آهات على جدار الصدمة.! بقلم : د. اماني العطوي

القصة ….
د. أماني العطوي (قاصة مصرية) …
دخل عمر الشقة القديمة مسرعاً حيث ما زال يمتلك المفاتيح، لم يتوقع أن تتعطل سيارته في هذا الوقت تحديداً.. فاليوم موعد قدوم نورا والأولاد من مصر.. فيا له من حظ عثر.
لم يطل به التفكير إذ سرعان ما قرر أن يذهب لصديقه بيل.. فاليوم عطلة ولن يمانع في مساعدته لا سيما وانهما زميلا عمل وصديقان مقربين، وكانا يتشاركان السكن حتى وقت قريب حتى اضطر لتأجير شقة منفصلة لاستقبال زوجته نورا وطفليه.. لم يستطع بيل مقاومة رغبته في الانفجار ضحكا والتظاهر بالاستغراق في النوم أكثر من ذلك، لم يحتمل فكرة أن عمر هنا ولأول مره يتوسل إليه ليقوم بتوصيله للمطار واصطحاب أسرته للشقة الجديدة.
منذ أن تعرف عليه لم يره يطلب شيئاً من أي مخلوق. فما بالك بالتوسل.. أراد أن يشاكسه قليلاً، فطلب منه الانتظار حتى يتناول طعام الافطار.. رد عليه عمر ألا يقلق.. لا بد أن نورا أحضرت معها شيئا للافطار.. نظر إليه بدهشة: أو تمزح.؟ تحضر معها إفطارا وهي قادمة من مصر.!
يا عزيزي.. أنت لا تعرف نورا، هكذا قال عمر، وأردف: ومع ذلك هل تراهني بعشرة جنيهات على ذلك أو أحضر لك إفطارا فاخرا من ماكدونالدز.
قبلت الرهان، ردَّ بيل.
منذ أن أنقذه عمر من حادث سرقة بالإكراه تعرض له في جراج مجاور لمقر عملهم مساء يوم من أيام الشتاء ولم يفترقا.. تطورت زمالة العمل السطحية لصداقة عميقة إلى أن قررا السكن سويا وأصبحا أقرب للشقيقين.
أحب عمر بكل تفاصيله، كان نسيجاً وحده، تركيبة لم يصادفها من قبل.. خفة ظل.. كرم زائد.. شجاعة مصحوبة أحيانا بطيش وتهور، نشأت بينهما علاقة وثيقة لم تقف فيها اللغة ولا الدين عائقا..
أثناء رحلة الذهاب لم يكف عمر عن توصياته:
ـ حذار أن تخبر نورا أنني أحيانا ما أحتسي الشراب معك..
لك هذا.. ردَّ بيل، فواصل عمر: وبالطبع حذار أن تنزلق بلسانك بحرف عن غزواتنا الليلية..
لم يستطع أن يخفي بيل ضحكاته هذه المرة.. لم يستطع يوماً أن يفهم كيف يمكن أن يحب عمر نورا كل هذا الحب وأن يمارس حريته في اللهو بنفس الدرجة.. كان طويلا، وسيماً، أسمر اللون.. لذلك كان دائما محل نظر النساء أينما حل في عاصمة الضباب.. كثيرات لم يقاومن سحر ملامحه الشرقية.. والحق إنه كان من الكرم بألا يخذل إحداهن رغم أنه من المفترض أن ذلك خطأ بحكم دينه.
لم يمر وقت طويل حتى ظهرت نورا والطفلين.. لم تستطع أن تخفي فرحتها الطفولية برؤية عمر ولا أن تقاوم شوقها وهي ترتمي في أحضانه وتطبع قبلة خجولة على خدِّه.
قام عمر بتقديم بيل إليها.. لاحظ أنها لم تمد يدها لمصافحته.. ولكنه عندما مدها صافحته باستحياء.. نظر إليها سريعاً ولوجهها البرئ الذي لا يتناسب مع جسمها البديع القوام.. كانت ترتدي حجاباً لم ينتقص من أناقتها.. فتعجب إذ لم يتوقع أن تكون زوجة عمر محجبة أبدا.. فتساءل في نفسه: ترى ما الذى جذب عمر لمثلها .؟
تناسى تساؤلاته سريعا وهو يأكل البيتزا والشطائر التي أعدتها وهم في طريق العودة.. لم ينس عمر أن يمد يده إليه ضاحكا ليأخذ منه عشرة جنيهات قيمة الرهان.
نجحت نورا في جذب أنظار الجميع في حفل نظمته بحديقة المنزل للترويج للشركة التي أسسها عمر وبيل في أولى خطواتهما لبدء عملهما المستقل.. اهتمت بكافة التفاصيل.. الطعام، الإضاءة، الزينة، والموسيقى..
تألقت في ثوب جمع بين الذهبي والأسود جعلها كفراشة متألقة وذات حضور، مبتسمة نجحت في لحظات معدودة في تغيير نظرة الحضور للمرأة الشرقية.. كانت منطلقة متحدثة خفيفة الظل لأقصى درجة.. لم يخف الجميع انبهارهم بها وبثقافتها.. فقط راشيل لم تستطع أن تخفي غيرتها.
فرغم جمالها الباهر وثوبها اللافت إلا أنها لأول مرة تشعر أنها أصبحت كيانا باهتا ..كيف لهذه الشرقية أن تخلب لب الحضور.؟ أما بيل فقد استطاع شيئا فشيئا فهم سر حب عمر لها.. إنها خليط لم يسبق أن رأى مثله.. لاحظ أن علاقتها بعمر مصبوغة بأمومة حنون، فهي تحبه وتتحمل نزقه، وتستوعب حماقاته، وتهتم بكافة تفاصيله، رغم أنها أحيانا تنقلب إلى طفلة، بضحكاتها البريئة، ووجها الذي يضيئ لمرأى عمر أو تجاوباً مع مداعبة منه.. حتى غضبها يظهر واضحا في احمرار وجهها وإن لم تفصح.. دأبت على تفادي المواجهة مع عمر أمام أي مخلوق ولو أطفالهما.
حكى عمر لبيل أنها قد دخلت عليه غرفته مرة وكان يشاهد مالا يليق.. فقامت باغلاق الباب وابتعدت.. بعدها عاتبته دامعة ألا يكررها قائلة: -قد أحتمل أى شيئ إلا فكرة أني لست كافية لك كامرأتك.
يومها بدا بيل ينظر لها بشكل آخر ..أين هي من زوجته التي تركته من أجل صديق.؟ أو من أمه التي انفصلت عن والده ولم تنظر وراءها ولم تفكر يوما أن تسأل عن طفل لم يكن له ذنب سوى أنها أمه.؟
كانت الدنيا قاسية عليه.. ربما قرر لذلك أن يعيش لنفسه فقط.. لم يعد يؤمن برب، لم يذهب لكنيسة ..فقط قرر أن يعيش يومه بلا عقد، بلا إحساس بالذنب، يكفيه فقط أن يتعامل بما يليق.. بما يتوافق مع إنسانيته وكفى..
لم تنس يوما لقاءها الأول بعمر، طالما سمعت من شقيقته أميرة عنه.. وطالما روت لها عن مغامراته وجولاته.. لكن ذلك لم يمنعها من الإعجاب به رغم أنه لم يكن هو النموذج الذي خططت للارتباط به.
منذ وعت على الحياة وجدت نفسها تعيش مع خالها الذي لم ينجب وزوجته.. انفصل والداها في صغرها وتزوج كل منهما ولم ينشغل بال احدهم بها.. بعد زواج والدتها انتقلت لتعيش مع جدتها وبعد وفاتها انتقلت لتعيش بصحبة خالها وزوجته.. احتفى الاثنان بها وعاملوها معاملة الابنة لكن ذلك لم يداوِ إحساسها باليتم.. لذا عاهدت نفسها أنها لن تخذل أطفالها يوما ..وأنه مهما حدث سوف تحفظ لهم عشهم وستجعل منهم أطفالاً سعداء..
لم تخطط لحب عمر لكن ذلك ما حدث، أفاقت لتجد نفسها تحبه ..رغم علمها أنه قد يكون متقلبا.. ولكنها آثرت ألا تحرم نفسها من شعور لم تملك إلا أن تستسلم له.. شعور لم يسبق لها من قبل، فأقنعت نفسها بأنه من الأفضل أن يكون صاحب تجارب قبل الزواج ويكفي أنه فضلها على كل من عرفهم.. لم تتخيل أنها قد تضطر لأن تغمض عينيها عن نزواته.. أو أن تصطنع الغفلة كل يوم فقط كي تواصل العيش من أجل أطفالها.
كانت تتألم وطعنات نزواته وخيانته كل يوم تضربها في العمق، ومع ذلك لم تشعره حتى لا تخدش سلام جنتها الزائفة.. اعتبرت سفرها لتستقر بجانبه بداية جديدة ..لكن هيهات.
كلما تغافلت كلما زادت فداحة أخطائه… لم يعد حتى يحفل بإخفاء أخطائه..أو يكترث بميلادها وأعياد ميلاد أطفاله.. رغم محاولات بيل دوما لتذكيره.
كانت ذلك اليوم بالمكتب حين ضايقتها راشيل.. حاولت أن تتجاهلها كما تعودت لكنها هذه المرة لم تسمح لها.. قالت لها: ألن تهنئينى؟ ردت راشيل بضحكة عالية أعقبتها بجملة: أحمل طفل عمر.!
لم تدر كيف تمالكت نفسها، حملت حقيبتها وتوجهت للمنزل.. قبلت أطفالها وجهزت طعام الغذاء ودخلت غرفتها.. هناك فقط سمحت لدموعها بالانسياب، لم تدرِ كم من الوقت ظلت تبكى.. أفاقت على عمر يوقظها لتحضير العشاء.. واجهته..لم ينكر ..قال لها: لا أظن أنه ابنى.! عندها فقط تحجرت دموعها.. أهانت لديه حتى أصبحت تلك هي القضية.؟
فجأة لم يعد عمر يعني لها شيئا.. تركت الغرفة وذهبت لإعداد العشاء.. عندما أخبرها أن راشيل ليست حامل بالأساس، لم تهتز بها شعرة.. لا فرق لديها.. لم يعد رجلها.. ولم تعد امراته.
عندما ذهبت للمكتب في اليوم التالى انزلقت لتكسر ساقها.. كان بيل موجودا عندما حضر رجال الاسعاف ليحملوها..
شعر بالغيرة عندما رآهم يحملوها.. وكأنه يراها أقدس من أن يلمسوها، وحتى عندما انزلق حجابها عن شعرها الاسود الحريرى.. اسرع ليغطيها.. أقسم لنفسه أنه لم ير يوما أجمل وأبهى منها.
في الفترة التى أعقبت إصابتها ..لم يتخلف بيل يوما عن إرسال الزهور ..بكت كثيرا وهى تخاطب ربها..
ربِّ لم اكن ادرى ان الامر سيكون بهذا الالم..
إلهى فقط لم أعد استطيع..
لم يطل عذابها طويلا.. فقد لقى عمر حتفه في حادث وكانت راشيل بصحبته..
عادت لمصر مع أطفالها، ولم يكن بمقدورها أن تفعل شيئاً هذه المرة.. مضت عدة أشهر..قبل أن يخبرها خالها وابنها أن بيل  قد أشهر اسلامه وقام برحلة عمرة.. وأنه ينوي القدوم لزيارتهم في مصر قبل عودته.!

أترك تعليق أو مشاركة

من الأرشيف

أترك تعليق أو مشاركة