في ظِلالِ النَّص – بقلم : د . سمير ايوب

فن وثقافة ….
بقلم : د. سمير ايوب – الاردن ..
تَتَّكِئُ بدلالٍ ، على زِنْدِ جبل صنِّين . تَلْتَحِفُ سَفحهُ الشرقي . تُيَمِّمُ وجْهَها نحو الشمش . كَفَلْقِ الرُّمانِ إحمرارُ قرميدِها . تغفو على خريرِ وادي البَردوني الظليل . عروسُ البِقاعِ اللبناني وعاصمته . أمُّ الكرمةِ ، جارةُ الوادي ، وتَوأمُ مدينة الشمس بعلبك . زحلة ، نموذجٌ للمدنِ العربية التي أحبها وزرتها مرارا وتكرارا ، كمسرى رسول الله بيتِ المقدس ، وأرض الرافدين في عراقنا العظيم ، والشام نبع الياسمين والجوري ، ووادي النيل كنانة العرب ، والمغرب العربي ومنابت العلماء والتصوف ، واليمن السعيد وقهوته الساحرة ، وبلاد الحجاز منبت النبوة والإيمان .
زُرتُ جُلَّ دُوَلِ العالم ، لكني لم أجد بلدا أجمل من وطنِ العرب . زحلة جنة البردوني في لبنان ، دُرةٌ من دُرَرِ المُدُنِ العربية . لا يختلفُ إثنان على تميزها وفرادتها شكلا ومضمونا . مهبط الكثير من شياطين الشعروالإلهام . فيها تسهرُ مع الأخطل الصغير ، وأمير الشعراء أحمد شوقي . وتتمايل طربا مع فيروز ومحمد عبد الوهاب .
الى هناك ، دعتني ذات صيفٍ ، رفيقةٌ بعلبكية ، لتناول طعامِ العشاء برفقتها . وصلنا مُبتَغانا مع شمسِ الأصيل . تجولنا على غير هدى ، سَيْراً على الأقدام ، بين مقاهي وادي العرائش ، النابتة على ضفافِ البردوني  . على وقع خُطانا المُتَسَكِّعَةِ ، نَبَشنا وبَحْبحشنا الكثيرَ من مطاميرِ الذاكرة المُشتركة ، المُكْتَنزة بالكثيرِ من تضاريسِ زمنِ النضال الجميل ، بِطُهر البدايات ، نواياها ، بوصلتها ، قِواها ، وأداؤُها وخطاياها . إستذكرنا الكثيرَ من مُطارَداتٍ للعدو شارَكْنا بها معاً ،  في كل مكانٍ كانت تَطاله قِوانا آنذاك .
مع دفقٍ مُتَّصِلٍ من قهوةِ صديق العمر المرحوم بإذن الله ، أبو أنور محمود معتوق المضبوطة ، تَبِعتْ عشاءً زحلاويا ، لامَسَتْ أسماعَنا تقاسيمُ الأطرش ، ألتي يستهل بها رائعته أول همسه ، تَلَوتُ لها نَصَّا منْ نصوصي النثرية . ما أن إنتهيت منه ، حتى سارَعَتْ ، بِشَفَتَيْها وعَيْنيها ، تُشاغِب كعادتها وهي صبية ، همزاً ولَمْزاً وكأنها تسأل : لِمنْ تكتبْ ؟ وعمَّنْ تَكْتب أيها الشيخُ الهَرِم ؟
قلت مجيبا وبسمة الواثق المستبد : الكتابةُ كشكلٍ إبداعي ، في أيٍّ من الأجناس الأدبيّة ، نابعٌ في الأساس يا رفيقتي ، من إستجابةٍ داخليةٍ ، بتشكلاتِها المعرفية الكثيرة ، لِمُعطى في الواقع المُعاشِ أو المُتَخيَّل . وهو جزءٌ حقيقيٌّ وأساسيٌّ من القلق المشروع للكاتب ، حيال التّعبير عن نفسه وعن أفكاره وجوانياتها .
قالت وهي تُحدِّقُ في عينيَّ ، بعينينٍ مُمْتلئة فرَحا مُبتسما : لا يستطيع الكاتبُ أن يُنكرَ ، حقيقة  أنّ النّص ،لا يتشكّل من داخله ، إلاّ فيما يخصّ التّخومَ الأساسيّةِ للجنسِ الفنّي . أمّا مُعطياته ودوافعه وأفكاره ، بل ومحركات ولادته ، هي على إتّصالٍ مُباشرٍ بالضّرورةِ مع خارجه . إعترفَ المُبدعُ بذلك أم لم يعترف . فالكاتبُ معنيٌّ في الأساس ، في أن يكون في أقرب مسافة ممكنة ممّن يقرأ ما يكتب . مع إيمانيَ العميق بأنّ النّصَّ الإبداعيّ له حياته وسيروراته الخاصّة ، ألتي يبدأها منذ إكتماله وإنفصاله عن مبدعه .
ناولتها فنجال قهوتها لإسكتَها برفق ، وقلت : لا أكتب هلوساتٍ فضائية . كتاباتي ليست كالفطر بلا جذر . بل وليدة أعماقٍ إنسانية عايشتها ، أو سمعتُ عنها ، أو رأيتها عن قرب . ألمضامينُ الفكرية لما أكتب ، تحملُ بالتأكيدِ ، شيئا من بصمات إدراكي ، وظلالِ بعضٍ مما أعتقد . أمّا أفرادها ووقائعها  زمانيا ومكانيا ، فهم ليسوا إيَّايَ . هم غرباءٌ عني ، وعن حياتي المُعاشة ، في كل شئ . فأنا لا أكتب عن حياتي الشخصية .
قالت : طالما أن صاحب النص ، ليس مُفَسِّرا أو مُعلِّما أو مُعلِّلا لِما يقول  …. وتوقفت دون أن تُكْمِل ما كانت تود قوله .
فتابعتُ أنا مُختَتِما : أتفق بالضرورة ، مع من يظن أن  النّص الجميل كرؤية لواقع ، هو النّص الذي يُسلس قياده ويصدع ، لمنظومات إدراك المتلقي . ملكات المتلقي ، أدواته ومهاراته ، تمكنه من تذوق جماليات النص وانارة أركانه على إتساعها . كبوابة  لتأويله ووعتبة لتفكيك رموزه ، علَّه يجد في النص شيئا من نفسه . جُل النصوص ، تعج عادة بالكثير من الرسائل المشفرة والوشايات المضمرة ، والتمويهات المتخابثة .

أترك تعليق أو مشاركة

من الأرشيف

جديد صوت العروبة

أترك تعليق أو مشاركة