو مشاركة