من ذكريات الحياة : البابا شنودة شاعــــرا – بقلم : وليد رباح

فضاءات عربية ….
بقلم  : وليد رباح – رئيس تحرير صوت العروبة – ولاية نيوجرسي …
قد سعدت بلقاء البابا شنودة سنة 1993 في الولايات المتحدة الامريكية عندما جاءها زائرا للعلاج .. وقد جلسنا اليه مع مجموعة من الصحافيين آنذاك .. نسأله فيجيب .. ومع اجابته تأتي النكتة في حديثه كأنما هي مجرى الماء فيقولها ضاحكا مستبشرا .. ورغم كبر سنه آنذاك .. الا انه كان في اجاباته كشاب لم يبلغ الاربعين .. ولقد تعلمنا منه الكثيرابان ذلك اللقاء .. فاذا به بحر من العلم والمعرفة .. لا تفارقه الابتسامة .. يتحدث في السياسة والفن والاقتصاد والادب والقصة والشعر وكل انواع الفنون الانسانية .. وفي هذه العجالة التي نكتبها في ذكراه .. ندرج بعض حياته التي كانت نبراسا للكثير من الكتاب واعجوبة في الثقافة كبحر لجي عميق يعطيك من لؤلؤه الكثير من العبر .. انه البابا اشنوده الذي شاع ذكره في الافاق كمفكر وبابا للاقباط .. رحمه الله رحمة واسعة ..
لقد تناول سيرته الثقافية والدينية العديد من الكتاب في مصر والعالم العربي .. ووصل اسمه الى آفاق هذا العالم .. ونحن بدورنا ندرج هنا بعضا من سيرته كما درسناها عن قرب ..

سيرته الذاتية  :
تناولت سيرة البابا شنوده العديد من الصحف المصرية والعربية ابان حياته .. ومن اجمل ما كتب عنه باعداد من الكاتب احمد الشهاوي .. سيرته الذاتية التي تعد مفخرة لذلك الذي اعطى العلم والثقافة والمعرفة الشىء الكثير .. يقول الكاتب ..
البابا شنوده له كتابات كثيرة نثرية وشعرية باللغة العربية .. وقد ترجم عدد منها الى لغات اجنبية شتى .. فهو يعد البابا رقم 117 في عداد البطاركة .. وكان اسمه قبل ان يرسل بطريركا ( نظير جيد) ، وقد ولد في قرية سلام لمحافظة اسيوط في الثالث من اغسطس عام 1923 ، بعد اخيه روفائيل وخمس شقيقات له .
حصل على ليسانس الاداب عام 1947 ، وفي العام نفسه تخرج من مدرسة المشاة للضباط الاحتياط.. وكان اول الدفعة ثم حصل في العام 1949 على دبلوم في علم اللاهوت من المدرسة الاكليريكيه وقد ترهبن في 28 يوليو 1954 ، وصار اسقفا في 20 سبتمبر 1962 ، وجلس على الكرسي البطريركي في 14 نوفمبر عام 1971 , وهو عضو نقابلة الصحافيين حيث اصدر مئات الكتب والاف الشرائط المسجلة ورأس تحرير كل من مجلس مدارس الاحد ومجلة الكرازة .

أثاره :
كتب البابا شنوده الثالث الشعر منذ بواكيره الاولى . ولم يدرس قواعده وقتذاك ولا يجرؤ ان يسمي هذه البواكر او تلك البدايات شعرا بل اطلق عليه ( مشاعر) .. لكنها مشاعر تمكنت دائما من ان تظهر الابتسامة على اوجه القراء ..
بعدها عثر البابا على كتاب ( اهدى سبيل الى علم الخليل ) وعرف كما يذكر الشاعر عادل الطوسي العروض والقافية والتفاعيل والبحو والعلل والزخارف وكل ما يختص بالشعر واوزانه . وبعد كل ذلك بدأ ينشر قصائده كشعر موزون حسب قواعد الشعر . لدرجة ان البابا شنوده كان حين يعطيه مدرس اللغة العربية موضوعا في الانشاء كان يكتبه بالكامل شعرا .
وقد أخذ الشعر منه الكثير من الوقت ومن العاطفة منذ درس ميزان الشعر . وهو العروض سنة 1929 ، وقد كان ميلاد البابا شنودة كشاعر في احدى الحفلات بمدرسته حيث وقف امام جمع غفير من كبار المسئولين في وزارة المعارف لينشد قصيدة كتبها تكشف عن عمق الحس الوطني لديه منذ الصغر واعتزازه بمصريته وايمانه بضرورة تعاضد المصريين جميعا لرفعة بلادهم ذلك لان مصر حسب تعبير البابا ليست وطنا نعيش فيه بل وطن يعيش فينا .
كان البابا يحفظ وهو في المرحلة الثانوية عشرة الاف بيت من الشعر العربي ، وفي امتحان اللغة العربية اشفهي امتحن في الشعر وطلب منه احد الممتحنين ان يلقي قصيدة يحفظها فسأله : في اي عصر ؟ فقال له الممتحن ، وهل تحفظ كل العصور ، اجاب : اجل ، قال : اسمعني قصيدة من الشعر الحديث فقال ، ولاي شاعر من شعراء العصر الحديث : قال : وهل تحفظ للجميع ؟ قال : نعم لاكثر من ثلاثين شاعرا . قال وهل تكتب الشعر ؟ قال : اجل ، قال : اذن اسمعنا بعضا منه ، فالقى البابا شنوده احدى قصائده واكثر قصائده في مغارة حيث كان معتكفا في خلوة متفرغا لعبادة الخالق .
رضع من امهات المسلمين :
اما بواكير قصائد البابا فقد كتب ابياتا وعمره ستة عشر عاما في ذكرى رحيل امه التي توفيت بعد ولادته بساعات قليلة لاصابتها بحمى النفاس . فتولت شقيقته الكبرى ارضاعه ، والبابا يعتز كثيرا بانه رضع من امهات مسلمات في القرية ، وبهذا يكون له اخوة واخوات في الرضاعة من المسيحيين والمسلمين وامهات في الرضاحة مسيحيات ومسلمات .
وهنا امر طريف حدث للبابا ، حيث يورد عادل البكوسي في كتابه ( البابا شنوده9 شاعرا ) حيث بموت امه عند ولادته اهمل قيده في الدفاتر الرسمية ، فلم تكن له شهادة ميلاد . وتسبب ذلك في مشكلة يلخصها البابا قائلا : كنت في بنها اعيش في كنف شقيقي رفائي ، ومن هناك حصلت على الشهادة الابتدائية من مدرسة اهلية . ولم تكن في المدينة كلها سوى مدرسة ثانوية حكومية واحدة رفضت قبولي لعدم وجود شهادة ميلاد . فذهبت الى طبيب للتسنن ، وكنت حديث السني لكني اعلم جيدا تاريخ ميلادي . وهو 3\8\1923 . الا ان الطبيب في البداية لم يصدقني واراد وضع تاريخ آخر فقلت له : احترس من ان تقع في غلطة .. ( وذلك حتى لا يسجل تاريخ ميلاده بعد موت امه )
ولفرط حب قداسته للشعر التحق بالثانوي في القسم الادبي ثم كلية الاداب قسم التاريخ . والثابت انه بين الشعر والتاريخ وشائج قوية وثيقة / فالتاريخ كان وما يزال منهلا عذبا ينتج الشعر ، وهو معين لا ينضب ابدا لانه ترجمان الحياة الانسانية . وعلى ذلك جاءت معظم قصائد البابا ..
الشعر العربي هوايته الاولى:
وقد كان البابا شنوده الثالث كما يذكر الشاعر عادل الكوسي ، بالاضافة الى معلوماته التاريخية الثرية يملك مخزونا معلوماتيا كبيرا لاطلاعه الواسع وثقافته الاصلية التي ظهر على اثرها في انتاجه الشعري وعظاته ومؤلفاته ومقالاته ، فقد كان قارئا نهما في شتى مناحي المعرفة .
يقول البابا : قرأت في طفولتي في كل نواحي المعرفة ، اتذكر انني قرأت كتاب ( قادة الفكر) لطه حسين ، وانا في الرابعة عشرة من عمري . وربما قبل ذلك ايضا قصة ( ساره) للعقاد ، واطلعت على كتب في الطب والاجتماع ، ولكن الشعر العربي كان هوايتي الاولى .
ترك البابا بعد موته9 مكتبة كبيرة تحوي دوائر معارف العالمية لكل اللغات بالاضافة الى كتب الادب ومكتبة اسلامية تحوي امهات الكتب في الفقه والشريع والحديث والتفسير ، ومن احب الكتب الى نفسه ( نهج البلاغة) للامام علي بن ابي طالب .. والبابا لديه ثلاث مكتبات ، واحدة في الكاتدرائية في العباسية . والثانية في الدير ، والثالثة في الاسكندرية لمواصلة القراءة اينما حل في تنوع فكري وشغب كبير بالثقافة العميقة الراقية ..
( في العدد القادم : سوف ندرج بعض اشعار البابا شنوده رحمه الله ) فالى لقاء .

أترك تعليق أو مشاركة

من الأرشيف

جديد صوت العروبة

أترك تعليق أو مشاركة