موقف الصحافة المصرية من الصهيونية 1897- 1917 (3 والأخيرة ) – بقلم : تميم منصور

دراسات …
بقلم : تميم منصور – فلسطين المحتلة ….
لم يقتصر تبرير موقف الحركة الصهيونية من الهجرة إلى فلسطين ، بالاعتماد والاستعانة باقلام  كتاب ينتمون الى الجالية اليهودية في مصر ، الذين نجحوا باسكات المعارضين والحذرين   من نوايا الحركة الصهيونية في فلسطين من الكتاب والصحفيين العرب ، خاصة من الشاميين ، تجاوز الصهيونيون هذه القضية، ونجحوا باستقطاب بعض الكتاب الفلسطينيين الى جانبهم ، وكان أحد هؤلاء الكتاب ويدعى ” سليم قبعين ” الذي عمل وكيلاً لصحيفة المؤيد في سوريا ، وعمل مدرساً للغة العربية في مدرسة الاتحاد الاسرائيلي بمصر عام 1905 ، تصدى قبعين للكتاب الفلسطينيين الذين عارضوا الهجرة اليهودية الى فلسطين ، أعلن دعمه لهذا المشروع ، واشاد بالاستيطان اليهودي لبلاده .
اشارت الدراسات أن جميع الكتاب اليهود الذين دعموا موقف الصهيونية كانوا يعملون كفريق واحد ، وبصورة مدروسة ومنظمة ، بينما عمل الكتاب العرب الذين حاولوا التصدي للمشروع الصهيوني بصورة عشوائية ، منفردة ، لم تتوفر لديهم هيئة توجههم ، تزودهم بالمعلومات والحقائق ، ولم تكن لديهم رؤية مشتركة ، مما جعل آراءهم تتضارب ، واختلفوا بين مؤيد ومعارض ، وكان لذلك انعكاساته السيئة على الجمهور الذي اختلطت عليه الأمور .
ذكرت الدراسات أن الحركة الصهيونية في مصر والشام ، قدمت الرشاوى للعديد من الكتاب العرب ، كي يبرروا مواقفها من الهجرة في مقالاتهم الصحفية ، كما انه تم دفع مثل هذه الرشاوى للعديد من الصحف ، بما فيها بعض الصحف التي كانت تصدر في اسطنبول ، لقد لخص هؤلاء الكتاب المرتشون مزايا الهجرة اليهودية الى فلسطين ، في زيادة دخل الفلسطينيين من بيع اراضيهم ، وبيع محصولاتهم ودواجنهم لليهود .
كما أشادوا بارتفاع اسعار الأراضي ، وارتفاع أجر الفلاح الفلسطيني ، وايجاد فرص عمل له في المستعمرات اليهودية التي اقيمت ، خاصة خلال الهجرة الأولى 1882- 1904 وخلال الهجرة الثانية 1904-1914 أيضا حاول هؤلاء الكتاب ايجاد المبررات للهجرة اليهودية وأشادوا بمساعدة المهاجرين اليهود للفلاحين العرب ، وتعليمهم فنون الزراعة الحديثة والصناعة والتجارة وباقي الحرف المختلفة ، بالاضافة الى ازدياد العمران في فلسطين ، وضخ دم جديد الى فلسطين ، بفضل العنصر اليهودي رسول المدنية الغربية الحديثة .
هناك بعض الصحف التركية التي اشادت بالهجرة اليهودية الى الدولة العثمانية ، تمثلت هذه الاشادة في اسهام المهاجرين في تمويل خزانة الدولة ، وزيادة ما تحصله من الرسوم والجمارك والضرائب التي سيدفعونها .
هناك بعض الولاة العثمانيون الذين  اداروا ولايات الشام ، والمتصرفيات حصلوا على رشاوى من الحركة الصهيونية ، مقابل تسهيل الهجرة ، ومنهم من ادعى أن المهاجرين اليهود سوف يسهمون أيضاً في الحفاظ على الأمن في بلاد الشام ، لأنهم سوف يشكلون في فلسطين منطقة عازلة امام المد القومي العربي الذي كان متنامياً ، خاصة في المدن السورية ، آمن هؤلاء الولاة بأن اليهود سوف يقدمون للدولة العثمانية خدمات مادية ومعنوية ، بفضل القروض والتبرعات مقابل عطفها على الأماني الصهيونية .
حاول الكتاب العرب خاصة من أهل الشام ، الاشارة في مقالاتهم في الصحف المصرية ، الى الأخطار الصهيونية ، وركزوا على نقطة هامة وهي ان زيادة عدد اليهود في فلسطين ، سوف يمكنهم من وضع يدهم على السلطة في البلاد ، وأوضح هؤلاء الكتاب بأن المستعمرات اليهودية في فلسطين أصبحت بالفعل تمثل دولة داخل دولة ، من حيث استقلالها الاداري واضطلاعها بمسؤولية الأمن فيها ، بعيداً عن سلطة الدولة العثمانية.
لقد أصبحت لهم طوابعهم البريدية الخاصة ، وأصبح لهم علمهم الخاص ومحاكمهم الخاصة ، الأمر الذي سوف يؤدي الى تقلص سلطة الدولة العثمانية ، وهذا بدوره سوف يؤدي الى تحويل وجود اليهود في فلسطين الى مشكلة قومية ، كبقية المشاكل القومية التي كانت تعاني منها الدولة العثمانية ، كالمشكلة الارمنية وغيرها .
المحزن والمؤسف حقاً ، ان مزايا الهجرة الى فلسطين كما تناولتها الصحف المصرية زادت من اضرارها ، بسبب دخول الصهيونيين ميدان الكتابة ، مثلاً نجد أن صحيفة الاهرام ، قد أيدت الهجرة اليهودية للاستفادة من مزاياها ، لكنها ربطت هذا التأييد بشرطين ، أولهما ان ينتشر اليهود في جميع الاقطار التابعة للدولة العثمانية ، وان لا يتركزوا في فلسطين ، كما طالبت هذه الصحيفة بحصول اليهود على الجنسية العثمانية .
أما صحيفة المؤيد ، فقد مالت إلى رفض الهجرة اليهودية ، لكنها سمحت للكاتب اليهودي نسيم ملول بنشر مقالاً مطولاً دافع من خلاله عن وجهة نظر الحركة الصهيونية بالنسبة للهجرة اليهودية .
أما صحيفة المقطم فقد سمحت لسليم قبعيين بنشر مقالات على صفحاتها ، شرح من خلالها عن مزايا الهجرة اليهودية الى فلسطين ، تحدث في هذه المقالات عن المستوطنات اليهودية في فلسطين ، وكتب مقالاً خاصاً قارن فيه بين العرب واليهود وبين القدس القديمة والقدس الحديثة .
وفي تلخيص لمجمل المقالات التي نشرت في المقطم وفي الفترة المذكورة 1897- 1917 ، فقد اتضح ان عدد الكتاب الذين عبروا من خلال مقالاتهم عن عدم معارضتهم للهجرة اليهودية الى فلسطين حوالي 70% ونسبة الكتاب الذين عارضوا الهجرة حوالي 30% .كشفت الدراسات ان الصحف المصرية الثلاث التي اهتمت بموضوع الهجرة الى فلسطين ، وهي الاهرام ، والمقطم ، المؤيد ، . اهتمت أيضاً بكشف الاساليب التي اتبعها اليهود لادخال المهاجرين الى فلسطين ، وفي التحايل على القوانين والفرمانات العثمانية . من هذه الاساليب : رشوة الحكام العثمانيين والتواطؤ معهم ، إغراء الفلاحين والسماسرة العرب بالأسعار المرتفعة ، تقديم رشاوى لعدد من القناصل الاجانب في الدولة العثمانية لإصدار شهادات تؤكد بأن اليهود أجانب من حقهم شراء الأراضي داخل الدولة العثمانية ، اعتماداً على ما ورد في ( خط همايون الشريف)  الذي اجاز للأجانب تملك الأراضي في الدولة العثمانية.
عندما لمس  القادة والاعيان العرب في بلاد الشام ان عملية بيع الاراضي لليهود آخذة بالازداد ، توجهوا للسلطان العثماني عبد الحميد الثاني سنة 1876- 1909 خاصة وان هذا السلطان لم ينجح في سد أبواب هجرة اليهود بسبب حالة الفوضى والفساد ، طلبوا منه اغلاق ابواب الهجرة ، لكنهم لم يوفقوا في هذه المطالب بسبب وصول الاتحاديين الى السلطة ، وتوثيق العلاقات بينهم وبين اليهود ، وبسبب مساعدة الآخيرين لهم في الثورة ضد السلطان عبد الحميد ، وبدأت تظهر الدلائل على وجود تواطؤ فيما بين الصهيونيين والاتحاديين بالنسبة لفلسطين .
المصادر :
1-   ابراهيم دسوقي – صحافة الحزب الوطني – القاهرة 1985
2-   تيسير ابو عرجة – جريدة المقطم – جامعة القاهرة – 1978
3-   راجية أحمد قنديل – صورة اسرائيل في الصحافة المصرية – القاهرة -1981
4-   سليمان سالم صالح – جريدة المؤيد – القاهرة -1985
5-   ابراهيم عبده – جريدة الاهرام – دار المعارف بمصر ، 1951
6-   أحمد عطية – القاموس السياسي ، القاهرة 1980 .
7-   آرثر جولد شميت – الحزب الوطني المصري – القاهرة سنة 1983 .

أترك تعليق أو مشاركة

من الأرشيف

جديد صوت العروبة

أترك تعليق أو مشاركة