الإنسان العربيّ السجين من حيث لا يدري – بقلم : د. علاء الدين الاعرجي

دراسات …
بقلم : علاء الدين  الأعرجي – .محام/مفكر/ باحث عراقي أمريكي – نيويورك …
العقـلَ العربيّ،  وبالتالي الإنسان العربيّ العادي، سجين في سجون منيعة متعددة  الأصناف والأسوار لا يشعر بها. وما أن يظهرَ بعضٌ من ذوي الأفكار الثورية النيّرة( ذوي عقل فاعل) لتحرير الناس من سجونهم المنيعة، حتى يتعاون على قمعه ورفضه وإلغائه أو تصفيته، كلٌ من المؤسسة الدينية الخاصة بذلك المجتمع( التي تدعي أنها وحدها على حقّ وغيرها على باطل) والسلطة الحاكمة(السجّان)، بل  من جانب المجتمع بأفراده السجناء أنفسهم، الذين ألِـفوا سجنهم الدائم، واستساغوا قهرهم الأبدي. بل أن معظمهم لا يعيَّ سجنـَه، أي لا يدري أنه سجين أصلا ً، لأنه ولد وعاش في هذا السجن ِالكبير وسيموتُ فيه.
وإثباتا ً لدعوى “سجن العقل العربي” نقدم بعضا من الأمثلة التي تبـيّـنُ مدى مسجونية العقل العربيّ أو الإنسان العربيّ المعاصر، وما هيّ أصناف السجون التي يخضع لها:
فالعقل العربيّ سجينُ سلطات متعددة ، سواء رسميّة أو مجتمعيّة، ثقافيّة ودينيّة، خارجيّة أو ذاتيّة، وكلها  تتعاونُ وتتفاعلُ للتأثير المركبِ على طريقة تفكيره  ثم على سلوكه وتصرفه ونظرته إلى الأمور، مثلا:
العقلُ العربيّ سجينُ السلطة الحاكمة القاهرة التي تواصلت منذ  ألف واربعمائة عام: الخلافات (جمع خِلافة) الفاسدة، والحكم المملوكي، والحكم العثماني، والحكم الاستعماري، وأخيرا الحكم الوطني الجائر الذي تجاوز في قهره وعسفه أحياناً جميع العصور السابقة. ( باستثناء فترة لا تتجاوز اثنتين وعشرين سنة من حكم الخلفاء الصالحين أبو بكر وعمر وعلي وعمر بن عبد العزيز ، من مجموع 14 قرنا )
العقلُ العربيّ سجينُ قَهره السياسيّ الذي يفرضُ عليه أن يُصفِـقَ للحاكم بأمره، أو ينتخبَه مثـنىً وثـلاثَ ورُباع، ويـُسبّـِح بَحمدِه جهراً ويلعنه سراً.
العقلُ العربيّ  سجينُ ضرورات وحاجات الجسد الطبيعية اليومية من غذاء ودواء وبحث عن عمل يعيله وأسرته.
العقلُ العربيّ سجينُ تخلـُفِه الحضاريّ الذي دام أكثر من سبعة قرون، وخاصة منذ سقوط بغداد. (1258)
العقلُ العربيّ سجينُ قَهره الاجتماعيّ الذي يفرضُ عليه أن يُفكِّرَ ويتصرَّفَ ويسلكَ تبعًا لِمُستلزماتٍ ومُحدِّدات ومسلّمات العقل المجتمعيِّ السائد.
والمفارقة الكبرى أن الإنسان العربي يخضع لهذه المسلّمات القاهرة دون وعي، بل تصبح جزءاً من عقله الواعي وحياته العملية والفكرية، يدافع عنها ويتزايد عليها باعتبارها تمثلُ قيـَّمه الخاصة.
العقلُ العربيّ سَجين في “زنزانة” مُحكـَمة لا يرى فيها سوى أشباح السلـَف الصالح الذي عاش ومات قبل أربعة عشر قرنا، وهو لا يزال يتوسَّـل إليه وبه عبثا ً لحـّـِل مشاكل عصره الراهن!
العقلُ العربيّ سَجين لاتاريخيَّـته، التي تفرضُ عليه حضورَ القديم جنبًا إلى جنب مع الجديد، حضوراً يُنافسه بل يـُكـبِّـله. فالإنسان العربيّ يعيش ماضيه لا باعتباره يـُـشكلُ جزءًا أساسياً من حاضره وحسب، بل حتى من مستـقـبله أيضًا.
العقلُ العربيّ سجينُ خلافاته الدينيَّة والمذهبيَّة والطائفيَّة والإيديولوجيَّة، التي تمتدُّ جذورُها إلى الصراع الدَّمَويّ بشأن الخلافة منذ أكثر من 1400عام.( ومثالها ما يحدث  اليوم في العراق  وسورية  واليمن ولبنان بوجه خاص. هذه الخلافات التي تطورت إلى حروب أهلية وعربية بـــيـنية، في اليمن وسوريا والعراق ومصر(أحداث سيناء) وليبيا،  وقد تتطور إلى حروب إقليمية( إيران السعودية) فـــتشعل المنطقة بأجمعها، إن استمرت، وهذا ما تصفق له إسرائيل وأمريكا).
العقلُ العربيّ سجينُ تمزُقه بين عصرٍ متقدِّم يغلي بالحركة والتطوُّر، وعصرِه الثابت التالد، الذي لا يزال يعيش فيه في كنف الخليفة الراشد عُمر بن الخَطاب، والخليفة الصالح عُمَر بن عبد العزيز…
العقلُ العربيّ سجينُ بداوتِه العريقة التي لا تزال تفرضُ قِيَمَها العشائريَّة المؤدِّية، بين أُمورٍ أُخرى، إلى تفضيل النـَّسَب، والحسب والعشيرة ، لا الكفاءة، أساسًا لاختيار الرجُل الصالح في المنصب الملائم، كما تتعلق بتمجيد السلف،  واحتقارِ المِهنة (من فِعْل مَهَنَ أي حــَــقـــّـــــــرَ وأهانَ).
العقلُ العربيّ سجينُ النظام الأبَويّ Patriarchy system الذي يفرضُ التراتب والفَوقيَّةَ الشموليَّة، وتمجيد الزعيم  الأوحد، وينتظر المستبد العادل، فضلا عن احترام الراعي الأكبر والأقوى. “من اشتدت شوكته وجبت  طاعته”. كما يقبل سيادة الرأيَ الواحد،  ويُحاربُ النقدَ والتعدُّديَّة الإيديولوجيَّة والاختلافَ الفكريَّ الذي يُؤدِّي إلى الإبداع والتقدُّم. ومن هنا أيضا يأتي وضعُ المرأةِ في مستوى أقل من الرجل دائماً.
(أنظر ص92 من كتاب “أزمة التطور الحضاري في الوطن العربي بين العقل الفاعل
والعقل المنفعل…”، الطبعةالرابعة، 2004 )

أترك تعليق أو مشاركة

من الأرشيف

جديد صوت العروبة

أترك تعليق أو مشاركة