هنا القدس (2) سيرة حياة بلاد ومثقفين وحياة اجتماعية واعدة – بقلم : تميم منصور

دراسات ….
بقلم : تميم منصور – فلسطين المحتلة …
مع أن المؤسس والمسؤول عن اذاعة فلسطين ، اذاعة ” هنا القدس”  هو الانتداب البريطاني ، الا أن حاكم القدس ” ستوريس ” شارك باختيار العاملين في  محطة الاذاعة المذكورة ، فلا عجب أن يختار الشاعر الكبير ابراهيم طوقان الذي كان يعمل محاضراً للغة العربية وآدابها مسؤولاً عن البرامج العربية في هذه  الاذاعة .
ظن ”  ستورس”  بأن الشاعر ابراهيم طوقان الذي كان بعيداً عن ميدان السياسة الى حد ما في هذه الفترة ، سوف يضع حاجزاً بين اذاعة ” هنا القدس ” وبين السياسة ، وظن هذا الحاكم بأن اذاعة ” هنا القدس ” سوف تعمل كما خطط لها الانجليز ، تخدم مصالحهم ولا تقوم بتعرية سياستهم الاستعمارية في البلاد .
لكن أمله خاب لأن ابراهيم طوقان كان يهدف ويرمي من خلال عمله الاذاعي على ترسيخ التراث الفلسطيني ، الذي تمثل بالأدب المحلي والتفاف الادباء والفنانين حول منبر الاذاعة وخدمة الجمهور العربي بشكل عام ، من خلال المداخلات  الأدبية والفنية ،و تجسيداً للروايات التاريخية والموسيقى الشرقية .
كانت البرامج التي تقدم عبر الاذاعة ، تجذب المواطنين الفلسطينيين الى سماعها ، ليس في البيوت فقط التي يتوفر فيها أجهزة الراديو ، بل أيضاً في المقاهي العامة الموجودة في المدن الفلسطينية ، خاصة القدس ، ويافا وحيفا ، كان قسم اللغة العربية يبث ثلاث ساعات في الصباح ، يتخللها نشرات اخبارية ، ومقطعاً موسيقياً بأداء الفرقة الموسيقية الفلسطينية المعروفة ، كان يتخلل البرامج أيضاً برامج خاصة للنساء ، كانت تقدمها الأديبة ” أسمى طوبي ” ، وقدسية خورشيد ، وكانت هذه البرامج لا تخص المرأة الفلسطينية فقط بل ما يخص أيضاً المرأة العربية .
كانت الاذاعة تبث الأغاني التي كانت معروفة في ذلك الوقت ، لعدد من الفنانين المصريين ، مثل عبد الوهاب وفريد الأطرش  وأم كلثوم و ليلى مراد واسمهان ، وتقدم الاغاني لمطربين سوريين وعراقيين أيضاً .
في أثناء الحرب العالمية الثانية صدرت مجلة الاذاعة ” هنا القدس ” احتوت على مواد زاخرة من الصور والتقارير التي تنقل أيضاً أخباراً  وصوراً  من المعارك .
في هذه الفترة قررت ادارة الاذاعة التي أخذ يرأسها عزمي النشاشيبي خلفاً للشاعر ابراهيم طوقان ، بتخصيص طاقم إذاعي ميداني ، ليقوم بجولات حول المدن والقرى الفلسطينية ، والاطلاع على الحالة الاجتماعية والسياسية ، وغالباً ما كانت تتضمن بعض المقابلات مع شخصيات كثيرة كالفلاحين والمربين وأصحاب المتاجر والمسارح ، ونخبة من المثقفين ، كان يتم بث هذه المقابلات على شكل تقارير تتخللها بعض المداخلات من مقدم البرنامج .
من أهم البرامج التي سعت اليها الاذاعة هي  نقل طقوس فريضة الحج ، من خلال مرافقتها للحجاج وزيارتهم للديار الحجازية ، قامت بذلك عام 1940 ، كان مراسل الاذاعة ينقل أخبار قافلة الحجاج وهي في طريقها الى المدينة المنورة ومكة المكرمة ، قام بتغطية هذه البرامج عدد من الاذاعيين المبدعين .
في هذه الفترة من الحرب العالمية الثانية ، شهدت الاذاعة اهتماماً ملحوظاً من رفع وإعلاء مستوى الادب العربي والفن العربي ، لقد تم الترحيب بالمشاركات الادبية من قبل جهابذة الادب المحلين ومن الخارج ، فشارك من الداخل خليل بيدس ، ومن الخارج محمد كرد علي رئيس مجمع اللغة العربية ، كما شارك الأخطل الصغير ، وفؤاد صروف ، وعبد القادر المازني ، وأسمى طوبي من حيفا ، وماري شحادة وغيرهم . استمرت هذه البرامج الى ما قبل النكبة ، كما ظهر عن طريق الاذاعة نخبة من الفنانين ، مثل يحيى اللبابيدي ، والملحن يحيى السعودي والمطربة الفلسطينية ماري عكاوي وغيرهم ، من بين مقدمات البرامج الهامة عرفت ” هنرييت سكسك ، وقد اختار ابراهيم طوقان مدير قسم البرامج العربية لها اسم الآنسة سعاد لتقديم برامج الاطفال .
من بين الذين عملوا في الاذاعة سامية عبد الهادي زوجة الشاعر ابراهيم طوقان ، ومنهم الباحث والصحفي الكبير ناصر الدين النشاشيبي و حازم نسيبة ومحمد بشناق و أميل حبيبي و عبد الكريم الكرمي ابو سلمى وآخرون .
لم تتوقف الخلافات بين الشاعر ابراهيم طوقان وبين سلطات الانتداب خلال تولي الشاعر طوقان رئاسة البرامج ، والسبب ان سلطات الانتداب كانت تحاول توجيه البرامج باللغة العربية لخدمة احتلالها ، وكانت ترفض قيام هذه الاذاعة بتأدية رسالتها القومية بفضل الشاعر ابراهيم طوقان .
لقد تصدى ابراهيم طوقان لمطالب بريطانيا ، مدعومة بعدد من المضللين ، بأن تقوم الاذاعة بتشجيع استعمال اللهجة العربية الدارجة بدلاً من استعمال اللغة الفصحى ، خلال بث  برامج الاذاعة ، وقد رفض طوقان هذا التوجه ، وأصر على استعمال اللغة العربية الفصحى ، هذا الموقف دفع بسلطات الاحتلال البريطاني والعصابات الصهيونية بشن حملات عدوانية ضده ، وضد كل ما يقدمه من برامج اذاعية ، فاضمروا له الشر ، واتهموه بالتحريض على وجود الاحتلال ، كما أن الصهاينة اتهموه بأنه  يستغل  الاذاعة للتحريض ضد وجود اليهود في فلسطين .
لهذه الاسباب وغيرها تعرضت الاذاعة الفلسطينية لعدوان صهيوني عدة مرات ، من العصابات الصهيونية ، فقد تعرض مبنى الاذاعة قبل انتقاله الى رام الله الى القصف المتكرر بالمدافع ، تحت حماية وحراسة قوات الاحتلال البريطاني . مما جعل مدير الاذاعة في ذلك الوقت عزمي النشاشيبي بوضع خطة طوارىء ، بحيث تبقى الاذاعة في حالة بث متواصل حتى يتم تركيب أجهزة البث الجديد في مدينة رام الله .
ومع بداية وقوع النكبة عام 1948 واعلان قيام الدولة العبرية احتلت القوات اليهودية مبنى الاذاعة كاملاً ، ويذكر ” توفيق محمود الشاهد في كتابه ” رحلتي مع الميكرفون ” أن عصمت النشاشيبي حمل قدر استطاعته على ظهره اجهزة الاذاعة من مقرها في حي الطالبية في القدس الى مدينة رام الله بعد أن تم احتلال مباني الاذاعة في القدس ، نقلها الى مكان أعمدة الارسال في رام الله ، ليعود صوت اذاعة القدس الى الانطلاق من جديد .
وكانت السلطات الاردنية قد واصلت بث الاذاعة من رام الله واطلقت ” عليها اسم إذاعة القدس العربية ” والتي كانت تعرف ايضاً ” راديو رام الله ” إلا  ان احتلال القوات الاسرائيلية للضفة الغربية ، أنهى بث اذاعة القدس العربية ، ليضع بذلك نهاية لتجربتها ونشاطها الذي انطلق من مدينة القدس في منتصف الثلاثينات من القرن العشرين

 

أترك تعليق أو مشاركة

من الأرشيف

أترك تعليق أو مشاركة