البدو في بسمة طبعون ووادي الزرازير بفلسطين المحتلة – بقلم : فؤاد عبد النور

فلسطين …
بقلم : فؤاد عبد النور – المانيا ….
مجلس محلي بسمة طبعون.
موقع :basmattabunmuni.il.ar
أقيم أول مجلس محلي لِ بسمة طبعون في السنة 1965، من ثلاث تجمعات بدوية: السعايدة، الحلف، والزبيدات.  مَن قبِل التوطين في هذه المنطقة الصخرية، سَلِم؛  من لم يقبل الانتقال إليها، نُــقل بالقوة. البعض، بدّل قطعة الأرض التي كان يسكنها، أو لنقل يحتلها، بقطعة أرضٍ أقل قيمةٍ و مساحةٍ في بسمة. عموماً أُعطيت كل عائلة، 600 مترٍ مربعٍ  من الدولة للبناء.
اهتمت الدولة بالقرية، بشوارعها، وبمؤسساتها الخدمية حتى تغري آخرين للانتقال إليها، وهكذا تجدها  قرية ًحديثةً نوعا ما، ومتطورة.  ففيها ملعبٌ حديثٌ  لكرة القدم، ومدرسةٌ ابتدائية، وأخرى ثانوية، ومسجدٌ مهيبٌ وحديث.
يبلغ عدد السكان حاليا 8500 نسمة.
———————–
اشترى الهيكليون الألمان من سرسق أراضي  خربة بيت لحم الجليلية، القريبة من بسمة،  وكانت خربةً مهجورةً، في السنة 1906 ، وأسسوا فيها مستوطنةً على نفس الاسم السابق، بيت لحم.  وقد  أخذ المستوطنون الألمان يتذمّرون من منافسة الصهاينة، الذين نشطوا في نفس الفترة  في شراء المزيد من أراضي فلسطين من التجار اللبنانيين، فرفعوا أسعار الأراضي.
وتبعتهم الجماعة الإنجيلية الألمانية في حيفا، فاشترت من سرسق نفسه، أراضٍ مجاورة لبيت لحم، – خربة أم العمد –  وأسست مستوطنة على اسم ” فالدهايم”، بقرضٍ  قيمته 136 ألف ماركٍ ألماني، من ” شركة تطوير الاستيطان في فلسطين” الألمانية.
تجولت في هذه المنطقة، ودخلت المستوطنتين الألمانيتين، التين آلتا إلى الدولة العبرية من ضمن التعويضات الألمانية لضحايا المحرقة النازية. بيوت المستوطنتين على الطراز الألماني، فسيحةٌ  ومن طابقين، ومغطاةٍ  بالقرميد الأحمر ( ولا أذكر أين قرأت أن المستوطنين الألمان هم الذين أدخلوا القرميد الأحمر إلى فلسطين، ولم نكن نعهده في البناء من قبل.)
وانتقلت إلى غابة البلوط الفريدة في فلسطين، والتي زرعها المستوطنين الألمان في المنطقة. أقول فريدة ٌ لأنها فعلاً  الغابة الوحيدة التي أشجارها جميعها من البلوط. وأكملت طريقي إلى بسمة طبعون، وتعرفت على رئيس مجلسها محمد  زبيدات، وكان رجلاً ربعة، أسمر القسمات، يشعّ رجولة. استقبلني بترحاب، وشرحت له مهمتي، وتفرع الحديث، وأخبرته بأني قد  زرت المستوطنتين الألمانيتين ، وغابة البلوط التي زرعوها. لم يعجبه ما قلت، فقاطعني بحدة  قائلاً: من قال أن الألمان هم الذين زرعوها. إحنا اللي زرعناها!
احتد النقاش، ولم أكن لبقا عندما قلت أن  هذا ادعاءٌ  صارخٌ لا أساس له.  وأنهيت حديثي بالقول:
” أنا عمري ما سمعت البدوي بزرع،  خاصةً غابات. طول عمره  برعى أو بِمحِل! ”
انتفخت أوداجه. وكنت قد سمعت عنه قبل القدوم أنه رجل خصامٍ،  يستخدم يده بسهولة، وعُرف عنه أنه كان يشتبك مع السائقين اليهود في موقف التكسيات في حيفا عندما كان سائق تكسي، وذلك بعد قيام الدولة، وحافظ على بقاء خط حيفا – عكا بيد العرب. فكسب شهرة بين العرب. فأسرعت إلى الانسحاب من المجلس، مفضلاً السلامة، ولم أرجع إليه عندما أصدرت الكتاب.
ولكني لم أنس له تلك المشاكسة، والافتخار الأجوف. فأعدت ما كان قد قاله لي في تلك الجلسة، ونشرته.  وزدت على ذلك بأن نشرت ما قاله بأنه نجح في جلب المساعدات من حزب الليكود، بفضل حنكته ودبلوماسيته، وأنه لا يدري لماذا يحقدون عليه في الأردن، فمنعوه من عبور الجسر للحج، وهو المخلص للقضية الفلسطينية، و… ، و… .
عندما وزّعت الكتاب في الناصرة، أخذ أصدقاءه من الليكود العرب يتصلون به، قارئين له ما كتبت عنه مستهزئين، فجُنّ، وأخذ يتصل بزوجتي في البيت مهدداً متوعدا ، وآمراً أن يُسحب الكتاب من السوق. لم أهتم بالرد عليه، ولكن امرأتي أخذت تقلق، وتهتم بمعرفة ما أكتب، وتحذّرني  من التورط مع أحد. وقالت:
– أنت رحت تعمل كتاب تعيش منه، مش تعمل مشاكل مع الناس.
———————————————-
زرازير
قرية زرازير عبارة عن تجمعٍ لأفرادٍ  من عشائر الكعبية، العبيدات، الغريفات، الجواميس، الهيب، والمزاريب. منها من كان مُخيّــماً في المنطقة في السابق، ومنهم من جلبته السلطة بالقوة أو الضغط إلى المنطقة. وقد جلب هذا التجميع الكثير من المشاكل، لعشائر لم تكن منسجمةً  في الماضي،  وتمردت القبائل عندما أُنشأ مجلسٌ  موحدٌ لها جميعاً، وضُمّ  التجمع إلى مجلس إقليمي ” عيمق إسرائيل ” من السنة 1969 إلى 1997. وبناء على اجتماع المشايخ  والمخاتير تقدموا بطلب إلى حاكم لواء الشمال بمجلسٍ مستقل،  ولكن الطلب أُهمل. إلا أن  إلحاح الأهالي المستمر، وتظاهرهم أمام الكنيست أدى إلى نجاح هذه الدعوة،  فأُقرّ إقامة مجلسين في 1995  واحداً  للكعبية،  وآخر للزّرازير.
تكثر الاشتباكات والاعتداءات في فترة الانتخابات، لأسباب متوقعةٍ وواضحة. وقد عبر ” أمير المزاريب ” مدير لواء الشمال والمثلث في ” سلطة المحافظة على التراث والمباني القديمة في إسرائيل “، عبر عند إعلانه عن بدء المعركة الانتخابية في الزرازير لأول مجلسٍ محليٍّ، عبر عن أمله أن يتجنب المتنافسون اللجوء إلى العنف. وهو عنف مستشري في الواقع في أغلب التجمعات العربية في إسرائيل وقت الانتخابات.
في الزرازير ثلاث مدارس ابتدائية، ومدرسة ثانوية شاملة. 5 مساجد.
عدد السكان حوالي الثمانية آلاف نسمة.
أصل الاسم غير معروف، وإن كان من الممكن أن يكون قد أتي من كثرة الزرازير والعصافير في الوادي. بالمناسبة  تذكرنا القرية بهذا البيت من الشعر :
إن الزرازير لما طار طائرها        توهمت أنها صارت شواهينا
—————
كلمة زرازير في الواقع تشمل كل المنطقة الممتدة مع وادي الملك، أو وادي صفورية، كما يسميه البعض، وتضم في الواقع عشرين من العشائر البدوية المتفرقة، أو أفخاذها. وقد يكون أفراد العشيرة مبعثرين في أكثر من منطقة. بعضٌ منهم يمتلكون قطع أرضٍ مطوبةٍ، والبعض الآخر  حديث الانتقال بعد أن جمّعتهم الدولة العبرية، وقد أحاطت بهم، أو تداخلت عدة مستوطنات حديثة،  لتمنع عنهم وحدة الاتصال الأرضي.  بالإمكان تخيل المنطقة التي يتجمعون فيها، وتمتد من زرازير إلى بسمة طبعون، إلى شفاعمرو، وإلى بير المكسور، وتقارب المئة  كلم. مربع.
تتبع المنطقة المجلس الإقليمي ” عيمق يزراعيل ” ، وهو نفس المجلس الذي تنتمي له القرى الزعبية، وصندلة، ومقيـبلة. ويتم اتصال المجلس بالسكان عن طريق المخاتير المشرفين على عشائرهم  المختلفة، والذين يتبعون سياسياً الحزبين الكبيرين المعراخ والليكود.
ليبس بالإمكان تغطية المنطقة بزيارة واحدة، واحتجنا عملياً لعدة زيارات للتعرف عليها جيداً، والكتابة عنها. وإن كنت تحتاج شخصاً معيناً، فإنك في الواقع تكون محتاجاً لعدة أدلاء، إذ أن الاختلاط بينهم ليس قويا، لحزازات قديمةٍ وحديثة.  طبيعة المنطقة الجغرافية جميلةٌ وفريدةٌ  في نفس الوقت. مليئةٌ بالآثار التي لم تنقب بعد، لعدم ارتباطها بالتاريخ اليهودي. كثيرة الخرب فيها، ومن المؤكد أنها تشمل مدينة الملك الكنعانية القديمة. يؤم المنطقة الكثير من طلاب المدارس، تحملهم الحافلات لجولةٍ  تدوم النهار كله. يتوقفون في إبطن ثم يسيرون مع الوادي على الأقدام إلى أن يصلوا الشارع المعبد، القريب من المقبرة الجديدة للكعبية، حيث مُهدت الأرض، ووُسعت، وعُبدت للباصات القادمة من مدخل الوادي إلى الشرق.
تبعد المقبرة الحديثة عن القديمة أكثر من كم. واحد، وبينهما تقع خربة وادي الملك الكنعانية. وعند أطرافها توجد بقايا بركة ماءٍ  رومانية، مبنية بحجارة أثرية، وتغذيها ينابيع غير مرئيةٍ  تدعى ” ينابيع رأس العين “. وتخرج المياه من البركة إلى قناةٍ أثرية، تمتد مع سفح الجبل إلى ما يدعى الآن  ” بطواحين الراهب” وهي عمارةٌ  من ثلاث طبقات، تبدو مهيبةً رغم الإهمال البادي عليها، وعدم استخدامها. كان الماء يصب في الطبقة العليا، في خزانٍ  كبير، ومنه لتحريك ثلاثة أحجار تطحن قمح المنطقة. وعندما اخترعت محركات الديزل أصبحت  تعمل على الديزل. المطحنة، والمحركات، وأغلب البناء خرابٌ في خراب. وقد استخدم أحد الأبنية لتربية الخنازير، لتوفّر الماء. ولكن رائحة التلوث من المياه القادمة من مزارع الخنازير قرب  صفورية لا تزال ظاهرة.
في جولتي الأولى قبل أكثر من ربع قرنٍ، زرت القسم الأكبر من هذا التجمع، الغريفات. أغلب أبنيتها من طابقٍ أو طابقين. أوقفت شابين كانا يسيران الهوينا، وسألتهما عن بيت المختار. وإذا بأحدهما حفيده، والآخر ضيفٌ من نفس العشيرة، هاجر أبواه إلى منطقة طولكرم في أل 48. وجدت المختار يسوق ” تراكتوراً ” للحراث. نزل عنه بخفة الشباب. وبإمكانك تقدير وصف ” خفة الشباب ”  إن عرفت أن المختار في هذا المنصب له 60 سنة فقط! وليس هذا فقط، ولكنه أجرى عملية قبل 15 سنة، لأزالة ورمٍ في حلقه، ففتح البلعوم، ولا يزال مفتوحاً، وتخرج منه قصبةٍ خاصة لتمكينه من التنفس. الصوت يخرج من فمه فيما يشبه الحشرجة، وكنت باستمرار بحاجةٍ لمساعدةٍ من حفيده لفهم ما يصعب علي  فهمه.
يعتبر المختار أنه قد ساهم  بشكلٍ جديٍّ في منع العربان من عشيرته  من الهجرة قبل قيام الدولة، وبعد قيامها. وقد رد الكثيرين ممن حاولوا الهجرة،  وأرجعهم إلى بيوتهم. وأغلب جماعته كانوا مزارعين مقيمين في منطقة ” قومية –يوكنعام حالياً – ، ولما باع سرسق الأرض للوكالة اليهودية، دُفعت لهم حقوق المزارعة، فاشتروا أراضٍ في هذه المنطقة من أهالي عيلوط وشفا عمرو. وكانوا النواة الأولى للاستقرار الجدي لبدوٍ  في هذه الجهة.
يهاجم المختار بشدةٍ  أيّ قولٍ بأن الحكم الجديد يحابي أو يميز مع البدو. فيقول أن الكثير من الأراضي قد صودرت من البدو، مثلهم مثل غيرهم. وقد خسر هو نفسه 50 دونماً، لمصلحة المستوطنات الجديدة، رغم وجود وكالةٍ دوريةٍ معه تثبت حقه  فيها.
وانضم لنا حفيدٌ آخر للمختار، يعمل سائق سيارة شحنٍ، ويعي بشكلٍ جيدٍ المشاكل التي تواجه البدو في هذه الدولة، والذين أخذوا يتدرجون في طريق التحضّر:
” مشكلتنا الأولى أننّـا مفرقين بدون كلمة واحدة. وصحيح  إنه كثير منا دخلوا الجيش ( أنا ما دخلت ) ولكن ما كان في صنعة بإيدينا. أغلبنا غير متعلّم. كانت صنعتنا الرعي، وتربية الماشية. مناطق الرعي تْسكرت في وجوهنا. إيش نعمل حتى نعيش؟
” أعطيك مثال عمي. له 8 أولاد. بشتغل بالفلاحة عند كيبوتس لجيراننا.  بوخد 450 – 500 شيكل في الشهر ( الكلام قبل 27 سنة ). إيش بنفعوا ؟ لو دخل الجيش بوخد 3 أو 4 أضعاف هذا المبلغ. إذا رغب يعمر له بيت، بوخذ خصم 50 % . أنا بوخد 30 شيكل على الولد. لو كنت بالجيش، بوخد 3 اضعاف.  الولد الكبير الجيش بدفع تأمينه الوطني. ”
أكد أنه لا يدافع عن سياسة دخول البدو للجندية. فهو يعارضها شخصياً. ولهذا السبب رفض بالمرة أن يتجنّد. ويعي أن كلامه هذا سينشر. ويرغب في أن يتم  فهم مشكلة البدوي في إسرائيل:
” الكثير دخلوا الجيش حتى يحموا أنفسهم وأراضيهم. رغبوا يكون إلهم صوت في الحكم الجديد، بعد ما نْهار عالمهم القديم، وتركوا مثل الأيتام. مرة زارنا رئيس الكنيست، وفرض على كل حزب إنه يساهم في تعمير منطقتنا.  حتى الجيش ساهم. ”
وضرب  مثلاً للفرق بين من يخدم في الجيش، وذاك الذي لا يخدم:
” إسمع، أنا باخذ معاش 1400 شيكل كسائق شاحنة كبيرة ” تريلر” . لو كنت خدمت بالجيش، بكون معاشي 2400 شيكل. صاحب التريلر بعرف إني لو كنت خادم في الجيش، كان بقدر أدخل مناطق ما بدخلها مثلي اللي ما معه خدمة. أغلب جماعتنا بُدخلوا للمعاش. بعد 3 أشهر من دخوله، بِعقد على بنت عمه، وبصير يوخد إلها معاش برضه. وبصيروا يدفعوا التأمين الوطني عنه. ولما  بخلِّص خدمته، بِعلموه صنعة على حسابهم. ولما بتعلّم، بعطوه 150 شيكل شهري لمصاريفه.
” إذا بدك تعمر لك بيت، بتوخد قرض بدون فائدة للعمار. قديش إنت بحاجة دون كفيل. إذا كانت الأرض للدولة، توخدها بنصف السعر”.
——————————————–
طباش
استوطن أفرادٌ من عشيرة الطباش المنطقة قبل 300 سنة. منطقتهم مرتفعةٌ، تطل على البحر المتوسط. جنوبها بسمة طبعون، وشرقها الكعبية، وغربها حلف أم راشد، ومن الشمال وادي الملك.
يبلغ عدد السكان حوالي 900 نسمة.
فيها ملعب لكرة القدم، ولكن التعليم خارج القرية.
من الأمور الجديرة بالذكر أن قاسم طباش قتل خطأً  “إلكساندر زايد”  الحارس، والمسؤول في الاستخبارات، فقتله رجال الهاجاناه في وقت لاحق.
——————————————
الكعبيـّــة
تحتل عشيرة الكعبية تلّين –  تلاً  جنوبي، والآخر شمالي. تُغطي منطقتهم أحراج ٌ من شجر بلوطٍ وسنديان. يمر فيها وادي الملك( وادي صفورية ) الذي ينبع من صفورية، ويمر بعدة قرى،  الخوالد، وراس علي، ويصب في خليج حيفا.
———————————–
الحجاجرة
شمال بيت لحم الجليلية، وغرب الزرازير.
اعترفت الدولة بمسطح القرية في السنة 1973. يوجد جلس محلي مشترك: الكعبية، الحجاجرة، وحلف طباش.عدد السكان 3000.
مدرسةٌ ابتدائية.
——————————————
الخوالد
لم أجد شيئاً جديداً أضيفه للخوالد عما كتبته في الطبعة الثانية. ولكني سأعيد ذكر   حادثةً  صغيرة ً مع مختار الخوالد، تكشف الخوف الموروث من السلطة، أيّــة سلطة.
كنت قد دخلت إلى وادي الملك عن طريق حيفا – الناصرة.  السيارة تصل إلى المقبرة  فقط، حيث يوجد “مدورٌ”،  في منتصف الطريق تقريباً للباصات. مررت على بساتين مزروعةٍ بالخضروات، ومرويةٍ  من مياه الوادي الملوثة. ورأيت رجلاً يُهرول من رشاشٍ إلى آخر، يسحب الماء بمحركٍ،  ليتمكن من توزيع الماء على كل قطعةٍ من  أرضه. اقترّبت منه، وسألته بعض الأسئلة، ولكنه كان متحفظًا للغاية.
في الزيارة الثانية لوادي الملك، قدمت  من طريق حيفا إلى تجمُّع الخوالد الصغير في الوادي، حوالي الخمسة عشر بيتاً خشبياً، أو “تناكيات” ، لعدم السماح لهم بالبناء الإسمنتي أو الحجري  حيث هم، ورأيت بضعةً من الصبية يملئون مواعينهم بالماء من نبع طواحين الراهب مقابل تجمعهم، وطلبت من ولدٍ أن يدلني على المختار،  فهب نشطاً، وأخذني مسافة ألف مترٍ، وإذا بالمختار هو  نفس الشخص المتحفّــظ الذي قابلته في زيارتي الأولى. فهتفتُ: هو إنت؟!
فأجاب بنفس اللهجة: هو إنت ؟! وأضاف:  إسمع! أنا ما بفتح تُمّي إلّا قُــدّام الحكومة!
لم يكن هناك مجال لحديث آخر. تركته ورجعت أدراجي إلى حيث سيارتي.
——————————————–
طواحين الراهب
هناك أقوال كثيرة بالنسبة لهذه الطواحين، وملكيتها. فمن قول أنها كانت للدروز، وخسروها في نزاعهم الدموي مع البدو الذين حطّوا في هذه المنطقة، وفي سهل البطوف. وأن أحد الرهبان كان يديرها فسميت طواحين الراهب.
وقول آخر أنها كانت منشأة ًعثمانية، آلت إلى شخصٍ من شفا عمرو،  كان يديرها بالنيابة. وسمعت من سكان ” قرية راس علي ” المجاورة، أن الطواحين كانت ملك الحاج طاهر قرمان، أو ملك الأوقاف الإسلامية. الآن يسكن بها شخصٌ يهوديٌ، ويقال أنه هو أول من سكن  في عمارة الطواحين، بوضع اليد، وأنه  يخطط  لتحويلها إلى معلمٍ  سياحيٍّ  ومتنزه.
ومن الأقوال المترددة أن شخصاً من اليامون، قضاء جنين،  ويدعي ” اللويسي “، قد قدم إلى المنطقة، ولجأ إلى بيت المختار آنذاك ” مصطفى سميرية “.  تساءل الضيف من اليامون لماذا المنطقة قليلة السكان، فنصحه المختار أن يزرع شجر لوزٍ حيث يريد أن يقيم،  فهي شجرةٌ مباركةٌ، تطرد الشياطين. وهذا حصل. لم يُـطرد الشياطين، ولكن تكاثر السكان، وتكاثر شجر اللوز، الذي يغطي تل ” راس علي” المجاور!
_____________________________________________
راس علي
قرية المهجّرين أيام الانتداب من كفريتا ( كفار آتا الآن ) ومن منطقة المجيدل. يحتلها عرب القميرات، على يمين الشارع الرئيس  ياغور– مفرق شفا عمرو – كفر آتا.  لم تكن هناك لا فتة تشير إلى موطنهم،  ولا وجود لهم على الخرائط الرسمية. يُعدّون حوالي العشرين بيتاً، وأُرشدت إلى بيت أكبرهم  سناً، العم  ” محمد قاسم أبو قمير “، يقارب عمره المئة سنة، شبع من الدنيا، ولا دور إيجابيٌّ له بعد، ويقول:  ” الجيل الجديد صعبٌ التعامل معه . إن دعيناهم للصلاح بِتمسخروا علينا، وما بِردّوا. اليوم الدنيا تغيرّت. الدنيا من قبل شكل، واليوم شكل تاني!”
حاولت أن أسأله عن الأحوال العامة التي يعيش فيها، فتنهّد  وقال:
” ما بقدر أفيدك. تسألني عن ربعي، وربعي تحت الأرض اليوم، وأنا مستنّي دوري”. فقلت اسأله عن شيءٍ له علاقةٌ بالماضي. سألته عن النبي ” حوشان ” في هوشه القريبة منهم. اعتدل هنا، وقال:
” هذا ولي من أولياء الله. ما بنقدر نْقول عنه إنه نبي. العالم كانت  تِحلف فيه. اللي مش طاهر، ويْروح يحلف عنده، كان الله يضربه. لولاه كانت الناس فَنت بعضها. سرقة ونهب. شكّيت بجارك، توخده يحلف عند  هوشان. مرّة داير بالي واحد سرق من قرابتي حبات قمح على البيدر. قال لِلي شك فيه : إنت سرقتهم ! قال ما سرقت، قال له تحلف عند هوشان. قال  بحلف. حلف كذب.  الله ضربه، صار جلده مثل الماعز السمرا. ولما مات، و غسلوه، صار جلده يقشر مع الغسيل”.

أترك تعليق أو مشاركة

من الأرشيف

أترك تعليق أو مشاركة