الذاكرة الحية – بقلم : عبد العزيز العرشاني

فضاءات عربية …
بقلم : عبد العزيز العرشاني – اليمن …
لا أعيش في الجنة؛ ولا في الأرض الموعودة, فبلدي ليس البلد السعيد، والوصف والمعلومات التاريخية ليس بالضرورة أن تكون قاصدة إياه فقد تكون لبلد آخر. فأنا استطيع أن أطلق عليه بلا رحمة ولا شفقة البلد البائس. البلد الكئيب. البلد الحزين.. فوطني به الماء منعدم؛ والكهرباء مقطوعة؛ والأمن غير مستتب، وبين فترة وأخرى تنعدم مشتقات النفط والغاز المنزلي لهدف رفع سعرها أو لغرض تشديد اليد الأمنية أو حتى لغاية الثناء والدعاء بطول العمر والبقاء للعم الحاج الذي يوفرها.
كنت ومازلت أتنفس من ثقب إبرة وأعيش في كبسولة زجاجية صغيرةـ تشابه في حجمها الإكسير الشهير أبو فاس الذي هو اصغر حجما من إصبع اليد الصغرى-.
هي عقود أربعة من عمري خلالها كانت الأحداث عواصف وأعاصير لا تنتهي؛ لا تُبقي ولا تذر. لم اعرف خلالها سوى الفاقة, ولم اسمع سوى البؤس, ولم أرى سوى الحرمان, ولم اطعم سوى الجوع, ولم اشرب سوى العلقم, ولم البس سوى العري.
في أيامي الأولى زحف المشيب لرأسي وحواجبي وشعر انفي، وفي مقتبل العمر تقوس ظهري.. عرفت نفسي مراهقا متمترسًا خلف طابور طويل طلبا للغاز المنزلي، وخلال زهرة شبابي- التي أظنها نبتة القات أو الصبار أو الحنظل أو التين الشوكي- كنت مستترا خلف كيس قمح متذبذب السعر يتواجد حينا وينعدم أحيانا, حتى بت على قناعة أن برجي الفلكي برج المنسي أو الحائر أو البائس أو التائه، وغالب عامة الشعب هم على شاكلتي، ولو كنت اﻋﺮﻑ أن ﻣﺴﺘﻘﺒﻠﻲ ﻛﻠﻪ طوابير للتمون بالدقيق والماء والوقود والغاز المنزلي لكنت قصرت المسافة وأتيت من الأخير ولففت ﺍﻟﺤﺒﻞ ﺍﻟﺴﺮﻱ ﻋﻠﻰ رقبتي وانتحرت في بطن أمي.
في حلكة الظلام وخلال ومضات البرق السريعة كنت انقل خطواتي بشكل عاجل قبل أن يعود الظلام زاحفا بسواده حتى دواخلي بلا أمل لبصيص نور يضيء ولو جانبا من حياتي (الجانب المشرق في حياتي منعدم ومفقود حتى بالإضاءة الشديدة عليه), أداري ألآمي والّعق جراحي. لا اعرف التربيت ولا التطبيب؛ فلا معالجة أو تدخل جراحي لإصلاح الحال والوضع البائس.
عبدالعزيز العرشاني
اليمن ـ صنعاء
[email protected]

أترك تعليق أو مشاركة

من الأرشيف

أترك تعليق أو مشاركة