جدي ذلك الفلاح الذي غدر به بلفور..بقلم : بكر السباتين

منوعات ….
بقلم : بكر السباتين …
كان جدي يمتلك قبل النكبة مساحات شاسعة من كروم الزيتون والأراضي الزراعية في قرية الدوايمة، وعدة بقرات ما يزال والدي يحفظ أسماءها عن ظهر قلب، وفجأة يظهر لهذه الأرض الكنعانية وريث سكسوني سقط على أجدادنا من سماء الوهم، اسمه اللورد بلفور، والذي قام بتوريث كل أرض فلسطين للغرباء وكلابهم المستعرة القادمة من أوروبا، عصابات بني صهيون التي انقضت على كل شيء حيّ في القرية، ونالت مناجلها من رؤوس أجدادنا كأنها أعشاب ضارة، وسلبوا قمحنا وزعترنا وتراثنا.
لكن أحفاد جدي كشأن كل من عايش تفاصيل النكبة فقد ورثوا ذاكرته الخصبة بالحكايات، وسمدوها بالأمل، وأعادوا إليها زيتونها وقمح الحياة والغناء..
حتى هذه الأيام، كلما اجتمعنا في بيت العائلة، نتحلق وصغارنا حول والدي الحاج محمود السباتين، فيعيد سرد تفاصيل النكبة علينا للمرة الألف، يتفحص تفاصيلها وهو يعيشها بصدق، لا يكل ولا يمل، ونكاد نسمع خفقان قلبه الذي يفيض بالحنين، وعيناه تتقلبان على جمر الرحيل، ولوعة الفراق، مترحماً على شهداء فلسطين، وخاصة مذبحة الدوايمة، ثم يتوقف عن البوح، فتتعثر العبارات في حلقة، وهو يذكرنا بجدنا الذي قضى شهيدا أثناء محاولته العودة إلى القرية.. لكن ما يبرد نار قلبه أن والدي حاول الانتقام بما أتيح لديه من إيمان راسخ وقدرة على استيعاب  كيفية التعامل مع الألغام وتفكيكها بسحب الكبسولة من مركز أسطوانة اللغم، ليعيد زرعها في طريق ناقلات الجنود الصهاينة، وسرعان ما كان يبتهج قلبه كلما زفت النسائم إليه بصوت انفجار..
أطال الله في عمر والدي الذي ذاب عشقاً بفلسطين، فأورثنا هذا العشق الجميل

أترك تعليق أو مشاركة

من الأرشيف

جديد صوت العروبة

أترك تعليق أو مشاركة