بكر السباتين في محاضرته : المثقف – أوستراليا

فن وثقافة .

البرمجة اللغوية والعصبية وسياسة القطيع
ما هي البرمجة العصبية اللغوية .
والبرمجة العصبية اللغوية تعني علم هندسة النفس الإنسانية، أو علم هندسة النجاح.
وكان أول من وضع أسس هذا العلم هما الأمريكيان: عالم اللغات ريتشارد باندلر وجون جريندر وهو عالم رياضيات.
وهناك عدة تعريفات لعلم البرمجة العصبية اللغوية تشرح لنا مضمون هذا العلم وماذا يقدم لنا من خلال تعلمه ودراسته وممارسته فيمكن أن نقول أن البرمجة العصبية اللغوية NLP:
هي فن الوصول بالإنسان لدرجة الامتياز البشرى التى بها يستطيع أن يحقق أهدافه و يرفع دائماً من مستوى حياته.
ويمكن تعريفها على أنها علم يكشف لنا عالم الانسان الداخلي وطاقاته الكامنة ويمدنا بأدوات ومهارات نستطيع بها التعرف على شخصية الانسان وطريقة تفكيره وسلوكه وادائه وقيمه، والعوائق التي تقف في طريق ابداعه وتفوقه”.

ولأن علم البرمجة العصبية اللغوية NLP يوفر لنا التقنيات والأدوات والطرق التي تساعد على إحداث التغيير الإيجابي المطلوب في تفكير الانسان وسلوكه وشعوره، وتعزز قدرته على تحقيق أهدافه دون تراجع يذكر في خطوات التنفيذ وبإصرار على النجاح، كل ذلك وفق قوانين تجريبية يمكن أن تختبر وتقاس؛ فإن هذا العلم امتد إلى كل شأن يتعلق بالنشاط الإنساني كالتربية والتعلــيم والصحة النفسية والجسدية والرياضة والألعاب والتجارة والأعمـــال والدعاية والإعلان والمهارات والتدريس والتدريب والفـــنون والتمثيل والجوانب الشخصية والأسرية والعاطفية والاتصال والتأثير على الآخرين.
فدعونا الآن نقوم بتحليل اسم هذا العلم:”البرمجة العصبية اللغوية NLP”
إذْ يعزى سبب تسميه العلم بهذا الاسم إلى طبيعة برامجه وأهدافه، وذلك على النحو الآتي
برمجة Programming : وهي طريقة تشكيل صورة العالم الخارجي في عقل الإنسان أي برمجته، وهي مجموعة الأفكار والأحاسيس والتصرفات الناتجة عن العادات والخبرات التي تؤثر على الاتصال بالآخرين، وعليها يسير نمط حياتنا. أي التحكم بموروث الخبرات الذاتية وتحويلها إلى مفردات تمكن الإنسان من تهيئة عقله الباطن لتقبل سلوكيات جديدة مرغوبة وشطب ما هو سلبي منها.

لغوية Linguistic : وتعني لغوي حيث تشير إلى قدرتنا على استخدام اللغة الملفوظة وغير الملفوظة في التعامل مع الآخرين والتأثير فيهم أو في تصرفاتهم”ويمكن تعريفها أيضاً بالتقنيات اللغوية المستخدمة في التحكم بمفردات موروث الخبرات الذاتية لتحقيق التغييرات السلوكية المنشودة.

عصبية Neuro : يتعلق هذا المصطلح بالجهاز العصبي الذي يتحكم بوظائف الجسم وأدائه وفعالياته، كما يشير أيضاً إلى جهازنا العصبي، أنه المسلك العقلى للذهن الحسي، أي حواسنا الخمس التي نرى و نسمع و نحس و نتذوق و نشم بواسطتها”.

وتجدر الإشارة إلى أن تحقيق هذا التغيير يحدث في أهم عناصر عملية التفكير
(العقل والدماغ والذهن) وهو العقل الباطن الذي يشكل مع العقل الظاهر ما يصطلح عليه بالعقل الكلي، فمن خلال العقل الباطن يتم تطويع العنصر الثاني المتمثل بالدماغ والذي بدوره يقوم بإرسال الأوامر إلى العضو المعني في الجسم استجابة لتفاعل عنصر الذهن (الحواس الخمس) مع المؤثرات المختلفة الموجودة في المحيط الملموس، إضافة لتلك الرسائل الناجمة عمّا يرسله العقل الباطن إلى الدماغ (الإنسان عبارة عن حقل طاقة تتفاعل مع العقل الممتد بما يعرف بالطاقة الكونيىة الممتدة ، لأن الدماغ يحتوي على موجات دلتا كطاقة كهروكغناطيسية والسيال العصبي كطاقة كهروكيماوية)، والناجمة عن تكرار الرغبة الإيجابية في التغيير، التي يوجهها الإنسان إلى العقل الباطن فيصدقها، ويتعامل معها كرسائل حسية يستجيب لها الدماغ، وهنا تتم عملية البرمجة العصبية بنجاح. وهذا يعني أن الإنسان يهيئ نفسه للتطور واكتساب معرفة جديدة والتدرب على ما يستجد عليه من معرفة وخاصة في المبادرات والعمل.

ومن أهم فوائد البرمجة اللغوية العصبية :
– تطوير الشخصية:
ويتم ذلك من خلال زيادة الثقة بالنفس للقيام بالمهام المنوطة بالإنسان، وإتقان حسن الاتصال مع ذاته أولاً ومن ثم الاتصال التفاعلي الناجح مع الآخرين، وهذا يعزز من الطاقة الإيجابية لديه، لا بل ويساعد على إزالة الخوف والمشاعر المؤلمة، ويخفف الألم الذي يؤدي بدوره إلى التراجع والإحباط، والتعزيز من طاقة الإنسان السلبية.
– تطوير الأداء : ويتم ذلك بواسطة تنمية الحوافز للعمل والإنتاج، وتطوير التفكير الإبداعي، أيضاً تحسين قدرة الإنسان على الخطابة والتعبير الناجح عن الأفكار الخاصة والعامة، كذلك رفع مستوى الأداء الرياضي والفني والمهني،
ومن ثمَّ معرفة استراتيجية نجاح وتفوّق ونبوغ الآخرين كي يطبقها الإنسان على نفسه.
– التربية والتعليم و التدريب:
والتي تساعد على سرعة التعلم والتذكر، وتشويق الطلاب للدراسة، كذلك رفع مستوى الأداء للأساتذة والمعلمين.
– الإدارة والتجارة والأعمال:
تساعد على تعلم مهارات التفاوض والبيع والتسويق، أيضاً تحفيز الموظفين، وتحديد الأهداف، ثم التخطيط الاستراتيجي.
وما دام العقل الباطن هو المنطقة التي تتم فيها عملية التغيير من خلال صناعة الأسئلة المبرمجة فلا بد من العودة إليه لتوضيح آلية البرمجة العصبية اللغوية.

“البرمجة العصبية والعقل الباطن
لدى العقل الكلي مهمتان، تتجلى الأولى بالعقل الظاهر (الواعي) الذي يفكر بحرية ويكوّن أفكارَ جديدة وبأنه المسئول عن المنطق والحساب، ويعمل بسرعة 40 بت بالثانية، والبت هي أصغر وحدة قياس للمعلومات الرقمية في الحاسوب والاتصالات.
أما العقل الباطن فهو مجموعة من العناصر التي تتألف منها الشخصية، وقلنا بأنه يحتوي على المحركات والمحفزات الداخلية للسلوك أو أنه مقر الطاقة الغريزية النفسية والجنسية، إضافة إلى الخبرات والتجارب السابقة في جميع مراحل أعمارنا،  ويمثل أيضاً مركز العواطف والانفعالات ومخزن الذاكرة، ويعتبر أيضاً الجزء الأرشيفي للعقل حيث يحفظ المعلومات القديمة منذ كان الإنسان طفلاً حتى تلك التي يعتبرها العقل الظاهر عابرة وغير نافعة.
فالعقل الباطن لا يستطيع أن يخرج عن برمجته المحددة، آلياً وتلقائياً، بناءً على ردود الأفعال السلوكية المخزنة مسبقاً، ويعمل بدون علم أو سيطرة العقل الظاهر بطاقة عالية ومؤثرة. فمن بين 96% إلى 98% من القرارات يقررها العقل الباطن دون إرادة الإنسان؛ لذلك يمكن أن نفهم لماذا لا نستطيع الامتناع عن ممارسة ما نحبه حتى لو تضارب الأمر مع مصالحنا أحياناً، لذلك فالعقل الباطن هو الأقوى والأسرع بكثير من العقل الواعي، فهو الذي يشكل وينظم طريقة حياتنا. فتَعَلُّمْ قيادة الحاسوب على سبيل المثال، وخاصة الطباعة بداية الأمر يلزمها التركيز التام لأنها عملياً تكون في عهدة العقل الظاهر، ولكن بعد مدة من التدريب تصبح القيادة عادة يتحكم بها العقل الباطن فيصير بوسع المستخدم الطباعة أحياناً بمهارة فائقة دون النظر إلى مفاتيح الأحرف، كذلك الحال بالنسبة للمحاسب الذي يطبع قوائم الحسابات دون النظر إلى الآلة الحاسبة بمهارة مذهلة، وهو الحال نفسه بالنسبة لقائد المركبة الذي سيتمكن بعد الخبرة الطويلة في قيادة المركبة، من التحدث إلى جاره أو استعمال الهاتف أثناء القيادة لأن العهدة بعد التمرين وفي حالات التعب والسرحان تكون في عهدة العقل الباطن الآمنة، وهذا يحدث كثيراً، وكانت تثير لدينا الأسئلة المبهمة التي لا نجد لها تفسيرا منطقياً. وعلاوة على ذلك يمكننا فهم السر الذي يجعل المشرفين على الموت من الكبار يعيشون في الماضي السحيق ويقومون بنبش الذاكرة العميقة في العقل الباطن؛ هذا بالطبع لأن أحد عناصر التفكير المتمثل بالدماغ يكون معطوباً وبما أنه مرتبط من خلال الجهاز العصبي بمكونات الذهن الحسية، فمن البديهي أن يتعطل العقل الظاهر المرتبط بالواقع المنطقي المحسوس؛ لهذا يسيطر العقل الباطن كلياً على أولئك المشرفين على الموت، فيعيشون الماضي بتفاصيله وكأنه واقع محسوس.
من هنا يمكن برمجة العقل الباطن بالتكرار كأحد أهم قوانين البرمجة العصبية اللغوية، فبرمجته لا تحتاج للمنطق أو التفكير أو التركيز، خلافاً لما يحتاجه العقل الظاهر لحل مسألة رياضيات على سبيل المثال. وهذا هو باب التغيير السلوكي للإنسان من خلال:
تكرار الرسائل التحفيزية التي ستقلب حياة الإنسان رأساً على عقب.
وكذلك من خلال الإيمان والدعاء والصلاة حيث ثبت للعلماء بأن ممارسة الشعائر الدينية تؤثر على المنطقة المستثارة في الدماغ، وهي منطقة الفص الصدغي ويُعَرَّفُ بأنه” قسم من القشرة الدماغية التي توجد أسفل الشق الوحشي في نصفي الكرة المخية في دماغ الثدييات وتقع عليه مسؤولية أساسية في استيعاب السمع و اللغة” وهي المنطقة المسؤولة أيضاً عن العواطف وتخزين المعاني الجديدة، وبذلك أثبتت قدرة الصلاة والإيمان في كل الأديان على اختراق العقل الباطن اللاواعي وإعادة برمجته بمشاعر جديدة؛ لتعيد تشكيل نمط حياة جديدة للإنسان.

ومن خلال التكرار في طرح الاسئلة التحفيزية المستهدفة، يمكن التأثير على الإنسان بالخديعة لقلب الحقائق وتغيير محددات الأشياء التي تؤمن بها أو تفرض عليك. ومن أشد الأمثلة وطأة هو ما يمارسه الإعلام المضلل أو الأجهزة الاستخبارية فيما يعرف بغسيل الدماغ، والأمثلة على ذلك كثيرة.

سياسة القطيع
يمكن للأجهزة الأمنية من خلال مبدأ التكرار أن تقنعك بسياسة حكومة ما يستحوذ عليها الفاسدون لتمرير برامجها المشبوهة، لا بل بوسعها تحويل صورة الفاسد في نظرك إلى بطل قومي حتى لو شهد عليه التاريخ بأنه جزار قاتل، لا بل يمكن لهذا الإعلام المضلل والمسيس أن يعزز موقف السياسيين المجير في أي مكان في العالم، باستبدال عدوك التقليدي الذي يحتل أرضك بتحسين صورته من خلال تزويد عقلك الباطن بعبارات الإطاراء للعدو خلافاً لحقيقته واستبداله بعدو جديد ليصبع العدو التقليدي مقبولاً لديك خارج إرادتك، هذا ما يحدث في تداعيات التعامل الدولي مع القضية الفلسطينية على سبيل المثال، وفي نموذجه السلبي، كلنا يعلم كيف تحول المحتل الإسرائيلي لفلسطين إلى صديق لبعض أعداء الأمس من العرب، أما في نموذجه الإيجابي، فقد تقبل الجنوب أفريقيين البيض عدو الأمس وصاحب الحق نلسون مانديللا ليكون رئيساً لجنوب أفريقا، وربما يحصل ذات الأمر في تداعيات الكثير من القضايا الأخرى التي شوهتها السياسة أو أعادت ترتيبها توطئة لفرض الحلول بأشكالها في أرجاء المعمورة. من خلال مبدأ التكرار الذي تقوم عليه السياسات الإعلامية المأجورة، وهذا قد يحدث أيضاً حتى على صعيد العلاقات الشخصية بين الناس.. فيتم التطبيع مع العدو خلافاً للوثائق التي تدينه والقائمة على المنطق.. لا بل أن تخزين عشرات الآلاف من صور القتلة عبر الأفلام السينمائية والعاهرات في الأفلام الإباحية سيكون لها دور مخيف في التحكم بسلوكيات الأطفال عند الكبر. فمناظر القتل التي تخزن في العقل الباطن تحول الإنسان من مهتم جاد إلى شخص سلبي ولا يبالي، لذلك من السهل عليه أن يتابع أخبار القتل ببلادة لأن العقل الباطن تعّود عليها من خلال الرسائل السلبية التي يستقبلها العقل الباطن من المبرمج الذاتي، ويصدقها بعد أن تكرر عليه من قبل الإنسان وبدافع غريزيٍّ في أحيان كثيرة. حتى الاستماع إلى الأغاني الهابطة والتي تبث الروح السلبية ستلتقطها ذاكرة العقل الباطن العميقة فتحولها إلى معطيات سلبية، لذلك تجد الكثير من الأفلام وخاصة الرسوم المتحركة تحتوي على رموز شيطانية وماسونية مكررة، ليلتقطها بالتالي العقل الباطن فيعتاد عليها ويصدقها إلى درجة الإيمان. ويقال أن الجنين وهو في بطن أمه وفي الأشهر الأخيرة يستطيع تخزين ما يسمع من كلمات مبهمة في عقله الباطن في الوقت الذي يكون عقله الظاهر غير مكتمل لارتباطه بالذهن الحسي والدماغ اللذين يكونان في طور النمو. فما بالك بالطفل في كل مراحل نموه!.
والعقل الباطن أيضاً كما ذكرنا في سياق هذا الكتاب يُعَدُّ الأقوى والأسرع من العقل الظاهر فهو نتاج تجاربنا الحياتية السابقة ويمثل الذاكرة العميقة التي تحتوي على المواقف والمعتقدات والأخلاق والعاطفة والعادات والتقاليد والطباع. فالإنسان هو الذي كوّنه؛ ليخضع أخيراً لسيطرته أو لسيطرة من يغذيه بمعطيات الخضوع لسلطة الآخر، من خلال إعادة البرمجة من قبل الآخر بما يعرف بمسح الدماغ الذي يمارسه الآخر المتمثل بالمذاهب المتنافسة أو السلطات القاهرة لإرادة الإنسان كأجهزة الاستخبارات في العالم. ومن هنا يتم أيضاً اختطاف العقل من قبل المتطرفين والغزاة. وهو المدخل لصناعة المأجورين والخونة لذلك على الإنسان أن يَحْرُسَ عقله الباطن من المؤثرات السلبية التي تتحكم بها الغرائز فتحدث خللاً في برمجته العصبية اللغوية، وبالتالي تحويله إلى مجرم أو مدمن أو محبط يعيش على هامش النجاح.
العقل الباطن لا يفرق بين الحقيقة والخيال
ورغم قوته المذهلة إلا أن عقلك الباطن لا يميز بين الحقيقة والخيال ومن هنا يمكن إيهامه بأن الخيال حقيقة تعيشها من خلال التكرار بمعلومات قد تفيدك في التخطيط لتحقيق أحلامك وطموحاتك على أن لا تكون مستحيلة وفق إمكانياتك. ودليل ذلك أنه حينما تحلم بكابوس وهمي، يتصبب العرق من جبينك لا إرادياً، والسبب أن المُتَخَيَّلْ يخدع عقلك الباطن ويثير ردة فعل لدى دماغك ليتعامل مع الموقف كأنه استثارة محسوسة، فتتناسب استثارة الذهن الحسي طردياً مع أبعاد الصورة المتكونة في الحلم، وتكون تلك لاستجابة كما يحدث إزاء مشاعر الخوف التي تداهمك في المواقف الواقعية المحسوسة، بما يرافق ذلك من تعرق شديد، وزيادة في نبضات القلب، وسرعة التنفس، والرغبة بالتبول اللاإرادي أحياناً، مثلما يحدث في مواقف الرعب الحقيقية.
“وقد أجريت إحدى التجارب الشهيرة على أحد رياضيي التزلج، حيث ثبتت على صدره مجسات موصولة بجهاز لقياس الترددات والنبضات في جسم الإنسان، وطلب منه وهو مستلقٍ على ظهره تخيل نفسه وهو يمارس رياضة التزلج على الجليد، فإذ بمؤشر القياس يسجل بياناته وكأن عملية التزلج حقيقية”. فالعقل الظاهر هو الذي يوضح واقعك ويحدد ملامح شخصية الإنسان الحقيقية.
ففي تجربة حبوب الوهم المسماة بلاكيبو placepo أعطي أحد المرضى النفسيين هذه الحبة على اعتبار أنها علاج حقيقي فيما أعطي الآخر حبة دواء حقيقية فشفي المريضان. وهذا يفسر السبب من وراء العلاج الوهمي الذي يقدمه الدجالين للمرضى فتحقق نتائج حقيقية، إنه إيهام العقل بأن الخيال حقيقة، وهو أيضاً يمثل مدخلاً لاختراق عقل الإنسان واستغلاله من قبل النصابين.
وعليه فإن الوسواس المرضي مرده إيحاء الإنسان لعقله الباطن بأنه مريض، رغم سلامة بدنه فيصاب بأعراض المرض كردة فعل غير منطقية يقوم بها العقل الباطن إيماناً منه بأن ما توهم به المصاب بالوسواس حقيقة. فمن هنا يمكن لتعليقات الآخرين السلبية أن تتسلل إلى عقلك الباطن فتهتز ثقتك بنفسك من خلال استجابة العقل الباطن لها. لذلك لا يجب الاكتراث بتعليقات الآخرين في إطارالحراسة المحكمة لعقلك الباطن فتعزز ثقتك بنفسك.
ففي دراسة هي الأولى من نوعها، أثبت العلماء في معهد ماكس بلانك لعلوم الدماغ أن قراراتنا تصنع في عقلنا الباطن (اللاواعي) قبل ثوان من إدراكنا لها في عقلنا الظاهر (الواعي).فقد أعطي المشاركون في هذه الدراسة الخيار التام في استخدام اليد اليمنى أو اليسرى للضغط على زر أمامهم، وكان على الخاضعين للاختبار أن يُشعروا الباحثين في الثانية الزمنية التي قرروا فيها أيَّ يدِ سيستخدمون. وبمساعدة أشعة الرنين المغناطيسية الوظيفية، استطاع الباحثون أن يحدّدوا وبكل دقة أيَّ يدٍّ سيستخدم كلُّ مشارك قبل سبع ثوانٍ من قيام العقل الظاهر(الواعي) للمشارك، باختيار اليد التي ستضغط على الزر. وبناءً على الكثير من التجارب توصل عالم الأحياء البيولوجية في جامعة ستانفورد، سور بروس لبتون إلى أن”عمل العقل اللاواعي أشبه ما يكون بكمبيوتر عظيم محمل ببنك معلومات، من التصرفات والسلوكيات المبرمجة، والتي تم اكتساب معظمها في السنوات الأولى من حياته”، ويتحدث لبتون عن عقلين منفصلين، العقل الظاهر(الواعي) والباطن (اللاواعي)، وهو ما يتوافق مع آراء زملائه من العلماء في مجال علم النفس وخاصة الذين اهتموا بالبرمجة العصبية اللغوية.

البرمجة العصبية اللغوية وانتظار المنقذ الخارق
عليك أن تطرح السؤال التالي على عقلك الباطن من منطلق أنك قوي فلا تنتظر السوبرمان كي ينقذك بل اصنع مصيرك بيديك، فمقومات ذالك موجودة فيك.
وكانت من الأخطاء التي رسختها ثقافة انتظار الأبطال لتحقيق أهدافنا وحمايتنا قد امتلأت بها مناهج التربية والتعليم، وهي تدرسنا سير الأبطال العظماء كالناصر صلاح الدين الأيوبي الذي حرر القدس عام 1187م، ووحد الأمة الإسلامية لتنهض من جديد، وكان الأولى على تلك المناهج هو تمكين صفات هذه الشخصية التاريخية لتبرمج عقول التلاميذ الصغار الباطنية كي تشع فيهم طاقة إيجابية لتحرير ذواتهم من التردد والخوف، فلا يمكثون خائفين بانتظار المنقذ الخارق لهم، وهكذا الأمر بالنسبة لشخصية أخرى كمحمد الفاتح، الذي فتح القسطنطينية بعد أن استعد لذلك بطريقة مدهشة، وكان من المفترض أن تذهب غاية سرد هذه القصة باتجاه الصغار لترسخ في عقولهم الباطنية مبدأ الاستعداد قبل مواجهة الأزمات، لا أن تأخذهم إلى مواقف الأزمات والصراخ مستسلمين بأعلى الصوت ” وا معتصماه!” حتى يأتينا الرجال الخارقون بالحلول.
ولعل أكثر من ساهم في تحبيط عزائم الصغار من خلال انتظار البطل الخارق المنقذ هو الإعلام العربي، من خلال نشر تلك المجلات التي كانت تحتوي على القصص المصورة الشهيرة في بداية النصف الثاني من القرن العشرين، مثل السوبرمان والرجل الوطواط ، إضافة لأفلام الرسوم المتحركة كسلسلة أفلام ميكي ماوس، حيث لا تحفيز فيها على بناء القوة الداخلية للإنسان، وكانت ترسخ في أعماق عقول الصغار الباطنية حالة الخوف وفوبيا المواجهة، وفي أن المنقذ يجب أن يكون كائناً خارقاً من أنصاف الآلهة مثل السوبرمان وميكي ماوس، وكانوا عادة ما أن يظهروا على الشاشة في موقف الإنقاذ حتى يصفق لهم الأطفال لتترسخ في عقولهم كواقع يلازم شخصية هذا المتلقي الصغير حتى يشب على صفات الخوف و”السير جنب الحيط” كما يقول المثل الشعبي، ويترجمه الكثيرون في أفعالهم. إن ما نحتاجه لمساعدة أطفالنا في برمجة ذواتهم عصبياً والتطوير لشخصياتهم هو التفاعل مع الشخصية التاريخية أو حتى الدرامية، لتلهمهم بصفاتها وخواصها لا أن تقدم لهم النصائح التوجيهية، التفاعل مع الشخصية يدخلها بكل أبعادها في عقولهم الذاتية كي تتمثل لهم في الأسئلة التحفيزية التي يوجهونها للعقل الباطن المستحوذ على الطاقات الكامنة، من أجل تفجيرها فيهم.. فلا يحبطهم العقل الواقعي المنطقي الظاهر قائلاً بأن هذا مستحيل، بل يتكاتف بدوره مع العقل الباطن لتطوير الاستعدادات التي تحقق رغبات أطفالنا ليكونوا شيئاً جديداً قادراً على المواجهة، وهذا ولو كان أصعب علينا بعض الشيء ينطبق على الكبار أيضاً. وللتذكير فإن الثقافة الدينية ربما كانت الأكثر نجاحاً في تعزيز قوة الإنسان الداخلية وتفجير طاقاتها من خلال الاقتداء بالأنبياء الذي خرجوا من بين الناس ووقفوا إلى جانبهم، ولعل النبي محمد(ص) الذي بدأ بنشر رسالته السماوية وحيداً، فحرر طاقة الإيمان في أعماق الفقراء والعبيد فخلق منهم صناعاً للتاريخ، وكان أن استحق في كتاب “الخالدون المئة” من تأليف مايكل هارت وهو عبارة عن قائمة احتوت على أسماء مئة شخص رتبهم الكاتب حسب معايير معينة بمدى تأثيرهم في التاريخ. وضمت القائمة على رأسها اسم سيدنا محمد (ص)، واسمي النبيين عيسى وموسى ، كما ضمت أسماء مؤسسي الديانات أو مبتكري أبرز الاختراعات التي غيرت مسار التاريخ مثل مخترع الطائرة أو آلة الطباعة، وأيضًا قادة الفكر وغيرهم. وكذلك الحال بالنسبة للتأثر بالشخصيات التي صنعت التغيير في شعوبها، من خلال بث الطاقة الإيجابية القائمة على تغيير الذات للأفضل، كما فعل الزعيم الهندي الأشهر غاندي من خلال الثورة التي بدأ فيها وحيداً، مستنهضاَ الجماهير الهندية لتحرير الهند من الاستعمار الإنجليزي، وما قام به هؤلاء العظماء ما هي إلا برمجة عصبية لغوية جماعية لشعوبهم.
فيلم “الديك فى العشة” بطولة أحمد مكي
ما زلنا في موضوع الشخصية الخارقة المنقذة والبرمجة العصبية واللغوية، إذْ وجدت أن أزيد من الصورة جلاءً من خلال أحد الأفلام العربية الموجهة للأطفال، وهنا لا أريد تقييم الفلم فنياً وفكرياً، بل أريد أن استخلص منه ما لفت انتباه ابنة أحد أصدقائي حينما تفاخر لي بأن ابنته تتمتع بقدرة مدهشة في مشاهدة الأفلام وتلخيص أحداثها، ولما سألت الصغيرة عمّا استفادته من قصة الفلم فقالت بأنها لا تريد ان تنتظر الديك المدعو حبش لإنقاذنا بل ستتغلب بنفسها على الضباع. قالت ذلك وهي تحرك يديها وكأنها جزء من الحكاية البسيطة والجميلة للفلم. وبعد ذلك الموقف بحثت عن الفلم في موقع يويوب، وشاهدته فلمست ذلك المغزى العميق من الحكاية الذي فهمته ابنة الحادي عشر.
وتدور أحداث القصة في مزرعة كان يعيش فيها الأرنب وزوجته وكلب عجوز وفرخة يافعة، ويستولي البلطجية من الضباع على قوتهم اليومي، بينما الضعفاء من سكان المزرعة لا يستطيعون المقاومة فالكل كان يحدوه الأمل البعيد بأن يأتي البطل المغوار المخلص المتمثل بالديك )قام بدوره الفنان أحمد مكي)، حيث كانوا يحلمون بديك قوي ينتصر على الطغاة اللصوص وهم دائماً مستسلمون، ولهذا لم يكن لديهم سوى أن يصدقوا تلك الكذبة التي صنعها لهم الكلب )أدى دوره الفنان لطفي لبيب( عندما رأى الديك يقف على باب المزرعة. ولكن تكتشف الفرخة (قامت بدورها الفنانة إيمي سمير غانم) أن الديك القادم من الغربة مجرد نصاب كانت له صحيفة سوابق جنائية سوداء، وهو مسجل خطر ولا علاقة له بالشهامة والرجولة التي يتظاهر بها، وهكذا نراه في البداية متراجعاً ذليلاً أمام سطوة الضباع، ولكن عندما يقرر ساكنو المزرعة الاتحاد يداً واحدة، يمتلكون القوة التي تؤهلهم من أجل التخلص مما يعشش في أعماقهم من صفات الخوف، التردد، الجبن، وبالتالي التغلب على الضباع ودحرها. ويشاركهم الديك في تلك المعركة المصيرية!! لتتحق معجزة التغيير في أعماقهم أولاً، كأهم خطوة في البرمجة اللغوية العصبية.
القلم والمحبرة
فبدون المحبرة المليئة بالحبر لا يصبح للقلم معنى، وبدون التغيير والعمل على برمجة ذواتنا لا يصبح للطموح أي معنى ما دامت تعترضها الإحباطات الكامنة فينا قبل أن تنتشر كالأشواك في دروب حياتنا.
أذكر ونحن صغار كيف كان تشجيع الكبار لنا يحررنا من اليأس ويبذر في عقولنا الباطنة فكرة أننا أقوياء وناجحون وأصحاب إرادة، ولعل ذلك كان بالنسبة لنا المصدر الرئيس في ثقتنا بأنفسنا حتى ونحن كبار. وأذكر أنني طبقت ذات الشيء على ابني غيث الذي كان رغم ما يتمتع به من ذكاء حاد، يعاني صعوبة في منافسة المفتوقين في صفه الثالث الابتدائي، وكانت المدارس الحكومية آنذاك تبدأ بتدريس اللغة الإنجليزية في مرحلة الخامس الابتدائي، وهي من المناهج التي كانت تميز المتفوقين دراسياً كشأن المواد العلمية المجردة، فخطر ببالي أن استبق الزمن بتدريسه هذه المادة قبل أوانها الرسمي، فما أن يصل مرحلة الصف الخامس حتى تمنحه التميز المنشود، وكان له ذلك مما جعل تفوقه في مادة اللغة الإنجليزية يمنحه طاقة إيجابية ظلت ترافقه في كل مراحله الدراسية، وكأن السؤال الذي بات يستنهض كل طاقاته والموجه بالتكرار إلى العقل الباطن، هو:
“أنني ذلك المتفوق في اللغة الإنجليزية فلا بد وأنني متفوق أيضاً في كافة المواد” وكان له ذلك بالفعل.

تجربة الهولوغرام و النيوروفون (العقل الباطن الجمعي)
إنه جهاز الهولوغرام الذي يبث موجات ضوئية لِتُكَوّنَ صوراً خيالية في الفراغ دون وجود عاكسات، فتنتشر في الفضاء وفق مسافة محددة. والخطير في الأمر هو ما يرافق الصور المتحركة ذات الأبعاد الثلاثية من بث صوتي خفي منخفض الموجات يتضمن عبارات توجيهية، ولنفترض أن الصورة كانت لإله افتراضي! وذلك عن طريق جهاز النيوروفون الذي يرسل موجات لاسلكية تخترق الهالة الكهرومغناطيسية المحيطة بالإنسان عن غير طريق القنوات السمعية في الأذن، متجاوزة في تسللها العصب السمعي، فتدخل هذه الموجات مسامات جسم الإنسان لتتحول إلى نبضات كهربائية، فتنتقل إلى الدماغ والذي بدوره يستقبل الإشارة كما لو كان اتصالاً سمعياً، فيعمد إلى إصدار أوامره للعقل الباطن على شكل موجات دلتا بالمستوى المناسب كي تحدث حالة من الاسترخاء، فتتجاوب طاقة الإيمان مع ذلك، ويصدق العقل الباطن ما تقوله الشخصية التي تكونها تكنلوجيا الهولوغرام في الفراغ، وبالتالي سيستجيب العقل الظاهر للأوامر، وتدخل العملية (المخادعة) برمتها حيز المنطق، حتى أنه ينبري للدفاع عنها، لا بل وتدخلَ قناعاتِهِ، وهذا يعني أن الرسائل المبثوثة ستتحول إلى حقائق كأنها مُسَلَّماتٌ لا يجوز البحث في تفاصيلها، لتؤثر بالتالي في سلوك الإنسان المتلقي. فما بالك وإن هذه الرسائل تكون مبثوثة عبر جهاز النيوروفون ومرافقة للصور الهولوغرامية المتحركة في الفراغ، لتترسب آخر المطاف في الذاكرة العميقة الموجودة في العقل الباطن لدى المتلقي مع بيانات العقل الظاهر الدفاعية عنها، وتُسْتَحْضَرْ بالتالي من الذاكرة العميقة حين اللزوم كقناعات راسخة وحقائق بديهية.

اليابانيون نجحوا إلى حدي كبير في هذه التجارب، وفي مصر لم تكن التجربة دقيقة حينما أظهرت صورة السيدة العذراء فوق إحدى الكنائس القبطية. بالإضافة إلى تلك التي ظهرت في سماء بعض البلدان الإفريقية، أو الصور الوهمية الأخرى التي ظهرت فوق قبة الصخرة في القدس لإيهام الفلسطينيين برؤية الصهاينة فيما يتعلق بهيكلهم المزعوم. لكن هذه التكنلوجيا التي ما لبثت في طور التجريب، قد استخدمت من قبل بعض التنظيمات السرية وعلى رأسها الماسونية التي يتبوأ قيادتها رؤساء بعض الدول الكبرى مثل أمريكا بغية تشويه تاريخ الحضارات القديمة ومنها الحضارة الفرعونية، وربطها بالغزو الفضائي من أجل إيهام العالم بعدم الأمان، مما يدعوهم لطلب النجدة من السوبرمان الأمريكي حين اللزوم. هذا ممكن حدوثة لو تتبعت تفاصيل هذا المشروع الرامي وفق بيانات إعلاناته إلى اختطاف العقل البشري وتطويعه من خلال تطبيقات مبدأ الإيهام السمعية والبصرية. والقبول بعروض الحماية من قبل أصحاب تكنلوجيا الإيهام لو جاز التعبير. إنه شكل جديد من استعمار الأقوياء للعقل الباطن الجمعي لدى الضعفاء.. والغاية بالطبع لا تخرج عن نطاق المصالح الأيدلوجية والاقتصادية.. ففي الوقت الذي أصبح فيه العالم قرية صغيرة، فقد أصبح الإنسان فيه مستهدفاً ليتحول إلى إنسان آليٍّ مسيّر لا مخيّر، وسوف يتساوى مستقبلاً مع الريبوتات المتطورة بعد أن تضاف إلى برامجها الذاتية القدرة على الاستجابة وفق المشاعر البشرية المبرمجة، من خلال إنتاج أجيال مستحدثة من العقول الآلية الذكية ذات المشاعر المبرمجة على الطبيعة البشرية، ومؤشرات ما يحدث في المختبرات بهذا الشأن تَعِدُ بإمكانية حصول ذلك..

أترك تعليق أو مشاركة

من الأرشيف

أترك تعليق أو مشاركة