قرية هونين بفلسطين المحتلة …بقلم : فؤاد عبد النور

دراسات ….
بقلم : فؤاد عبد النور – المانيا ….
برز الكثير من المؤرخين الإسرائيليين في العقود الأخيرة بتحليل  السرد الحكومي الرسمي لما حصل في أواخر أيام الانتداب البريطاني على فلسطين، وقيام الدولة العبرية على أشلاء غالبية  القرى الفلسطينية، وكانوا في هذا يناقضون الرواية الرسمية، ويكذبونها في الغالب. الدافع لذلك كان فتح الأرشيف الحكومي لتلك السنوات أمام  الباحثين، ما عدا بعض الأسرار العليا. فوجئ الباحثون  بأن ما لقنوا به  في المدارس الإبتدائية إلى دراساتهم العليا كان أغلبه كذبٌ في كذب، واختراعٌ في اختراع. أهم ما اكتشفوه هو كذب الرواية الرسمية أن الفلسطينيين قد ” برخوا ” أي هربوا، غير قادرين على تحمل تبعات رفضهم قيام الدولة، أو استجابوا لدعوة قوى خارجية بأن يفسحوا الطريق للجيوش العربية القادمة للتحرير.
ثبت لأولئك المؤرخين بدون أدنى شك بأنه قد حصلت تجاوزات خطيرة وكبيرة لقيام هذه الدولة، ومن لن يرتعب من المذابح المتكررة ضد المدنيين العزل، أو الذين كانوا قد ألقوا سلاحهم، قد أمروا بلغة واضحة لا إبهام فيها بأن ينطلقوا حفاة ً عراةً، مسلوبي المقتنيات التي حاولوا إنقاذها في طريقهم لسوريا ولبنان، أو إلى أحضان الملك عبد الله، الذي كان ينتظر بصبر وتخطيط جيد لهذه الأيام التي يتمكن فيها  من بلع ما تعجز الدولة العبرية عن بلعه آنذاك.
إن هذا لا ينفي أنه قد حصلت تجاوزات لا تقل خطورة عما حصل  من الجانب الإسرائيلي. ولكني أشعر بالخجل لفشل المؤرخين الفلسطينيين بتسجيل ما ارتكبناه نحن من تجاوزات، او ما قد رفضناه من حلول، كان بإمكانها أن  تقلل كثيرا من خسارتنا في لا نزال ندعوه بالنكبة.
المفروض في النكبات أن تحصل مرة واحدة. ولكننا في الواقع نعيش في نكبات متصلة، ويجب الاعتراف بهذا. بداية طريق إعادة البناء تبدأ بالاعتراف بالأخطاء، ومنع تكرارها.
لقد صدق المؤرخ الإسرائيلي ” مئير لتفاك ” عندما كتب:
” منذ أن انشغل الفلسطينيون في عملية بناء  وطنهم كأمةٍ  في السنة 1920،  فإنهم لا يزالون في خضم الكفاح الوطني، وبالتالي فإن المؤرخين الفلسطينيين باللغة العربية – إن كانوا رسميين،  أكاديميين،  أو مؤرخين شعبيين – يمكن اعتبارهم كمؤرخي تعبئة. بكلمات أخرى،  فإنهم لا يزالون في مرحلة عدم الانتقاد،  ويتجاهلون انعكاس الواقع على كفاحهم بحيث لا يُـقبل  ولا يُـعرض سوى ما يناسب قواعد الهدف الوطني المقرر. ”
الحق يقال أن المؤرخين الإسرائيليين الحديثين لا يسيرون على هذه السياسة، و أمانتهم الأكاديمية تدفعهم لكشف الحقيقة كما كانت، وكما هي.  وهم يدركون أنه دون الاعتراف بالظلم الذي وقع على الشعب الفلسطيني، ودون الاعتراف بعبث سياسة الاستعمار، فإننا لن نتقدم خطوة لراحة الشعبين المبتلين بقيادات عاجزة عن مواجهة الحقيقة.
من هؤلاء المؤرخين الإسرائيليين الجدد ” تومر غاردي “. قبل شرح من هو تومر، وما هي قصته مع قرية هونين، لنذكر شيئا عن القرية، وموقعها، وأين هم سكانها الآن.
هونين * 0
( دمرت القرية كاملة ، ولم  تكن  قد ذكرت  في الطبعة الثانية لها الكتاب.)
تقع هونين على الحدود اللبنانية، وعلى بعد 28 كلم. عن صفد، و3 كلم شمال-غرب الخالصة،  وفي الجنوب الشرقي  لجبل عامل.
أراضي هونين متداخلة في أرضي تابعةٍ  لها في الجانب اللبناني، ولهذا استطاع أبناء هونين استرجاع أراضيهم في الجانب اللبناني  وفلاحتها بعد الهجرة القسرية،  لوجود أوراقٍ رسميةٍ  بامتلاكهم لها. وكانت هونين مركزاً تجارياً للقرى المحيطة بها، لنشاطها الزراعي، خاصة زراعة  التبغ والتين.
شيد الصليبيون قلعةً  فيها عام 1179، بعد حصن جسر بنات يعقوب،  للدفاع في حال تعرضهم لهجومٍ  من جهة الشمال، ودعاها الصليبيون ” كاستيل نوف”. و يقال أنها  كانت تحتوي على مئة  ” بئرٍ كفرية ” لتأمين المياه أثناء أيام الحصار، ويبلغ معدل عمق البئر الواحد حوالي الخمسين متراً. وكان تحت المسجد خزانٌ  للماء بطول عشرة أمتار، وعرض  ستة أمتار، على امتداد المصلّى في المسجد. أشار إلى القلعة الرحالة العربي ابن جبير، عندما مر بالمكان سنة 1183. وقد استسلمت الحامية  لصلاح الدين سنة 1187، ولكنها عادت إلى حوزة الصليبين إلى أن دمرها القائد  الظاهر بيبرس سنة 1266.
كان فيها مدرسةٌ ابتدائيةٌ  للبنين.
تعرضت هونين لحملات فرنسيةٍ  متعددةٍ لإخضاعها، وإخضاع قرى جبل عامل، إلى أن تم قهر المقاومة العربية. ثم سُلمت للانتداب البريطاني على فلسطين، مع أخواتها الست قرى الأخرى، ولكن مختار هونين بقي يستخدم ختم المخترة  اللبناني.
بدأ الاستيطان الصهيوني في الجزء الشمالي من  أراضي القرية بمستوطنة ” مسجاف “، ثم أنشئت مستوطنة  ” مرجليوت ” في السنة 1951، جنوب قلعة هونين مباشرة. وقد تردد اسم  مرجليوت كثيرا في الأخبار عندما هاجمتها قوةً  فدائيةً  تابعةً  للجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين، بتاريخ 12 \ 11 \ 1988.
عدد السكان في السنة 1948 كان 1879 نسمة. مدرستها، ومقبرتها، وآثار القلعة الصليبية لا تزال ظاهرة، ويتردد عليها الكثير من السياح، المحليين والأجانب.
تستخدم بناية المدرسة كمستودعٍ زراعي.
—————-
عاد اسم هونين واسم المستوطنة التي بنيت على أرضها, مرجليوت، عاد يتردد في الأنباء بعد صدور كتاب لِ ” تومر غاردي ” مؤخراً، وعلقت عليه جمعية ” تذكرت – زوخوروت ” في إحدى نشراتها، على شكل مقالٍ بعنوان ” أدب إسرائيلي آخر ”  تحرير ” يوناثان مندل “، وهو حامل دكتوراة في تاريخ الشرق الأوسط، بتاريخ 9 \ 2012،  أنقل عنه هنا ببعض التصرف:
” وزارة الثقافة  قلقة من ازدياد الكتابة والإنتاج الفني في المجتمع الإسرائيلي حول مواضيع النكبة الفلسطينية. أحد الأمثلة على ذلك كتاب تومر غاردي.  ولد تومر في كيبوتس دان في الجليل،  وبشجاعة كتب عن إسكات التاريخ في الرواية الرسمية الإسرائيلية، والآليات التي تسمح بذلك.
” كان مع صديق له يشربان كاساً من الجعة. فذكر الصديق أن متحف الكيبوتس  المُسمى ” بيت أوسشيكن “،  مبنيٌّ  كله من حجارة القرية التي كانت في المنطقة قبل أن دُمرت في السنة 48.  قالها الصديق بخفة ٍ عابرةٍ ، ولكن شيئاً تغــيّر في قلب تومر. أدت هذه الجملة إلى خروجه ” بقصةٍ ” صغيرة عن تاريخ فلسطين.. إلى أنقاض هونين،  وإلى أعمال العنف والاغتصاب التي حدثت هناك من قبل الجيش الإسرائيلي،  وإلى لاجئي القرية، وإلى أحشاء الحركة الصهيونية،  و” ذاكرتها الذاتية “. وكتب:  ” كما لو أنني ابتلعت حصاناً على قيد الحياة.. وهو يركل ويعدو  في داخلي، وأنا راكب على ظهره.. خرجت لأطرح سؤالاً،  لأوضح، لأشكّك، لأبحث، ولأدخل في الأرشيفات، لأقرأ الصفحات غير المقروءة، لأفتح الملفات المليئة بالعجب وغرائب القصص.”
خلال بحثه في تاريخ المنطقة التي نشأ فيها يكتشف غاردي في أرشيف الدولة وثيقةً سرّيةً من أيلول 1948، عنوانها ” قرار عمليات رقم 2 “، وقد تم التوقيع عليها من قبل قائد كتيبة 23 من لواء الكرمل، ويصف البند 3 الغرض من العملية: ” اقتحام قرية هونين، قتل العديد من الرجال، القبض على أسرى، وتفجير بعض منازل القرية، وحرق ما يمكن حرقه. ”
سحب هذا العمل من الحرق والتفجير ومحاولة إخفاء الأدلة، سحب البساط من تحت قدمي غاردي.  أخذ في قراءة الناقص، وأخذ في قراءة المَمحي. فوجد أن الطريق من كيبوتسه إلى المطلة يتكون كله  فعلاً من حجارة  بيوت  قرية هونين المهدمة.
غرق غردي  خلال هذه الرحلة في المياه العكرة لعملية النسيان الإسرائيلية. تبين له أن أربع نساء من هونين قد اغتصبن على أيدي جنود إسرائيليين، وقتلن بعد ذلك. وجد وثائق المحكمة العسكرية، وفهم من قراءتها أنه قد جرت تبرئة الجنود المغتصبين. مُسحت الجريمة. مُسح العار. مُسحت النساء. ومُسحت القرية. كل ذلك بسبب “الخصوصية الشخصية وحماية حقوق الفرد “، كما ذكر قرار المحكمة!
إلا أنه يرفض قبول هذا المسح. أراد حماية حقوق الضحايا. أراد إيقاف الظلم التاريخي. أراد أن يُسمّى الاغتصاب اغتصاباً. والتطهير العرقي تطهيراً عرقياً. ويستمر في تحقيقه، ويعثر على وثائق المحكمة في العام 1950،  والتي يعترف فيها الجنود الأربعة بالاغتصاب، والقتل. يكتب أسماءهم. يأخذ صوراً عن وثائق الأرشيف. ويحاول إعادة المشطوب!
خرج غاردي عن الطريقة التي تريده إسرائيل الرسمية أن يفكر بها. وبدلاً من ذلك اختار أن يرى الناس عبر الوثائق الناقصة. ووجد عبر الإنترنت  أن شباب قرية هونين موجودن  في برلين، في نادٍ رياضيّ لهم ( مع الأسف مغلقٌ الآن!)، وزارهم.
نشر كتابه بالألمانية.
نجح غاردي في رؤية الإنسان في هونين. ربما ساعده هذا في كتابة ما قد كتب.

أترك تعليق أو مشاركة

من الأرشيف

جديد صوت العروبة

أترك تعليق أو مشاركة