إنتهاءُ الصلاحية (2) الجزء المُتَمِّمْ – بقلم : د. سمير أيوب

فن وثقافة …
بقلم : د . سمير ايوب – الاردن …
بعد حفل التكريم الجامعي ، لعميدة كلية الآداب في جامعة بيروت العربية ، أصرَّت صديقتي الطرابلسية ، ألأستاذة في تلك الكلية ، على أن نُكمِلَ حِوارَنا ، حول صلاحية طرفي أي علاقة عاطفية ، مساءً في دارتها ، في برج البراجنه – الضاحية الجنوبية لبيروت . حرِصْتُ على أن أصِلَ المكانَ في الوقت المحدد تماما . عَبَرْتُ بِرفقةِ مُضيِّفتي ، بوابة السور الخارجي لدارتها متمهلا ، علَّني أُشبِعُ وأُمتِّعُ جُلَّ حواسي  ، بعبق ما أرى من ورودٍ ورياحين وشجرٍ مُنَسق بأناقة بَيَنَةٍ . ما أن دلفنا عتبة البيت ، حتى جحَظَتْ عينايَ وأنا أشهقُ فَرِحاً ، بمن كانوا في إنتظاري ، في الصالة الفسيحة الأنيقة للبيت . باقة مُنتقاةٌ بعنايةٍ مميز ة ، من صديقات وأصدقاء الزمن الجميل في لبنان . فيهم البقاعي والشوفي والجنوبي والبيروتي والزحلاوي والإهدني . دمعت عيوننا جميعا ، ونحن نحتضن بعضنا بشوق ، شاكرين لصاحبة البيت هذه الأمسية الحميمة المفاجئة . سَرَقنا الشوقُ مُطوَّلاً ، عن مائدةِ العشاء ، التي حفلت بِطيباتِ لبنان وما أكثرها . في الغوطةِ الصغرى للدارة ، تناولنا الكثير من الفواكه والحلويات اللبنانية ، مدلوقة  البحصلي البيروتي ،  وحلاوة الحلاب الطرابلسية ، وجزرية البابا الصيداوية ، مع الكثير الكثير من قهوة معتوق ، إبن قرية الغازية ، المسترخية بدلال ، على الساحل الممتد بين صيدا وصور . حدَّثَتْ صديقتي ، الحضورعن موضوع حوارنا ، الذي كان قد إبتدأ صباح اليوم ، في صالة جمال عبد الناصر في الجامعة . بعد ان أوجَزَتْ لهم الجزء الأول منه ، ألح الحضور على إستكمال الحوار مستأذنين المشاركة فيه .
فقالت صديقتي المضيفة ، دعني يا شيخنا ابدأ بسؤال يفرض نفسه : أوليس الحب علاقةٌ إنسانية سامية ، ميثاقا مقدسا نبيلا ؟‏ فَلِمَ يكون لها تاريخ صلاحية إذن ؟ لِمَ يَتحجج البعض بالظروف , وبمشاغل الحياة ؟ إن كانت العلاقاتُ الإنسانيةُ صادقةً ، ستكون بالضرورة قوية  صامدة في وجه تيارات الحياة . وتقاوم كل شوائب رياح التغيير .
قلت مضيفا لما تفضلت به : الحب تجربةٌ إنسانية مشتركة . لا يستغني عنها أحد . يمر بها الانسان ، فتمس شخصيته بكثير من التغيير . في التشاركيات العاطفية ، لا يشترط التطابق  بين أطرافها ، وإن اشترط الكثير من التوافقات بينهم ، وإبداع لا ينضب ، من التغاضي في الممارسات .
وهنا أضاف صديق دبلوماسي متقاعد قائلا : من الممكن أن يكون ما يجمع أحدنا بالآخر، هو الحب . ومن الممكن أن تكون العلاقات التي تربطنا بالشريك  ، وتدفعنا اليه , هي مجرد عملياتٍ بيولوجيةٍ لا أكثر . تلفت الإنتباه . تخاطب العاطفة .  وتداعب الإستقرار النفسي . تطول زمنيا أو تقصر ، وفقا  لطبيعة واحتياجات كل طرف فيها .
ناشطة اجتماعية وسياسية قالت تكمل ما تفضل به الدبلوماسي :‏ ترتكر كل علاقة حب سويَّة ، على الكثير من الإحترام ، الثقة ، والعطاء دون تمنين أو إنتظار مقابل . إن تلفَّتَم حولَكم  ، تجدون أن الواقع مثقل بكثير من العلاقات ، المؤسسة على مصلحة شخصية . تنتهي بإنتهائها . وإن استمرت بعد ذلك ، تكون فاترة بلا روح .‏
رأيت الجمع ينظر إليَّ ، فقلت : ما يجري أمام ألأبواب من تقلباتٍ في العلاقة ، ما هو إلا أحد العناوين الفرعية ، لما يجري في الخفاء وراءها . مسكوتٌ عنه بالأساس . وللمسكوتِ عنه هُنا ، يُفَطٌ وأطرٌ وإدعاءاتٌ كثيرة ، تتجاوز نتائجُه وتؤثر متعلقاتُه على طبيعة العلاقة ، وعلى الغموض المحيط بمستقبلها . فهو الممهد لإعادة ترتيب العلاقة ، طبقاً لإستبداد الميزة الأساس الجاذبة فيها .
تابعت مضيفا ، إن شراكة سيدة ورجل ، مهما كان مسماها ومستواها ، بصفة أو مِيزة واحدة ، جسدية كانت هذه الصفة ، أو عقلية ، عاطفية ، ثقافية ، مالية ، سياسية ، نضالية ، أو فكرية ، والبناء على مقتضاها ، والإتكاء عليها في كل المعايشات اليومية بينهما ، من شأنه أن يُولـِّدَ باللاوعي ، آليات تشد كل شئ بينهما ، إلى تلك الصفة أو البُعْدِ أو المزية الواحدة . وبسطحية فظة يختزل كل منهما ، الشخصية المقابلة بِها . لتصبح تلك الصفة في النهاية ، هي العلاقة الناظمة ، والهوية التي تربط بينهما . وإعتبار أن ما يهدد تلك الصفة ، يهدد كل بِنى العلاقة الحميمة بينهما ، ووجودها بالأساس .
قالت مضيفتنا : أتفق مع ما تتفضل به . في الإختزال الظالم ، يستولد التسلط دهاليزَه ، والإستبداد مظالمَه . فيَعمُّ الكثيرُ من الضيق ، قبل تلاشي العلاقة او إيداعها العناية الحثيثة . معظم الشركاء الذين لم يُعطوا مُبَكِّرا ، الأمر ما يستحقه من فهم وإستيعاب ، لتجليات وتبعات الإختزال ، أو إستشراف ما يمكن أن يحصل ، إذا ما افتقر الشريك لتلك المزية . يلوذون بالقول المُمَوِّهِ ، أن مَرَدُّ الأزمة ، هو إفتقار الشريك لصلاحيته . ومع أن ما يقترفه المستبد ، لا يتم إلا بإيحاء خارجي ، نابع من قبول المظلوم ، بمعاونة الظالم على جريمة الإختزال . بغض النظرعن إرادته أومصلحتة أو ديمومتها .
إشتبك سؤال لصديقين معا وهما يقولان  : ما الحل إذن ؟
قلت متضاحكا ، وأنا أُداعب بشفتي وأنفي فنجال قهوتي : الحب هو المعنى الأجمل في حياتنا ، والأصعب طبعا في الوقت نفسه . يؤرقنا مجرد التفكير ، في إمكانية نقصانه أو تلاشيه . يستمر وتطول مدة صلاحيته ، حين يحميه طرفاه . بالعودة به إلى أيام التوهج الأُوَلْ ، وابتكار كل الطرق الممكنة لتنشيطه وإنعاشه .
كررتْ التساؤل المضيفة وكثرةٌ من الحضور معا  : كيف ؟
قلت بتمهل : الحب سيرورة متجددة .  تجديدها والرضى الأيجابي بها ، مسؤولية مشتركة ، يحرص طرفاها على كسر روتينها . هناك مهارات وملكات تعمل على استدامتها ، بالسقاية والرعاية والرفادة . وأخرى تُضيِّقُ عليه الخناق حتى يذوي ويتلاشى . خاصة حين يتسرب الى مسامات العلاقة ، الكثير من العِنْدِ العابث ، والكبرياء الطفولي ، والأنانية الممزوجة بجشعٍ في الأخذ ، وتعنُّتٍ في العطاء ، والإفتقار لقدرات الصبر الجميل ، والتفهم والغفران .
قال صديقنا النائب  : وماذا عن الإختزال ؟
قلت وانا اوزع نظراتي بعدل بين الحضور : قد تكون أحاديةُ السمة ، مدخلا  لتوسيع وتنويع قاعدة السمات الأُخَر ، وزيادةِ وقْعِ أهميتها في ترسيخ العلاقة ، وإعادة ترسيم حدود أبعادها .  إن تنويع أبعاد أي علاقة  بين طرفين ، هي بداية الطريق إلى النور. ووعينا المتجدد بإيجابية لواقع حالنا ، ومعرفتنا بالخطايا التي نرتكبها والأخطاء التي نكررها ، وأنانيتنا التي تمنعنا من التضحية ، قد تكون بداية الطريق نحو التغيير إلى الأفضل .
دون ان ننسى ان لكل مرحلة عمرية أو إجتماعية أو ثقافية ، طبيعة معينة من الحب أو الإنجذاب للآخر . وأن لكل حب إحساس معين واحتياجات أكثر تعيينا . ألحب  ليس  محطة وصول . و لكنه دافعية عجيبة ، في الحياة التي تستحق أن تُعاش . لن ترافقنا إلا بالإستدامة الذكية . ولا تتحقق تلك الإستدامة ، إلا بالجهود المشتركة المستمرة ، المغذية له بالطاقة الخضراء ، لتنفض عنه غبار الإعتياد المُمِلِّ والمُخِل ، وتنتشله من الإيقاع الرتيب . يكادُ الحب يا سيدتي ، أن يبصر وأن يتبصر ، عندما لا نغرقه بكثير من العقلانية الساذجه واللزجه . فلا يمكن الإستمرار بدون كل أنواع الحب ، فهو كالفيتامينات تماما . مُبَلْسِم لكل شئ . يا ربة الوجه الصبوح ، لا تبخلوا في الحب ، إستسقوه بكرم ، الجود فيه أقرب إلى تقوى القلوب .  ألا توافقوني على أن : عيشةٌ لا حُبَّ فيها ، جدولٌ لا ماء فيه .

أترك تعليق أو مشاركة

من الأرشيف

أترك تعليق أو مشاركة