على خُطا المتنبِّي (1ـ2) (دَرْسُ طريقِ هروبه وتتبُّعه ميدانيًّا) بقلم : عبد الله الفيفي

اصدارات ونقد …
بقلم: أ.د/ عبدالله بن أحمد الفَيْفي – كاتب وشاعر واديب من السعودية
-1-
أَلا  كُــلُّ مـاشـــِيَةِ الخَــيْزَلَـى  * *  فِـدا كُــلِّ مـاشـــِيَةِ الهَــيْـذَبى
لِتَعـلَـمَ مِـصرُ ومَـنْ بِالعِــراقِ  * *  ومَنْ بِالعَـواصِمِ أَنِّي الفَـتى
وأَنِّـي وَفَـــيْــتُ وأَنِّــي أَبَــيْــتُ  * *  وأَنِّـي عَـتَوتُ على مَنْ عَـتا
وما كُـلُّ مَـنْ قـالَ قَـولًا وَفَى  * *  ولا كُلُّ مَنْ سِيْمَ خَسفًا أَبى
ولا بُــدَّ لِـلـقَــلْـــبِ مــِن آلَـــــةٍ  * *  ورَأيٍ يُـصَــدِّعُ صُــمَّ الصَّـفَـا
ومَـنْ يَـكُ قَـلْــبٌ كَـقَـلْـبي لَـهُ  * *  يَـشُقُّ إلى العِــزِّ قَلبَ التَّوَى
وكُــلُّ طَــــريــقٍ أَتـــاهُ الـفَـــتَى  * *  على قَدَرِ الرِّجلِ فيهِ الخُـطا
-2-
ما أهمية مثل هذا البحث الذي أنجزه (الأستاذ الدكتور عبدالعزيز بن ناصر المانع)، تحت عنوان «على خُطا المتنبِّي (دَرْسُ طريقِ هروب أبي الطيِّب المتنبِّي من الفسطاط إلى الكوفة)»، (الرياض: كرسي المانع لدراسات اللغة العربيَّة وآدابها، 2017)»؟
إنه كتابٌ في الأدب، والنقد، والرِّحلة، والتاريخ، والأعلام، والمَواطن، في آن.  فضلًا عن أن مغامرة الباحث قد سيقت في سردٍ قصصيٍّ،  ذي أسلوبٍ أدبيٍّ ماتعٍ آسِر.
وإذا كان ممَّا يثير الإعجاب في هذه التجربة مثابرةُ الباحث وشغفُه بموضوعه، والجهدُ المضني الذي بذله، فإن ممَّا يثير الإعجاب أيضًا توظيفه علاقاته في سبيل البحث العلمي، مستنًّا سُنَّة أبي الطيِّب في توظيفه علاقاته في سبيل هروبه.  وكذا يثير الإعجابَ حقًّا التعاونُ الرائع الذي حظي به الباحث، والذي قلَّما تحظَى به المشاريع البحثيَّة في عالمنا العربي.
فماذا لو تواصلت بحوثٌ مثل هذا البحث؟  وكم كانت ستضيء آفاق تراثنا، في هذا العصر الذي تيَّسرت فيه أمور لم تكن ميسورة في الماضي؟  ثمَّ كيف لو صُوِّرت هذه الرحلة البحثيَّة سينمائيًّا؟  للجمع بين التحقيق العِلْمِي الرَّصين والصورة الحيَّة، كي تشمل الرسالةُ في استهدافها جميع شرائح المتلقِّين، في عصر الصورة الحيَّة، إذ قد تُصبح الثقافة الورقيَّة جزءًا من التاريخ، ولو بعد حين.
-3-
يلفت النظرَ في بعض طريق المتنبِّي تعرُّجُها الغريب.  فهل كان ذلك للتَّضليل؟
ما الذي جعله، مثلًا، يذهب شَمالًا من (كَبْد الوِهاد) إلى (رأس الصوان)، في (الأردن)، ثمَّ يعود جنوبًا إلى (البويرة)؟  تُرى أكان متردِّدًا في وجهته؟  أم ربما كان ينوي العودة إلى (الشَّام) من جديد، لكنه عَدَل إلى (العراق)؟  وهو القائل:
وأَمسَــتْ تُخَـــيّــِرُنـا بِالنِّـقــابِ  * *  وادي المِياهِ ووادي القُرَى
وقُلنا لَها أَينَ أَرضُ العِراقِ  * *  فَقـالَـت ونَحنُ بِتُـربانَ: هــا
أم ذلك قول شاعر، يشرِّق فيه ويغرِّب، ويذهب شَمالًا وجَنوبًا، في رسم لوحات خواطره، لا بقول البُلدانيٍّ، يُراعي الأبعاد والجهات والمسافات والترتيب؟
تساؤلاتٌ يثيرها خطُّ السير المرسوم في الخريطة المرافقة لكتاب «على خُطا المتنبِّي».
-4-
فإذا توقَّفنا عند بعض الأماكن التي توقَّف عندها الباحث، كانت لنا الملحوظات الآتية:
لعلَّ (نَجْه الطَّير)، ذلك المكان الذي شغل الباحثَ كثيرًا، تصحيفٌ عن (نَجْع الطير)، وقد آن تصحيحه باسم المكان المعروف اليوم في (سيناء).  ولا ضرورة لتصوُّر أن الاسم حُرِّف صوتيًّا من «نَجْه» إلى «نَجْع»، كما ذهب الباحث (ص104- 105).  على أن ما استدلَّ به من كلام (الأربلي، جواهر الأدب في معرفة كلام العرب) لا يبدو فيه دليل؛ فالإربلي إنما تحدَّث عن قلب الهمزة عينًا أو هاء، في كلمة «أما»، لا عن قلب الهاء عينًا بصورة عامَّة.  وتلك لغة في (أما) وحدها، ولم يذكر أنها في كلِّ الكلمات، أو كلِّ الحروف الحلقيَّة.  فالأقرب إلى الاحتمال، إذن، أن الاسم قديمًا وحديثًا: «نَجْع الطَّير»، وإنما صحَّفه الكَتَبَة!
وكذا القول في (الشَّغُور)، جَنوب بلدة (السليمانيَّة)، شَمال شَرق (سكاكة)، بمنطقة (الجَوف).  فقد أبان الباحث أنْ لا وجود لماء في المكان الذي ذكره الشاعر سِوَى ماء يسمَّى (المُغُور) أو (المُقُور).  ولا أدري لِمَ لَمْ يذهب الباحث إلى فرضيَّة أن الاسم القديم الشَّغُور إنما هو تصحيف: المُغُور أو المُقُور، المعروف اليوم، بل ذهب إلى أن اسمه تحوَّل اليوم إلى المُغُور أو المُقُور؟ (ص206).  ذلك أن ما بقي على ألسنة الناس هو أوثقُ ممَّا كُتِب قديمًا، مع ما يعتوره من احتمال التصحيف، أو الجهل بالاسم الحقيقيِّ في منطوق أهالي المكان.
ولقد كان في البحث اللغوي عن أسباب تسمية المواضع مرجِّحٌ في مدى صحتها.  فـعبارة «نَجْه الطَّير» تعني: زجر الطَّير.  فما علاقة هذا التعبير بالمكان؟  وربما كان لاسم «المُغُور» علاقةٌ بلون التربة في المكان الذي سمِّي به؛ فالمَغْرَة: الطين الأحمر.  في حين أن المَقْر: نوع من نبات الصَّبِر أو الصَّبَّار.  أمَّا الشَّغُور- الذي تواردت كُتب اللغة والبلدان على أنه موضع في البادية- فربما كانت له علاقةٌ ببُعد مائه عن الطريق؛ ذلك أن العرب يقولون: «أَشْغَرَ المَنْهَلُ واشْتَغَرَ»: أي صار في ناحية من المَحَجَّة.(1)  فأيُّ هذه أقرب إلى الرُّجحان، حسب طبيعة المكان؟  هذا مبحث كان يمكن أن يمثِّل مدخلًا للترجيح؛ لأن أسماء المواضع لا تُطلَق اعتباطًا غالبًا، ولا يكفي الاعتماد فيها على أقوال البلدانيِّين الملتبسة والمتضاربة في كثيرٍ من الأحيان.
على أن الباحث يورد بعض جدله حول الأماكن على افتراض قد لا يصحُّ أحيانًا، ذلك الافتراض أن الشاعر مرَّ بالمكان الذي ذَكَرَه بالضرورة، وأن الأماكن التي يذكرها مواردُ ماء، وأنه وردَ ماءها!  وهي افتراضات لا دليل عليها من نصِّ الشاعر في بعض المواضع. وقد يكون المكان المشار إليه جبلًا لا ماء.  من هذا ما جاء في ردِّ الباحث قولَ (موزل): إن الشّغُور جمع (شغار) و(شغير)، وهما موردا ماءٍ شَمال غَرب (الجَوف). (ص195).  في حين أن الشاعر لم يقل إنه مرَّ بالمكان أصلًا، أو استقى منه، بل إنه لاح على طريقه:
ولاحَ لَها صَوَرٌ والصَّباحَ  * *  ولاحَ الشَّغُوْرُ لَها والضُّحى
بل ليس ثمَّةَ ما يدلُّ على أن المكان الذي عناه الشاعرُ منهلُ ماء، بل ربما كان جبلًا، كما ذهب إلى ذلك (حمد الجاسر). (ص206).  ثمَّ ألا يمكن أن تكون بعض الموارد خارج طريق المتنبي إلى الكوفة؟  وهو ما قاله اللغويُّون في معنى المنهل الشَّغُور، أي البعيد عن الطريق.  فيردها المرءُ ثمَّ يعود إلى طريقه.  أي أن المواردَ التي يُفترض أن أبا الطيِّب استقى منها ليست دائمًا على طريقه، ضربة لازب.
أمَّا قول المؤلِّف، (ص274): إن تسمية (دُوْمَة الجندل) مشتقَّة من «الدومة» أو «القُبَّة» الصخريَّة هناك، فمخالف لتعليلٍ آخر قديم، راجح، وهو أنها سمِّيت باسم أحد أبناء (إسماعيل بن إبراهيم)؛ فمن أبنائه: (قيدار)، و(دُوْمَة)، و(تيماء).  والاسمان الأخيران ما زالا معروفَين إلى اليوم، بـ(دُوْمَة الجندل) و(تيماء).  جاء في (العهد القديم، سفر التكوين)(2): «وهذِهِ مَوَالِيدُ إِسْمَاعِيلَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، الَّذِي وَلَدَتْهُ هَاجَرُ الْمِصْرِيَّةُ جَارِيَةُ سَارَةَ لإِبْرَاهِيمَ. وهذِهِ أَسْمَاءُ بَنِي إِسْمَاعِيلَ بِأَسْمَائِهِمْ حَسَبَ مَوَالِيدِهِمْ: نَبَايُوتُ، بِكْرُ إِسْمَاعِيلَ، وقِيدَارُ، وأَدَبْئِيلُ، ومِبْسَامُ، ومِشْمَاعُ، ودُوْمَةُ، ومَسَّا، وحَدَارُ، وتَيْمَا، ويَطُورُ، ونَافِيشُ، وقِدْمَةُ.»
[وللقراءة في هذا الكتاب بقيَّة]
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1)  انظر: الجوهري، الصحاح؛ الفراهيدي، العين، (شغر).
(2)  25: 12- 15

أترك تعليق أو مشاركة

من الأرشيف

أترك تعليق أو مشاركة