في حارتنا العتيقة- بقلم : شهربان معدي

فن وثقافة ….
بقلم: شهربان معدي – فلسطين المحتلة …
في حارتنا العتيقة، التي كانت تغّفو على صوت هدهدة الأمهات الرخيم، وتصحو على صوت هديل اليمام و سقسقة عروس التركمان! هناك كُنّا أطفالاً نلهو تحت كل سماء.. نتأرجح بالغيم المارق، ونفتح أيادينا الصغيرة على اتساعها ونُصلي لتمطرنا دمىً وكعكبان..
هناك..! كنا نتوسد أركية الفرح الأخضر ونلعب لعبة “دور يا صحن السُكّر” نملئه خيّرا وسكر ونذرّه حفنات حفنات على كل بيوت الحارة.. وهناك كانت حارتنا العتيقة غارقة من الرأس حتى أخمص القدميّن بلهو الأطفال، وبحرير أحلام العذارى اللواتي كُنّ يمشطن أهّداب أحّلامهن بأنامل الطهر والنقاء ويطرّزن المناديل الشّامية وجهاز العروس على نور قمر مُبدر، وينّشُرن القمح المصوّل على سطوح البيوت الحجرية!
هناك كُنّا.. في حارتنا الناعسة، نسّتقبل موكب الشّمس مع صياح الديك ونهيق الحمار ونُباح الكلاب وولادة القطط! ونتلهف لمواسم الزيّتون كلهفة الأرض للمطر الأول كي نجني الغلة ونخزنها في خابيّة الزيت قبل قدوم الشّتاء.
كنا أطفالا، كبار وصغار، نجلس القرفصاء حول طبق القش وتتسابق أيادينا الصغيرة على ما يسّره لنا الله من قوتٍ راضيين قانعين! ثمرات التين البياضي كانت التحلية نخطفها من قرطلة جدتي أم حسين وبضع حبات توت نقطفّها من توتة عمي أبو صالح التي طالما نصبّنا تحّتها الفخاخ، لنصيد طيور وهّمية..!
هناك في حارتنا المنّسية كان يعود عمي أبو يوسف من حقلهِ، الشمس تشرق من كفّيه والمنكوش يبتسم على كتفه، هل ثمة أحدٌ أخبر عمي أبو يوسف، “جار الرضى” بأنّه زرع في قلب كل من عرفه غابة فرح؟ وجارتنا الخالة أم سعيد المرأة القوية كالرجال! كانت تزغّرد كالصبايا في الأعراس وتلوْح بمحّرمتها المنّقوشة في المناحات وتّبكي كالأطفال! هل أدركت يوماً بأنها زرعت في قلب كل من عرفها “قصّفة حبق”
نشتاق..! لنسيم الصبا للدبكة الشمالية ونخوة الشباب السمر! نشّتاق لرائحة الحناء في عيد الأضحى المبارك، لطاسة الرعبة التي حُفِر عليّها آية الكرسي والتي فعلت ما لا يستطع أن يفّعلهُ أمهر الأطباء عنّدما سقط أحد الصبية عن السطح! نشتاق للمّة نساء الحارة تحت عريشة الدوالي ليرتشفن القهوة “الوقت عنّدهن لا من فضة ولا من ذهب” كن يتركّن لنا نحن الصغار الحبلَ على الغارب لنلعب لعبة الغُميضة وإجر الجمل مكّسورة، نتعارك كديوك رومية ونتصالح خلال دقائق معّدودة ثم نعود لنلعب كجراء صغيرة تكتشف الأشياء من حولها بأفّكارنا الساذِجة كأفّكار العصافير وأحّلامنا البريئة كأحلام الفراشات! غير مُباليين بما يدور حوّلنا..
أين رحلت يا حارتنا العتيقة؟ من لطّخ ملامحك الجميلة بألوان الخريف..؟ وقصّ ضفائرك الطويلة وسرق وجّهك الذي كان أجمل من وجّه السّماء..!؟ من أجتثّ شجرة التوت من جذورها وطرد عروس التركمان وقتل فراخ اليمام وكسر صحن السُكّر..؟ ولماذا أصبح الناس اليوم يعيشون في سيرك إسّتعراضي عام يشمل الكبير والصغير! يُصفّق الواحد للآخر دون أن يفّقه الواحد الآخر أو يحب الواحد الآخر! أهذا ما أغّضبك يا حارتي العتيقة؟
ألأننا كُنا كبارًا، رفيقنا الصدق والطهر! ولم نرتدِ قط تلك الأقنعة الملوّنة التي يلبسها بنو البشر الآن! في كل مناسبة قناع وفي كل وقت قناع! نعم كُنّا كباراً لنا وجه واحد بدون أي قناع! ولكننا اليوم.. وبعد أن كبرنا، أصبحنا صغار! نغيّر الأقنعة حسب متطلبات المكان والزمان، ننشد لكل واحد موّاله على هواه لا كما يُمليه علينا الواجب!
لماذا أصبحنا صِغارًا؟ نكرّر كل ما نسمعه عن ألسن العامة كببغاوات غبيّة دون شفافية أو موضوعية! ألهذا السبب رحلت حارتي العتيقة وتغيّرت ملامحها الأصيلة؟ أتُريدنا أن نعود كبارًا كعهدها بنا! ليّتنا نعود كبار! وليّتها.. تعود يوّما ما حارتنا العتيقة، التي تجمّدت هُناك.. على مشارف الزمان.

أترك تعليق أو مشاركة

من الأرشيف

جديد صوت العروبة

أترك تعليق أو مشاركة