السمن الحر.. من عمل أيدي ختيارات أيام زمان – بقلم : نايف عبوش

منوعات ….
بقلم : نايف عبوش – العراق ….
لا زلنا نتذكر بإعجاب، كيف كانت عجائز الريف أيام زمان ماهرات بالفطرة،وبما تراكم لديهن من خبرة، في عمل السمن الحر من لبن الأنعام ،فقد كن يهيئن اللبن بعد إضافة الخثرة إلى الحليب، اللائي اعتدن أن يغلينه بقدر نحاسي، على نار حطب، وبعر غنم.. وفي الصباح الباكر، يقمن بوضع اللبن داخل الشجوة،بعد اقتطاع وجبة فطور العائلة منه بإناء، حيث يباشرن عندئذ بخض اللبن في الشجوة، بعد هزها باليد، روحة وجيئة، لعدة مرات متتالية .. والشجوة، جلدة نعجة، او جلدة ماعز مدبوغة، تعد لخض اللبن، وحفظه خلال اليوم،حيث لم تكن هناك وسائل تبريد، ولا ثلاجات يوم ذاك.
وتتكون الزبدة الخام، بعد ان تنفصل من اللبن بالخض، اذ تقوم العجوز بتكتيلها داخل الشجوة بكف اليد.. ثم تقوم بإخراج الزبدة بيدها من الشجوة.. لتضعها في المزبد .. وهو جلد خروف صغير..ويتم تجميع الزبدة لمدة أسبوع حتى يمتلئ المزبد … ثم تقوم العجوز بتمويعها في قدر على النار.. وتضيف له شيئاً من جريش حنطة، يعمل كمصفى، لتصفية الدهن الحر..تسمى الإخلاصة، وتؤكل كطعام.. حيث يعزل السمن الحر المصفى.. ويوضع في المدهنة(العكة)للاستهلاك اليومي..  وما يفيض منه يوضع في الظرف.. وهو جلد نعجة، او جلد كبش، مدبوغ، ومهيأ للخزن .. ليتم تجميع السمن الأسبوعي فيه.. ثم يوضع بعد ان يمتلئ بالسمن في الوادي… الذي هو صندوق مستطيل من الطين، يقوم على أربعة قوائم بارتفاع بسيط، لحفظ الظرف بما فيه من السمن أثناء فترة الخزن، حيث يتم ملط فتحته الأمامية المدورة بالطين، وغلقه بالكامل.. إلى ان يحين فصل الشتاء..
وبحلول فصل الشتاء، تقوم العجوز بفتح الواوي عادة، حيث تستخرج فوهة الظرف من فتحة الواوي.. وتعصرها بقبضة كف يدها، لتستخرج منها حاجتها من السمن المخزون فيه، للاستهلاك العائلي الشتوي.. او ما تعتزم بيعه منه، ثم بعد ذلك توكئها، وتعقدها، وتعيدها إلى داخل الواوي..
ويشار إلى أن البعض منهن كن يضفن قليلا من الدبس الخام، اللائي يصنعنه من التمر، إلى الدهن الحر في داخل الظرف..  حيث يعطي الدهن مذاقا حلوا، بنكهة رائعة، حتى قيل.. دهن حر ودبس..لوجبة الطعام الدسمة يوم ذاك.
تلك هي باختصار، طريقة عمل صنع السمن الحر التراثية .. التي افتقدناها اليوم مع زحف العصرنة إلينا بضجيجها الصناعي .. وغزو  منتجات الغذاء الصناعي موائدنا.. التي أفسدت ذوقنا بمنكهاتها الفجة، وبكيمياوياتها الحافظة،او فساد بعضها بطول فترة الخزن

أترك تعليق أو مشاركة

من الأرشيف

أترك تعليق أو مشاركة